«هنا القاهرة» صوت الإذاعة المصرية في أذن المُستمع العربي

كمال القاضي
حجم الخط
1

برغم الاغتراب الذي تعانيه المحطات الإذاعية بين الوسائل الإعلامية الحديثة التي حالت دون عودة الراديو إلى مجده الفائت، تظل هناك محاولات مهمة تؤكد أنه لا يزال يمتلك القدرة على التأثير وله من الخصوصية ما يدفع المُستمع إلى تجديد الثقة به باعتباره الوسيط الأكثر صدقاً كونه لا يمتلك من أساليب الجذب غير العناية بالمضمون والرسالة الجوهرية التي يحرص دائماً على تبنيها في سياق ما يقدمه من مواد إخبارية وبرامج علمية ودينية وترفيهية ومُتخصصة.
لقد حظي الراديو بالعديد من الدراسات المهمة حول تحديات وجوده وأهميته ونوعية ما يقدمه في ظل المنافسات الشرسة التي يواجهها منذ سنوات، ومن بين الدراسات اللافتة إلى الدور الموصول للراديو كوسيط فاعل غير قابل للإلغاء، تلك التي أعدها الإذاعي محمد الناصر تحت عنوان «الراديو .. فن الممكن» وأوضح فيها الجوانب التثقيفية العديدة لأول وسيط إعلامي قبل اكتشاف التلفزيون والفضائيات والإنترنت والمنصات الإلكترونية وغيرها من روافد المعرفة ونوافذ المنافسة المفتوحة على مدار الساعة بلا توقف.
وقد قسم الباحث دراسته إلى مجموعة عناوين اضطلعت برصد مفاهيم الثقافة اللغوية الاصطلاحية والتكنولوجيا الجديدة، كما بينت العناوين القيمة الفنية والإبداعية لعناصر العمل الإذاعي كالموسيقى والمؤثرات والتأريخ الصوتي والمعلومة بكافة مستوياتها ودلالتها.
وبالتفاعل الطبيعي بين المُستمع والمحتوى الإذاعي بحسب ما تناولته الدراسة يتم اكتشاف مواطن الجمال في مضامين البرامج ويتمكن المُتلقي من التعرف على أجندة المحطات الإذاعية المهمة كصوت العرب والبرنامج العام والشرق الأوسط والشباب والرياضة ويتسنى له التدقيق في ما تُرسله تلك المحطات ويساعد الأذن المرهفة على التقاط ما يروق لها سماعه عبر الأثير في مختلف الأرجاء العربية.
ويشير محمد الناصر عبر دراسته التحليلية للمضمون الإذاعي إلى التحولات التاريخية والأحداث السياسية التي لعبت دوراً في ربط المُستمع العربي بالإذاعة المصرية مُعرجاً على خصائص الإعلام التعبوي في فترات عصيبة من تاريخ مصر والأمة العربية، لا سيما بعد قيام ثورة يوليو وظهور حركات الاستقلال وشعارات التحرر بدول العالم الثالث.
وإبان تلك الفترة صدرت معظم البرامج خطاباً سياسياً موجهاً للجماهير وتحولت الإذاعة المصرية إلى جريدة ناطقة، غير أن الأغنية الوطنية الحماسية احتلت مساحة واسعة بالخريطة الإذاعية وصدحت أصوات مثل صوت محمد عبد الوهاب الذي ظهر دوره بقوة من خلال أغانيه الشهيرة، «دقت ساعة العمل» و«صوت الجماهير» ونشيد «وطني الأكبر» الذي قام بتلحينه لعدد من كبار المطربين والمطربات، عبد الحليم حافظ ونجاة وصباح وفايده كامل وشادية، كما قدمت أم كلثوم إسهامات غنائية عديدة اتسمت بنفس الطابع الحماسي القوي كان من بينها أغنية «مصر تتحدث عن نفسها» وشاركتها بعض الأصوات العربية الأخرى كفريد الأطرش وفهد بلان وفايزة أحمد في نفس التوجه الغنائي كنوع من الدعم المعنوي والمساعدة في تأكيد الهوية العربية.
وفي هذه الأثناء كان للراديو دوراً مهماً في محو الأمية وتثقيف المواطنين البسطاء في الريف المصري عبر برامج التوعية وتعليم القراءة والكتابة وغيرها من المواد الدرامية التي كانت تُذاع في شكل حلقات يومية مُسلسلة، إضافة إلى الإسهام الأكبر والرائد لإذاعة القرآن الكريم، وهو ما يتعين الآن تجديده للارتقاء بمضمون الرسالة الإذاعية وعودة البرامج إلى ما كانت عليه في السابق، حيث العناية بتكثيف الجرعات الدينية والتنويرية للإفادة والتوجيه العام بعيداً اللغط والتشويش.
وفي محاولة لوصل ما انقطع من المجد الإعلامي للإذاعة المصرية بدأت حالياً بعض المبادرات من جانب الإذاعيين لتوثيق التراث الإذاعي وحفظه ليظل باقياً ومحفوظاً، فهناك عمليات فرز للشرائط المُسجل عليها خطب الرؤساء والزعماء وكبار مقرئي القرآن الكريم كالشيخ محمد رفعت والشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ عبد الباسط عبد الصمد ومحمود صديق المنشاوي وغيرهم، فضلاً عن محاولة بعض الإذاعيين البحث عن الأعمال المسرحية القديمة والتسجيلات النادرة لكبار المخرجين ونجوم السينما والتلفزيون أسوة بما تفعله قناة ماسبيرو زمان التي جمعت تراث التلفزيون وأعادت ترميمه وبدأت في عرضة تباعاً على مدار ساعات إرسالها ليظل متوافراً وجاذباً للجمهور الذي يرتبط بكل ما هو قديم وثمين وقيم.
والغريب أن مسألة الانتباه للتراث الفني المصري والعمل على صيانته وحفظه جاءت متأخرة للغاية بعد تبديد وتلف العديد من الكنوز الموسيقية والغنائية والدرامية والتسجيلات النادرة بأصوات كبار الإذاعيين والفنانين ورموز الفكر والأدب والثقافة ورجال العلم والدين والقانون والطب وهلم جرا … بلا تمييز أو تركيز!!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية