بيروت-“القدس العربي”: هو لقاء استعادي لمرحلة مضت ولا تزال مقيمة بأثقالها وأسبابها. أنها “هموم الهوية” التي شكلت عنواناً للقاء حميم في بيروت جمع محبين وهواة فن تشكيلي ومهتمين بالشأن الفلسطيني العام، مع أربعة فنانين تشكيليين من الأرض المحتلة. لقاء توازى مع معرض لوحات حمل العنوان نفسه نظمته دار النمر للثقافة والفنون، بالتعاون مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية. لقاء استعاد ومن خلال الشواهد الحية التي عايشها الفنانون الأربعة الدور المنوط بالفن التشكيلي في التعبير عن هموم الشعب والهوية في الحالة الفلسطينية. فمن المعروف أن سلطات الاحتلال الصهيوني منعت على الشعب الفلسطيني إنشاء أكاديمية فنون إلى ما بعد اتفاق أوسلو، كما منعت إنشاء كلية للزراعة، لما لهما من دور فلسفي وقيمة إنسانية ذات صلة بالتاريخ والأرض والشعب. في حين أن الحركة الصهيونية العالمية أنشأت سنة 1906 أكاديمية “بتسلئيل” للفنون في القدس، وكان ممنوعاً على العرب دخولها.
نبيل عناني، وسليمان منصور، وتيسير بركات وفيرا تماري هم الفنانون الأربعة الذين شكلوا بحضورهم إلى بيروت حدثاً ثقافياً مشهوداً في النصف الأول من العام 2019. وقد جمع المعرض عينات من أعمالهم المتوفرة في بيروت من مقتنيات دار النمر، ومقتنيات رولا العلمي، وأخرى جديدة نظراً لصعوبة النقل من فلسطين. الندوة التي تزامنت مع افتتاح المعرض أدارها الفنان عامر الشوملي، شهدت تفاعلاً وحيوية مميزة. فالتجارب التي عاشها الرباعي الفني مجتمعين وعلى الصعيد الفردي غنية للغاية، كما أنهم من الأسماء الكبيرة التي حملت هموم الشعب الفلسطيني. وبتعبير دقيق ومختصر وصفهم الشوملي بالقول: هم من الفنانين الذين بنوا ذاكرة الأجيال التي ولدت خارج فلسطين من خلال بوستراتهم. بتنا نتخيل فلسطين بناء لما يرسمون. نقلوا لنا صورة الوطن الجميل الذي نحاول العودة إليه. أربعة فنانين كبار شاركوا في بناء مؤسسات ثقافية، وفي الحراك الوطني والشعبي المقاوم.
الرموز المستخدمة في الرسم بين المسموح والممنوع شكلت مفصلاً مهماً من الندوة خاصة لمن هم خارج سياق الهم الفني اليومي، وخارج حدود الأرض المحتلة. فهذا الرباعي وغيرهم من الفنانين خاضوا مقارعة يومية مع الاحتلال من أجل التعبير. حدد الفنان نبيل عناني مفهوم الرمز وعلاقته بالهوية والشكل والمضمون. عاد للفن الفلسطيني قبل الـ48 حين عرفت فلسطين عدداً كبيراً من الفنانين، منهم من درس في روما وباريس ولندن. عبروا عن مقاومة الاستعمار عبر الرموز المتنوعة، وكانت لكل فنان رموزه الخاصة، منها الحطة الفلسطينية، المفتاح، والزيتون كشجرة. واستخدم الجميع تقريباً البرتقال كرمز، وكذلك الخيمة، والسلاح الذي كان متواجداً في الخارج.
هذا الرباعي الفني مع آخرين أسسوا في فلسطين الداخل غاليري 79 وهو الأول من نوعه عربياً. وفي سنة 1981 أغلقت سلطات الاحتلال المعرض عدة مرات بالشمع الأحمر، وصادرت لوحات. يقول عناني: كَثُر زوار المعرض. استدعتنا المخابرات الصهيونية سليمان منصور، وعصام بدر رحمه الله وأنا. قال لنا ضابط كبير “أنتم تعملون ضد الدولة، وممنوع استخدام رموز ضد دولة إسرائيل، وهذا تحذير”. سألناه تحديد الرموز؟ ذكر: القبضات، الأسلاك، العلم الفلسطيني وألوانه الأربعة، بما فيها رسم زهرة فيها ألوان أحمر وأخضر وأسود وأبيض، ممنوع. قال عصام للضابط: افرض أنني أريد رسم بطيخة؟ جاء الرد “ما تتخوتش عليي”. ورسمت البطيخة عبارة عن تورية من قبل خالد الحوراني. نصحنا الضابط برسم الأزهار، امرأة عارية وتجريد. وقال مشجعاً: أنا اشتري لوحاتكم.
يروي سليمان منصور مبتسماً حكاية خاصة له مع الزيتون: كنا جميعاً تقريباً نتعاون مع صانع للبراويز في القدس. كنت في زيارة له من أجل عدة لوحات. وهو ينفذ أطراً لبعض لوحات نبيل عناني، سمعته يبربر بصوت أعتقده خافتاً: “شو قصة نبيل مع الزتون والفلاحات؟ كل الزتون راح وبيضل يرسم زتون؟”. وانطلاقاً من هذه الواقعة سئل نبيل عناني: أي زيتون ترسم في 2019؟ قال: الزيتون رمز ومصدر أساسي للاقتصاد الفلسطيني. منظره يخطف العقل. في نظري هو جمال فلسطين.
حاول سليمان منصور تحديد معاني وأهداف ورمزية رسمه للزيتون في البدايات، ومن ثم التركيز على رسم البرتقال؟ يرمز البرتقال في نظره إلى جزء من فلسطين تمّ احتلاله في سنة 1948 وأتى الزيتون بعد الـ67 حين باتت فلسطين بالكامل محتلة. البرتقال رمز الساحل، والزيتون رمز الضفة والجبال. دعماً لقوله هذا استشهد منصور بالفنان الراحل اسماعيل شموط، الذي رسم لوحة نصفها برتقال، ونصفها الآخر زيتون مؤكداً على وحدة فلسطين.
حسب مشاعر الفنانة فيرا تماري تشكل شجرة الزيتون “ثيمة جذبتني دائما نظراً لانغراسها في الأرض كرمز للثبات والعطاء والوجود والتاريخ. في رسومي تأخذ شجرة الزيتون أحياناً شكل امرأة. أرى في ساق الشجرة وانحناءاتها ارتباطاً بجسم الإنسان. في سنة 2002 حين جرى اجتياح رام الله، قطع الصهاينة الأشجار ودمروها عقابا للفلسطينيين، وفي ذلك الحين رسمت 650 شجرة كرمز وطني”.
حين كانت فلسطين المحتلة كثقافة وفن تشكيلي مقاوم غائبة كلياً تقريباً عن العالم العربي، كان هؤلاء الفنانون الأربعة يخوضون تجاربهم الفنية معلنين أنهم في خضم المقاومة والدفاع عن الأرض. كانوا شباباً مندفعاً في عشرينيات العمر حسب سليمان منصور. وحينها بدأت مرحلة بناء المؤسسات. بالعودة إلى الماضي فقد تأسست رابطة الفنانين التشكيليين سنة 1974 وفي سنة 1975 ولد أول معرض استضافته جمعية الشبان المسيحيين في القدس. ومن ثم انتقل إلى رام الله، نابلس الناصرة وغزة. نجاح المعرض أثّر فينا كثيراً. كنا نرافقه في حفلات الافتتاح، ونستقبل جمهوراً كبيراً ونتناقش معه من وجهة نظرنا كثوريين ما زلنا في بدايات العمر. بعد ذلك المعرض المهم بدأ تأسيس الرابطة ونواتها 18 فناناً متواجدين في فلسطين المحتلة. وفي تلك المحلة تعرّض غاليري 79 في الداخل لتفتيش ومصادرة دائمة للأعمال من قبل الجيش الصهيوني. والمفارقة أن الجندي اليميني كان يصادر لوحات دون حساب، والجندي اليساري يكتفي بالقليل! رفعنا دعوى لاستعادة المصادر من اللوحات، واستطاع المحامي إعادة 10 في المئة منها فقط.
السؤال الذي يخطر في بال كثيرين في فلسطين المحتلة وخارجها: لماذا لم تكن هناك أكاديمية فنون في الأرض المحتلة حتى ما بعد أوسلو؟ يوضح سليمان منصور الهدف الصهيوني من ذلك. هو فيتو إسرائيلي على إنشاء كليات للفنون والزراعة. أن تكون للشعب الفلسطيني كلية زراعة فهذا يخالف فلسفتهم الصهيونية ومجيئهم إلى أرض بدون شعب كما يدعون. من منظورهم الملفق، نحن كفلسطينيين لا دخل لنا بالأرض. الأرض لهم ممنوع أن نزرعها أو نعمل فيها. والفنون ممنوعة لأنهم لا يريدوننا أن نعبّر عن هويتنا.
في جديد إضافي وجميل يتذكر سليمان منصور أن سيارته الفيات الخضراء كانت مقراً لرابطة الفنانين التشكيليين لسنوات طويلة. وكان الفنانون يراعون قياس بابها في اختيار مقاسات لوحاتهم، بحيث يمكن نقلها عبرها.
مع انطلاقة الانتفاضة بدأت مرحلة جديدة في مسيرة الفنانين التشكيليين في فلسطين المحتلة. تأسست مجموعة “نحو التجريب والإبداع” ومركز الواسطي للفنون في الشيخ جراح في القدس. مركز الواسطي هو بيت قديم استأجرته يهودية وجعلته فندقاً للكلاب. أخرجناها منه بالقانون يقول منصور. وبات الشارع يُعرف بشارع الواسطي. وهو مقر ربط بين الفنانين الفلسطينيين في الداخل والخارج. وقد استقبل مركز الواسطي معرضاً لفناني المهجر، وآخر من الجليل.
كان للانتفاضة الأولى دورها الكبير في شحذ همم الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال وكل وفق القدرات التي يملكها. وبما أن فلسفة الانتفاضة كانت مقاطعة المنتجات الإسرائيلية، كان للفنانين الفلسطينيين أن يبتكروا حاجاتهم الأولية بأنفسهم بعيداً عن المواد التي كانت تورد من قبل التاجر الصهيوني. وفي حين لجأ السكان إلى حدائقهم لزراعة الخضار بدل الأزهار، ذهب نبيل عناني إلى الجلود والأصباغ، مثل الشاي، والقهوة، والحنة والبهارات. وهذه جميعها منفردة أو مجتمعة شكلت الألوان لأعماله الفنية على الجلود. ولجأ سليمان منصور للعمل بالطين مضيفاً له التبن كي يكتسب قوة وتماسكاً. واختار تيسير بركات الخشب والنار مادتين جديدتين لأعماله الفنية. كما تميزت فيرا تماري بالعمل بالطين. وفي توجههم هذا عكس الفنانون الأربعة مدى التصاق الفنان بهموم شعبه، ومدى مساهمته في التحرر من موقع المتفرج، إلى موقع المواجهة، والمواطن المنخرط والمتمسك بحقوقه.
ومن الجهود المشهودة للرباعي الفني مساهمتهم في تأسيس اكاديمية الفنون في رام الله بدعم من النرويج، والتي بدأت العمل في سنة 2006 في بيت قديم جميل. في حين أن الحركة الصهيونية في سنة 1906 أنشأت أكاديمية “بتسليئل” في القدس، ومنعت العرب من دخولها، لأن دورها كان تحريف التاريخ، ومن على منابرها اُعلنت دولة إسرائيل لاحقاً. أما أكاديمية الفنون في رام الله فقد ألحقت فيما بعد بجامعة بيرزيت وصارت جزءاً منها.
هموم الفنان تختلف باختلاف المراحل. همّ تكريس الهوية انتصب أمام مجموعة الأربعة في مرحلة سبقت الانتفاضة وباتت هاجساً. حسب تيسير بركات: “في مرحلة شعرنا بضرورة إحداث اختلاف وتغيير في رسالتنا، وبات همنا تكريس الهوية والرد على مقولة أرض بلا شعب. وكان تطريز الزيتون والعلم. والمفاجأة أننا مع الانتفاضة انتقلنا إلى مرحلة مختلفة، وإلى ما هو أكثر حداثة ولغة بصرية متطورة. وكان إصرارنا بوجوب نقل قصتنا للخارج وعبر لغة الفن. ليس أي فن، بل بلغة فنية حداثية. لغة فنية تجمع بين البحث والجمال. على سبيل المثال سنة 2008 وخلال الحرب الوحشية على غزة، وحين كان الحديد ينهمر على الناس بالأطنان، استخدمت برادة الحديد ومزجتها مع مواد أخرى لإنجاز أعمالي”.
قرأ بركات في مجموعة “نحو التجريب والإبداع” ووجدها مساحة لنقل الفن بكل الوسائل، وتوريث القصة من جيل لجيل. وخلُص للقول: “أنا من مواليد مخيم جباليا، أخزّن في ذاكرتي قصص والدي وجدتي. نعمل لتكريس ذاكرتنا من خلال الفن وإيصالها للأجيال المقبلة. تأسيس أكاديمية للفنون لعبت دوراً في نقل الرسالة والقصة الفلسطينية للعالم من خلال الفن المعاصر. وهذه الأكاديمية خرّجت مجموعة مهمة من الفنانين نقلوا قصة فلسطين للخارج”.
حنين من الرباعي لمرحلة السبعينيات والثمانينيات شكل إجماعاً فيما بينهم. كان الجمهور حينها بالمئات، ومن كافة فئات المجتمع. في تلك المرحلة ارتبط الجمهور بالبوستر وقرأ فيه فعل مقاومة.
أما في الذكريات التي حملها الرباعي الفني من بيروت وبعضهم لن ينساها، أنهم حصلوا على تأشيرات دخول إلى لبنان وإقامة لثلاثة أيام ولدى وصولهم إلى مطار رفيق الحريري الدولي سُمح لفيرا تماري وتيسير بركات بالدخول. أما نبيل عناني وسليمان منصور فقد تمّ التحفظ عليهما ثلاث ساعات مع آخرين في المطار واعيدا إلى عمّان. وهذا ما حصل عشية يوم عطلة رسمية بسبب الأعياد. يُذكر أن نبيل عناني من مواليد 1943 وسليمان منصور من مواليد 1947. وعندما جرت تدخلات على أعلى المستويات تمّ الحصول على تأشيرات جديدة للثنائي الذي عزف عن العودة إلى بيروت لولا تمن شديد من كل من تماري وبركات. هذا ما حصل في بيروت لمبدعين من فلسطين.