ولد بجهود مشتركة بين لندن وبيروت ونجاحه ربما يؤدي لـ”همسات2″
بيروت-“القدس العربي”: بين لندن وبيروت ولد عرض مسرحي من 90 دقيقة بعنوان “همسات”. ولادة وعرض ليسا بخصائص المسرح المعهودة ودوافعه. بعد انفجار المرفأ نمت فكرة “همسات” لدى أغاتا عز الدين، الفنانة اللبنانية النشيطة في لندن. شغلها الممثلون الكثر المتضررون من الانفجار سواء في منازلهم أو في مورد رزقهم، وكذلك المسارح المتعددة التي أصابها الدمار بدرجات متفاوتة.
نصوص عدّة قدمها كتاب بريطانيون وقع الاختيار على سبعة منها. وفي بيروت تمت ترجمتها ولبننتها. صارت مونولوغات أداها ممثلون لبنانيون، وتمّ تصويرها لتُعرض كفيلم عبر يوتيوب. بيعت البطاقات في مكتبة انطوان والعرض كان حقاً حصرياً لكل من اشترى بطاقة. هذا الحدث المسرحي بدأ يوم 7 تشرين الثاني/نوفمبر في الثامنة مساء، وأنتهى في الثامنة من صباح اليوم التالي 8 تشرين الثاني/نوفمبر.
مع أغاتا عز الدين الفنانة اللبنانية التي تعيش في لندن وتحترف التمثيل والإخراج والكتابة والإنتاج هذا الحوار:
*كيف خطرت لك فكرة دعم المسرحيين والمسرح من خلال عرض على يوتيوب؟
**أنا عضو في جمعية “إينباكت ليبانون” التي نشأت بعد الرابع من آب/اغسطس لمساعدة المتضررين في لبنان. ومن خلال هذا النشاط شعرت بضرورة الاهتمام بالمسرح والمسرحيين وتخصيص مساعدة لهم. خلال مشاهدتي لصور الدمار الذي لحق بمسرحي الجميزة ومونو وغيرهما راحت فكرة المساعدة تلح عليَ. وجدت أن جمعيات عدّة تطوعت لإعمار المنازل وهي الأساس بالطبع، وبما أني أؤمن أن المسرح منزل ثانٍ للفنان، وجدت نفسي أثابر بحثاً عن سبيل. خطوة البداية التي قمت بها تمثلت بسؤال لعدد من الكتّاب البريطانيين لمعرفة استعدادهم لتقديم نصوصهم من دون حقوق مادية. والمفاجأة أن كل من تواصلت معهم أبدوا الموافقة وقدموا النصوص. وبعد أسبوعين من الانفجار بدأت التواصل مع المنتجة جوزيان بولص التي رحبت بالفكرة. وبدورها ناقشتها مع المخرجة لينا أبيض التي سارعت معلنة استعدادها لإخراج العرض. وبدأ التواصل مع الممثلين. وجميعهم عبّروا عن حماسهم، ومن اعتذروا كانوا مرتبطين بمواعيد تصوير.
*وهل نصوص الكتّاب البريطانيين كانت خاصة ببيروت؟
**بل هي نصوص منجزة سابقاً، وحماس هؤلاء الكتاب أدهشني. وهذا التعاون كان مشرّفاً لنا بالطبع.
*وهل لأي نص أن يُعبر من الأطر المرسومة لعرض “همسات”؟
**طبعاً لا. ولهذا طلبنا أكثر من نص من كل كاتب. كنا حيال 18 نصاً قرأناها مراراً جوزيان بولص ولينا أبيض وأنا، واخترنا سبعاً منها، وجدناها الأكثر مطابقة لواقعنا. وخلال الترجمة خضعت النصوص للاقتباس واللبننة. مع الإشارة بأن النصوص هي عبارة عن مونولوغات. والتنويه ضروري بأن المخرجة لينا أبيض ربطت المونولوغات بأسلوب رائع، بحيث باتت مسرحية “همسات” متماسكة وكاملة، ولم تعد مونولوغات مشتتة. وبعد الترجمة كان لكل ممثل لمسته الخاصة على النص الخاص به. لقد كان للممثلين حضورهم المهم في اقتباس النصوص. وكل ممثل أضفى روحه على النص بإضافة قصة شخصية له.
*وما هي القصة التي تربط المنولوغات أحدها بالآخر؟
**أنهم فريق ممثلين بصدد تمرين نهائي لمسرحية عنوانها “همسات”. المعَلِّم أو “التكنيسيان” الذي يلعب دوره دوري سمراني يشكل الرابط بين المونولوغات كافة. وللمعَلِّم مونولوغه الخاص هو يتضمن قصة حب.
*اللافت أن عرض “همسات” لم يشكل ورقة نعي لواقعنا بعد الانفجار اللعين؟
**صحيح. ومنذ فكّرت بالموضوع كانت النصوص الكوميدية تشغل بالي. كانت الجروح لا تزال مفتوحة، والكآبة تلف الجميع، لهذا كان السؤال كيف نتناول الكوميديا بما يناسب حالنا. لم تكن التراجيديا خياراً مطروحاً. من هنا كانت الدقة في اختيار النصوص. وهكذا تراوح عرض “همسات” بين الدراما والكوميديا، إلى جانب مشهد رعب.
*هل حددتم سلفاً زمن العرض المسرحي وعدد الممثلين المطلوب؟
**من الطبيعي أن لا يتجاوز أي عرض مسرحي 90 دقيقة. وبالمقابل أدركنا عدد الممثلين الذين سيؤدونه. فالعرض يتكون من سبعة مونولوغات.
*ألم يتسبب ذلك بزعل الممثلين الذين لم يجدوا لهم دوراً في “همسات”؟
**بل العكس، كان لهم دور الترويج الإعلاني الواسع من الفم إلى الأذن.
*أين جرت التمارين؟
**في مسرح “بلاك بوكس بيروت” في الأشرفية. جرت التمارين والنوافذ والأبواب بدون زجاج، وكانت أصوات إعادة ترميم المبنى تصلنا مباشرة.
*وهل أضاف هذا المشهد مزيداً من الواقعية على الممثلين؟
**كثيراً. وفي كل لحظة كان يذكرنا لماذا نحن بصدد “همسات”. وقال بمدى أهمية إعادة إحياء المسارح.
*كيف تمّ تصوير المسرحية؟
**صوّر كل ممثل دوره منفرداً. جرى التصوير تباعاً وبسرعة، وكذلك كان حال المونتاج الذي أنجزته فرح شيّا وحمل الفيلم اسمها كمخرجة، فيما لينا أبيض تولت إخراج العرض المسرحي.
*بعد عرض “همسات” في لبنان والدول العربية فهل سيسوق ليعرض عالمياً؟
**تلقينا الكثير من الطلبات لترجمة المسرحية وعرضها لغير الناطقين بالعربية. لهذا نحن حيال مشروع لتقديمها على مستوى العالم ونعمل لترجمة العرض عبر شريط مرافق.
*ماذا عن عدد البطاقات التي بيعت لحضور العرض عبر يوتيوب؟
**امتد زمن العرض 12 ساعة بين الثامنة من مساء 7 تشرين الثاني/نوفمبر وإلى الثامنة من صباح اليوم التالي. راعى هذا الزمن ظروف من يعيشون بتوقيت مختلف. الإقبال على شراء البطاقات فاق توقعاتنا، وكذلك النجاح الباهر الذي حققه العرض. وردة فعل البعض تمثلت بالبكاء وهم يتواصلون معنا. حتى أنهم سألوا عن إمكانات أخرى يمكن تقديمها دعماً للمسرح. بلغ عدد البطاقات المباعة أكثر من 1600 وهي كانت بسعر رمزي موحد يبلغ 25 ألف ليرة لبنانية في لبنان، و11 باوند لمن يشتري من سائر دول العالم. ومن المفيد الإشارة إلى أن عدد الذين حضروا العرض هم أكثر بكثير من 1600. وفي كل مشاهدة تُسجّل على يوتيوب تجمع أكثر من شخص على الشاشة. ونحن ندرك سلفاً بأن المشاهدة لن تكون محصورة بالشخص الذي اشترى البطاقة. ومن أجل حماية حقوق من اشتروا البطاقات تمّ إيقاف العرض في صباح اليوم التالي. وهذا طبعاً لا يلغي احتمال تسريب الرابط من قبل أحد ما. ولهذا كان التمني على الشارين بعدم إعطاء الرابط لآخرين لم يدفعوا بدل البطاقة. وبالتأكيد ريع كامل البطاقات سيعود لأهل المسرح والمسارح المدمّرة. فجميع من عمل لوصول “همسات” إلى الجمهور قدّم جهده مجّاناً.
*وماذا عن الشفافية التي صارت شعاراً في لبنان فهل ستعملون بمضمونه؟
**نحن المعنيون بعرض “همسات” تشغلنا الشفافية المطلقة. التشجيع الكبير الذي قابلنا به الناس وضعنا أمام مسؤولية أدبية لنطلعهم وبوضوح على مصير دعمهم المادي. ولدى نشر هذا الحوار تكون الصورة الدقيقة عن المبالغ التي جنيناها قد تكونت لدينا، وكيف سيتِّم صرفها. نعرف مدى الأضرار التي لحقت بكل مسرح، ومن تلقى مساعدات، ومن يحتاج للمزيد. ونحن كذلك بصدد دعم المسرحيين العاطلين عن العمل، والذين لحقت بهم خسائر كبيرة في منازلهم. وإن تركنا المسرحيين دون دعم سيبحثون عن عمل آخر وستخسرهم الثقافة في لبنان.
*سبقتكم مبادرة حملت عنوان “تجمّع إغاثة المسرح” فهل جرى التنسيق فيما بينكم؟
**بالطبع وكان اللقاء مع حنان الحاج علي ومجموعة “تجمُّع إغاثة المسرح” الأول بين سلسلة لقاءاتنا، وحينها كانت “همسات” فكرة صغيرة. التعاون مستمر معهم بهدف معرفة إلى من يجب أن تذهب المساعدة مع التكتم على الأسماء حفاظاً على كرامة أصحابها.
*وهل تتوقعين مبادرات أخرى لدعم الممثلين والمسرح في لبنان؟
**المبادرة المتواصلة هي في تذكير الناس ونحن منهم بمدى أهمية المسرح في ثقافتنا. ومدى ارتباط الجمهور بهذا المسرح. في الواقع تبينت صلة الناس بالمسرح بمجرد حضورهم لعرض “همسات”. وظهرت رغبتهم بعودته السريعة كي لا يُسجل من ضمن الخسارات الدائمة. نحن المعنيون بـ”همسات” زادت حماستنا لنقدم المزيد من أجل إعادة إيقاف المسرح على قدميه. فالمسرح هو بيت الحقيقة. والمكان الذي نطرح فيه المواضيع من دون أقنعة. وعلى خشبته نحكي الموضوعات التي يسكت عنها المجتمع. ومن أهم جماليات المسرح توحيد الأحاسيس، وتبادل الطاقة بين الممثلين والجمهور. وتبادل تلك المشاعر هو السحر بعينه.
*إذاً ما هي الخطوة التالية وهل “همسات” مشروع متواصل؟
**بعد ترجمة العرض بهدف بيع البطاقات لغير الناطقين بالعربية، هناك بحث بأن يتمّ عرضها على خشبة المسرح عندما يصبح ذلك متاحاً. وكذلك نحن مطالبون بعرضها من جديد على يوتيوب في لبنان والدول العربية وطرح البطاقات للبيع. ونقاشنا لينا أبيض، وجوزيان بولص وأنا يطال أيضاً امكانية تقديم “همسات2”.
وفي تيتر “همسات” ظهرت الأسماء التالية تباعاً: إخراج لينا أبيض. إنتاج جوزيان بولص وأغاتا عز الدين. الممثلون بحسب تسلسل ظهورهم: دوري سمراني، وبرناديت حديب، وسني عبدالباقي، وجوزيان بولص، وأغاتا عزالدين، وبشارة عطالله، وندى أبو فرحات، وطلال الجردي، وجورج خبّاز وندين لبكي. والكتّاب البريطانيون هم: جيرالدين برينان، ومايك إيليستون، وأنجيلا هارفي، وجون جسبر، وكيم هاردي وكيت ويبستر. التصوير الفوتوغرافي طه صحناوي.