هوايات منسية: جمع العُملات القديمة وطوابع البريد والمراسلة

كمال القاضي
حجم الخط
0

ظلت الهوايات الغريبة والطريفة لفترة طويلة طريقة مُثلى للتسلية والترفيه، إلى أن ظهرت الوسائل التكنولوجية الحديثة فاختفت تلك الهوايات التقليدية تدريجياً ولم يعد لها أثر يُذكر إلا في محيطات ضيقة وفئات اجتماعية محدودة للغاية لا تزال مهتمة بجمع العُملات النقدية القديمة والأنتيكات، أما هواية المراسلة وجمع طوابع البريد فقد أصابتها عوامل الحداثة فغيرت ملامح بعضها وقضت على البعض الآخر، حيث تطورت أشكال المراسلة من الخطابات الورقية إلى البريد الإلكتروني عبر الايميل وفيسبوك وواتساب وتويتر وغيرها، فأنهت تماماً منظومة البريد العادية والخطابات والمظاريف وبطبيعة الحال اختفت الطوابع وبات العثور عليها أشبه بالعثور على الجواهر الثمينة.

وبقيت هواية جمع العُملة مقصورة على نُدرة من الناس المغرمين بها، وربما تعود أسباب بقائها إلى كونها تحولت من هواية إلى تجارة مربحة، فالباحثون عنها والمُكلفون بجمعها يبذلون جهوداً مضنية للعثور عليها ويعرفون طُرق تسويقها وكيفية التربح منها، وهناك وكلاء لجمع العُملات النادرة والمنقرضة وخبراء متخصصون في تحديد قيمتها التاريخية، ولذلك فهي واحدة من الهوايات القليلة الباقية والمستمرة كونها جاذبة ومغرية من نواحي مالية وتذكارية.

تبقى هوايات أخرى لم يُلتفت لاختفائها بعين التدقيق، كغياب تربية الحمام الزاجل التي كانت في فترات وأزمنة معينة مُنتشرة بشكل واسع في المُدن والأرياف، وتكاد تكون هي الهواية الوحيدة التي وردت في عدد من الأفلام المصرية كجزء من الحدوتة الدرامية والبنية الأساسية للأحداث، ولعل فيلم “رصيف نمرة خمسة” بطولة فريد شوقي وزكي رستم ومحمود المليجي كان أول الأفلام التي نبهت لدور الحمام الزاجل وكيفية توظيفه من جانب عصابات تهريب المخدرات في نقل عبوات خفيفة من الكوكايين للتداول والإتجار قبل نحو نصف قرن على الأقل، وكان ذلك بمثابة إشارة للمتغير الكبير في وظيفة الحمام المعهودة كحامل للرسائل الرومانسية والعاطفية بين البطل والبطلة.

غير أن غواية تربية الحمام وردت أيضاً في أفلام أخرى مهمة “عودة مواطن” ليحي الفخراني وأحمد عبد العزيز، فالأخير كان يجد سلوته في مراقبة أسراب الحمام الذي يربيه ويعتني به ويجد فيه وسيلة للخروج من أطوار الكآبة التي أصابته إثر فشله الدراسي والوظيفي والاجتماعي، وكذلك فيلم “دم الغزال” لنور الشريف كان للحمام فيه حيزاً مهماً على مستوى الشكل والمضمون والفكرة المُنبثقة من اعتباره رمزاً للسلام والمودة ومبعثاً للتسرية والجمال والمتعة.

وقد ساعدت عوامل كثيرة على اختفاء هواية تربية الحمام بكل فصائلة ونوعياته، أولها العامل الاقتصادي، حيث تحتاج ممارسة الهواية إلى إمكانيات مادية لشراء السلالات الجيدة منه، بالإضافة إلى ضرورة توفير الاستعدادات الخاصة بتربيته واكتساب الخبرات اللازمة للقيام بتلك المهمة وهي شروط لم تعد متوافرة لا في المدن ولا في الأرياف، فضلاً عن صعوبة الحصول على النوعيات المتميزة من الحمام نفسه وعدم وجود وقت كافي للتفرغ لرعايته والعناية به.

ولو نظرنا بالقياس لهواية اقتناء الأنتيكات سنجد أنها موجودة وباقية، بل ولها الكثير من الراغبين المُغرمين، وهناك أسواق نوعية مُخصصة لعرضها وتجار كبار يحترفون البيع والشراء والتثمين، ولأن السينما أداة توثيق ومرآة تعكس ما يدور في المجتمعات ولديها القُدرة على التسلل لما يحدث في الكواليس فقد عرضت نماذج كثيرة من صور الهواية النموذجية النادرة والخاصة جداً كان آخرها فيلم “سوق الجمعة” بطولة عمرو عبد الجليل وريهام عبد الغفور، إذ اعتنى الفيلم بعرض أشكال مختلفة من السمسرة والبيزنس والتسويق المُتعلق بالآثار والتحف والقطع الاستثنائية من الأثاث والإكسسوارات والمفروشات والملبوسات وكافة الأشياء القيمة والنفيسة.

ولم يكن ما تم عرضه في السياق الدرامي السينمائي سوى عينة من حالة واقعية لسوق شاسع، موجود بالفعل يحمل نفس الاسم “سوق الجمعة” تُباع وتُشترى فيه كل الأشياء بما فيها الطيور والنباتات والحيوانات من ذوي السلالات النادرة التي تجد من يدفع فيها ما يساوي قيمتها وأكثر لتلبية الهواية وإشباع النفس النهمة للمختلف والمثير والنادر وباهظ الثمن.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية