هوليوود واليهود والقصص الملفقة لصناعة وتدمير النجوم

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

لا يختلف إثنان على أن هوليوود عاصمة السينما العالمية وما من مدينة أخرى خارج الولايات المتحدة الأمريكية قادرة على أن تنافسها على هذه المكانة. إنها ليست مكانا لصناعة الأفلام، بل آلة إعلامية بامكانات ضخمة تفوق التصور حول حدود قدراتها الترويجية ونفوذها الذي يتعاظم ليجتاز حاجز الفن، بل دائما ما كانت الذراع الطويلة والناعمة في آن لتنفيذ أجندة السياسة الأمريكية، يذكر بهذا الشأن أن شركة «نستور فيلم» تعد أول شركة إنتاج سينمائي تأسست في هوليوود وكان ذلك في 27 تشرين الأول/أكتوبر 1911 على يد منتج الأفلام ديفيد هورسي ورفيقه ألفريد ويستون، وحسب كتابات مؤرخي السينما كانت هذه الشركة أول من فتحت أستوديوهاتِ في هوليوود بكاليفورنيا، وقبل تأسيسها كانت صناعة السينما تتمحور في مدينتي نيويورك ونيوجيرسي، لكن ديفيد هورسي اعتمادا على ذكائه وحدسه التجاري قرر الانتقال إلى كاليفورنيا للاستفادة من المناخ المشمس الذي يتيح التصوير الخارجي طوال العام، بالإضافة إلى الهروب من قوانين براءات الاختراع الصارمة التي كانت تفرضها شركة إديسون الاحتكارية، وقد افتتحت «نستور فيلم» أول استوديو لها في شارع غاور في هوليوود، وهذا ما جعلها الشركة الرائدة في تحويل هوليوود إلى مركز صناعة السينما العالمية. ومنذ أن تأسست هذه الشركة باتت هوليوود مصنعًا للنجوم والأساطير السينمائية على يد صنّاع الأفلام، إذ تمكنت من أن تحيط نجومها من الممثلين والمخرجين والكتاب ومدراء التصوير، بالشهرة والأضواء والمجد حتى غدت هوليوود الحلم الذي يداعب كل من تطأ قدماه هذه الصناعة ويسعى الوصول إلى قمة الشهرة والانتشار العالمي. لكن بريق الشهرة والنجومية في هوليوود يمكن أن يكون سلاحًا ذو حدين، فكما تصنع هوليوود النجوم وتصقلهم وتمنحهم الشهرة والمال والمجد على طبق من ذهب وبسرعة الصاروخ، فإن لديها القدرة والاستعداد على أن تسحقهم وتدمر حياتهم الشخصية والمهنية بلمح البصر، والقصص في هذا المسار كثيرة ومؤلمة، ضحاياها كانوا في يوم ما مصدرا للبهجة والفرح والمتعة للملايين الذين كانوا يتابعون أعمالهم وحياتهم الشخصية ويحاولون تقليدهم في كل صغيرة وكبيرة.

صناعة النجوم

تعتمد عملية صناعة النجوم في هوليوود على مزيج من الموهبة والتسويق والإدارة الجيدة. فالممثل أو الممثلة الذي يظهر في فيلم ناجح يمكن أن يصبح نجمًا بين ليلة وضحاها، فمن آليات منظومة العمل في الأستوديوهات الكبرى وشركات الإنتاج في هذه المدينة أنها تستثمر ملايين الدولارات في ترويج النجوم وتسويقهم باعتبارهم علامات تجارية قبل أي شيء آخر، والعلامة التجارية هي جزء أساسي من استراتيجية التسويق لأي شركة، وفي صناعة السينما بمدينة هوليوود ليست العلامة التجارية مجرد شعار أو اسم، بل هو النجم السينمائي، الذي تصاغ له عديد القصص الملفقة من قبل ماكنة هوليوود الإعلامية طيلة فترة نجوميته، بالشكل الذي يعزز تأثيره العاطفي لدى الجمهور، ويساهم بالتالي من فاعلية الحملات التسويقية لكل الأفلام التي يشارك فيها، ليصبح هؤلاء النجوم واجهات قوية ومؤثرة للفن والثقافة، وتتصدر وجوههم المجلات والعناوين الرئيسية، ويحققون ثروات طائلة من الأفلام والإعلانات وصفقات الرعاية. ومن جانب آخر، ترتبط حياة النجم بنجاح أفلامه وحضوره الإعلامي، وكلما زاد التفاعل مع الجمهور ووسائل الإعلام، زاد تأثير النجومية عليه إيجابياً من ناحية الدخل والشهرة، حيث يبدو أن كل شيء في صالح النجم في هذه المرحلة: الأفلام تتصدر شباك التذاكر، والجوائز تُمنح له، ودائما ما تجرى معه المقابلات الإعلامية ليعيش في هذه المرحلة قمة مجده.

تاريخ ونفوذ اليهود في هوليوود

عندما بدأت صناعة السينما الأمريكية في الانتقال من الساحل الشرقي إلى كاليفورنيا في أوائل القرن العشرين، كان العديد من المؤسسين الرواد لاستوديوهات الأفلام الكبرى من المهاجرين اليهود. ومن بين هؤلاء: عائلة وارنر مؤسسو شركة لويس، ب.ماير من مؤسسي ميترو غولدن ماير، كارل ليملي مؤسس يونيفيرسل بكجر، أدولف زوكور مؤسس باراماونت بكجر، وليام فوكس مؤسس 20 سينجري فوكس. والتأثير اليهودي على مستوى القيادة والإبداع لا يزال قويًا في هوليوود، حيث يعمل العديد منهم في مناصب إدارية وتنفيذية داخل الأستوديوهات الكبرى، ويحتلون مناصب بارزة في إدارة شركات الإنتاج الكبرى ووكالات المواهب، ومن المنطقي أنهم يدعمون من يقف معهم ويدعم أجندتهم، ولن يتسامحوا أبدا مع من يعارض أفكارهم العنصرية.

تحطيم النجوم

مع بريق الشهرة الذي تقدمه هوليوود، هناك جانب مظلم لا يمكن تجاهله، فالشهرة في حد ذاتها ليست سهلة الإدارة، خاصة في بيئة تتسم بالضغوطات العالية والمطالب الكبيرة مثل هوليوود. حيث تبدأ المشاكل عندما يصبح النجم ضحية لتوقعات مفرطة من قبل الجمهور وصناعة السينما، وتبدأ حياته الشخصية في الانهيار نتيجة لهذه الضغوط، وفي المقابل يجب على النجم الحفاظ على صورته أمام الجمهور والتواجد الدائم في وسائل الإعلام وضمان أن يكون فيلمه القادم ناجحًا، ومثل هذه الضغوط تضع الكثير من الفنانين في حالة نفسية وجسدية مرهقة ما يؤدي في بعض الأحيان إلى اللجوء إلى المخدرات أو الكحول كمهرب. والنجوم في هوليوود لا يعيشون حياتهم الخاصة بالمعنى التقليدي، فوسائل الإعلام تتدخل في كل صغيرة وكبيرة من تفاصيل حياتهم: علاقاتهم الشخصية، مشاكلهم العائلية، حتى أن تفاصيل حياتهم اليومية تصبح محط أنظار الصحافة والجمهور، وهذا التدخل الدائم يسبب لهم التوتر وعدم القدرة على العيش بحرية مثل بقية البشر.
هوليوود وكما تصنع النجوم بسرعة، يمكنها أن تزيحهم بنفس السرعة، فإن فشل فيلم في تحقيق الأرباح المادية، أو حصل تغيير في أذواق الجمهور، يمكن أن يؤدي إلى نهاية مأساوية لمسيرة نجم كان في القمة، فهناك الكثير من الممثلين والممثلات الذين كانوا يومًا ما في أعلى مراتب الشهرة إلاَّ أنهم وجدوا أنفسهم في لحظة ما داخل عزلة مهنية واجتماعية قاتلة بعد أن تراجعت شعبيتهم وتخلت عنهم شركات الإنتاج ولم تعد تضعهم في حساباتها. والسرعة التي تهبط بها الشهرة والمال على النجم يمكن أن تجلب إلى حياته إغراءات مهلكة تقوده للسقوط في انحرافات أخلاقية وسلوكيات يتعرض بسببها إلى مشاكل تساهم في تدميره، والعديد من نجوم هوليوود مروا بمثل هذه التجارب المريرة فتعرضوا للسقوط نتيجة فضائح أخلاقية تم توريطهم بها، وهذه الفضائح لا تؤدي فقط إلى تدمير سمعتهم، بل تؤدي في كثير من الأحيان إلى تدمير حياتهم المهنية والشخصية، وما تتناوله الصحافة ووسائل الإعلام هذه الأيام من أخبار وصور متلاحقة حول فضيحة الحفلات السرية لنجم موسيقى الراب شون ديدي لا تخرج عن هذه الحلقة المريبة من دسائس هوليوود، فالأخبار تشير إلى تورط عديد النجوم من ممثلين وموسيقيين ومطربين، أمثال جنيفر لوبير ودي كابريو وبيونسيه وجاستن بيبر والإعلامية أوبرا، وهذه الفضيحة لن تكون آخر حلقة من المسلسل الدراماتيكي لماكنة هوليوود البشعة.

قصص السقوط

تاريخ هوليوود مليء بقصص مأساوية لنجوم صعدوا إلى قمة المجد ثم سقطوا بضربة واحدة ليكونوا خارج الحلبة فيبتلعهم النسيان وكأنهم ما وجدوا. مثال على ذلك النجمة فرانسيز فارمر(1913- 1970) التي تم تدميرها بعد أن عبرت عن أفكار تشي بأنها تميل إلى تبني الماركسية، فلاحقتها شبهة الانتماء للشيوعية، وبدأت ماكنة هوليوود الإعلامية بتشويه سمعتها وحجبت عنها أي فرصة للعمل حتى تحولت إلى شخصية تعاني من اضطرابات نفسية مدمرة، إلى أن أُعلن بأنها مجنونة ليتم إيداعها في مصحة عقلية عام 1944. وبعد إطلاق سراحها عام 1950 تجاهلتها صحافة هوليوود، إلى أن توفيت عام 1970 بعد أن كانت تعاني لسنين طويلة من سرطان الرئة.
أيضا الممثلة جين سيبرغ (1938 -1979) التي كانت نجمة في 34 فيلماً في هوليوود وأوروبا، أصبحت هي الأخرى ضحية لهوليوود، نظرا لوجود علاقة عاطفية ربطتها سرا مع زعيم حزب الفهود السود المناهض للسياسة الأمريكية العنصرية خلال ستينات القرن الماضي، فأصبحت سيبرغ هدفا لمكتب التحقيقات الفيدرالي، فتم تدمير حياتها المهنية والشخصية، إلى أن وجدت منتحرة في باريس وهي لم تزل في سن الأربعين.
ينطبق الحال على النجمة مارلين مونرو(1926- 1962) التي كانت واحدة من أكثر النجمات شعبية في الخمسينات، لكنها عانت من مشاكل نفسية وعاطفية بسبب نمط الحياة التي تفرضها هوليوود على نجومها، بالتالي أدى ذلك إلى وفاتها منتحرة في 4 آب/أغسطس 1962. وليس بعيدا عن هذا المسار ما انتهت إليه الممثلة والمغنية جودي غارلاند (1922- 1969) فعلى الرغم من النجاحات الكبيرة التي حققتها في معظم أعمالها إلاّ أنها عانت كثيرا في حياتها الشخصية، وخضعت لجلسات علاج نفسية في سن الثامنة عشرة بسبب ضغوط النجومية في سن المراهقة، كما عانت من مشاكل مالية معقدة، وكل ذلك جعلها تنهار نفسيا، لتدخل في دوامة إدمان على المخدرات والكحول، ونتيجة لأخذها جرعة زائدة توفيت في لندن في عام 1969.
وفي هذا السياق لابد من الإشارة للممثل فال كيلمر(1959-) الذي يعد من أبرز النجوم الذين ركلتهم هوليوود بعد أن كان قد أعلن عن رفضه للحصار الدولي الذي فرضته أمريكا على العراق في تسعينات القرن الماضي، حتى أنه في 30 نيسان/ابريل 1998 تحدى الإدارة الأمريكية وزار العراق، وسجل فيلما وثائقيا مهما عن النتائج الكارثية للحصار من خلال زيارته للأطفال المرضى الراقدين في المستشفيات بسبب شحة الأدوية والعلاجات، وقد دفع ثمن موقفه هذا باهظا، حيث قبع منزويا في بيته لعدة أعوام، ثم نال منه مرض سرطان الحنجرة وبسببه فقد القدرة على الكلام.
إن هوليوود إلى جانب ما تمتلكه من أمكانات هائلة على صنع النجوم، فهي تحمل بين كواليسها المظلمة قدرة مرعبة لتحطيمهم. وفي النهاية تبقى هوليوود التي يهيمن عليها المال اليهودي مكانًا صعبًا، يتطلب قوة نفسية وعقلية للبقاء على قيد الحياة وسط كل ما يجلبه النجاح من تحديات وضغوط.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية