بيان وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي عن إعادة السفير الأردني، لأن إسرائيل تقتل (أبرياء)، و”تتسبّب بأزمة إنسانية” في غزة، لم يكن بياناً مفاجئاً في ضوء الرأي الأردني العام، عقب الأحداث في غزة.
عملياً، اتخذ الأردن هذه الخطوة أربع مرات في الماضي. مثلاً، مع اندلاع انتفاضة الأقصى، في العام 2000، وفي حملة “الرصاص المصبوب” في 2009. وفي معظم الحالات، باستثناء وقت الانتفاضة، عاد السفير مع نهاية كل أزمة.
الرأي العام الأردني يؤيد “حماس” جداً.
قبل نحو أربع سنوات، أشار استطلاعٌ للرأي العام في مؤسسة واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إلى أن 57 في المئة من الجمهور الأردني يؤيد المنظمة. ويعدّ التأييد لـ “حماس” جزءاً من تضامن الجمهور الأردني مع الفلسطينيين بعامة.
يجدر بالذكر أن نصف سكان الأردن، على الأقل، فلسطينيون. نرى تعبيراً كبيراً عن الشعبية العالية التي تحظى بها المنظمة، سواء في المظاهرات التي نشبت في عمان، أو في عدد من المراكز الأخرى منذ بداية الحرب. أطلقوا في المظاهرات هتافات لشجب إسرائيل والولايات المتحدة التي تقف إلى جانب إسرائيل، وهتافات لإعادة السفير، وإلغاء اتفاق السلام بين الدولتين، وغيرها.
في إحدى المظاهرات العفوية التي وقعت قرب سفارة إسرائيل في عمّان، حاول المتظاهرون اقتحام مجال السفارة الفارغ وإحراقها. التقى في عمان وزراء خارجية الأردن، مصر والإمارات والسعودية وقطر، وكذا مسؤول م.ت.ف والسلطة الفلسطينية الكبير حسين الشيخ؛ بهدف إقناع وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بالوصول إلى وقف للحرب في غزة. عبد الله ثابت في سياسته بأن حلّ النزاع هو إقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب دولة إسرائيل. هكذا أوضح في تصريحاته التي صدرت منذ نشوب الحرب، وفي محادثاته مع زعماء عرب وغربيين، بمن فيهم الرئيس بايدن.
حل الدولتين من ناحية الأردن هو الضمان لاستقرار سياسي في الشرق الأوسط، ما يؤمن أيضاً مستقبله، ويشطب عن جدول الأعمال فكرة اعتبار الأردن أنه “الوطن البديل” للدولة الفلسطينية، فكرة تحاول إسرائيل، بزعم محافل أردنية، الترويج لها.
وهذا لا يعني أن الأردن غير معني بهزيمة “حماس” أمام إسرائيل؛ العكس هو الصحيح، مثل مصر، فإن المصلحة الأردنية تتطابق والمصلحة الإسرائيلية في الحرب، وهي تصفية “حماس”، وتعزيز السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وربما أيضاً في غزة، بدلاً من “حماس”. لكن استمرار الحرب والخوف من فتح جبهة أخرى قد يؤثر على الأردن أيضاً. ثمة افتراض بأن الأردن وإسرائيل، بخلاف الوضع العلني، مستمران في إقامة علاقات عسكرية واستخبارية سراً من أجل التصدي للتهديدات المحدقة بكلتا الدولتين.
للعلاقات مع إسرائيل أهمية إستراتيجية للأردن، لأن إسرائيل، إلى جانب الولايات المتحدة، تعدّ ضمانة مهمة لأمن المملكة. يبدو أن التصريحات القادمة من الأردن والخطوات التي تتخذها المملكة تستهدف أساساً مصالحة الرأي العام العاصف. لكن كلما استمر القتال وتدهور الوضع الإنساني في غزة، يزداد الضغط الشعبي في الأردن وفي العالم العربي بالمطالبة باتخاذ خطوات أكثر أهمية تجاه إسرائيل. نأمل أن يتمكن القصر الملكي من التصدي لهذه الضغوط بنجاح.
إيلي فودا، والبروفيسور رونين إسحق
“معاريف”
8/11/2023