هوليوود وتصدُّع سرديّات إعلام إسرائيل بعد الحرب على غزّة

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
2

منذ منتصف القرن العشرين حرص نجوم السينما الأمريكان العاملين في هوليوود على تأكيد دعمهم لإسرائيل عبر أنشطة مختلفة، ولم يترددوا في التباهي بهذه المواقف الداعمة، وإذا ما أردنا أن نستعرض أسماءهم فإن القائمة ستطول، وكان من الصعب طيلة هذه الفترة الزمنية أن يظهر أي صوت مساند للفلسطينيين، وهذا يعود إلى أن اليهود يشكلون الجزء الأكبر من أصحاب شركات الإنتاج السينمائية، فلا غرابة إذا ما كانت معظم أفلام هوليوود متعاطفة مع سردية اليهود على حساب تشويه صورة العرب والفلسطينيين عندما يتعلق الأمر بالصراع العربي الإسرائيلي في فلسطين، وهذا ما يبدو واضحا في أفلام مثل «ميونخ» 2005 و«لا تعبث مع زوهان» 2008 و«كارلوس» 2010 و«ميرال» 2010 و«عينتيبة» 2017.

الهاتف المحمول يكسر الصمت

اليوم لابد من التوقف عند متغيرات نشهدها في وسائل التواصل الاجتماعي ومن الصعب تجاهلها، حيث خرج عدد من المواقف لنجوم مشهورين عن الخضوع لهيمنة البروبغاندا الإسرائيلية، كاشفة عن مدى الكذب الذي مورس بحق الفلسطينيين، وقد جاء هذا التحول بعد أن تعددت وسائط الإعلام، في العقدين الأخيرين، فما أن دخلت مواقع التواصل الاجتماعي على خط المنافسة الشديدة مع قنوات الإعلام التقليدية، تمكنت من أن تكسر احتكار الصحف والقنوات التلفزيونية في نقل المعلومة، ونجحت في أن تزيد من مساحة حرية التعبير عن القناعات دون أن تكون خاضعة للرقابة والتقييد، وبذلك باتت الفرصة متاحة لكل شخص أن يمارس دوره في رصد الأحداث ومتابعتها وكشفها عبر هاتفه المحمول.
إزاء هذه الانعطافة الإعلامية بدأنا نشهد ونسمع العديد من مشاهير السينما في أمريكا يدخلون في مواجهة مع السياسات الغربية الداعمة لإسرائيل في فلسطين المحتلة، ومعبرين عن دعوات صريحة للتعاطف مع الفلسطينيين وإيقاف انتهاكات قوات الاحتلال الإسرائيلي بحقهم، والملاحظ أن منصة تويتر كانت الميدان الأبرز لهذه الأنشطة، على العكس من موقع فيسبوك الذي تمارس إدارته عملية حظر وحذف وإيقاف للمنشورات التي ترى فيها تنديدا بسياسات إسرائيل وتعاطفا مع الفلسطينيين، حتى أن الاتحاد الأوروبي أرسل أثناء ما كان القصف شديدا على غزة، تحذيرا لإدارة تويتر متهمة إياها باختراق معايير حرية التعبير حسب زعم الاتحاد.

نجوم السينما على خط المواجهة

الممثل مارك روفالو من أبرز النجوم الأمريكان الذين أدلوا بتصريح شديد اللهجة مع بداية الحرب الهمجية على غزة في تشرين الأول/اكتوبر 2023 حيث أعاد روفالو في 19 تشرين الأول/أكتوبر الماضي نشر تغريدة على صفحته في موقع تويتر كانت قد غردتها الناشطة السياسية الكندية وكاتبة مؤلفة الأفلام نعومي كلاين جاء فيها: «منذ أن كنا أطفالاً، أخبر الكثير منا أنفسنا أننا لن نقف مكتوفي الأيدي إذا شهدنا عنف الإبادة الجماعية. قلنا لأنفسنا أننا سنرفع أصواتنا. قلنا لأنفسنا أننا سنضع أجسادنا على المحك. لقد تعهدنا بأن مثل هذه الفظائع لن تحدث مرة أخرى أمام أعيننا».
وتُعد كلاين من أبرز رموز الحركة الفكرية المناهضة للعولمة النيوليبرالية التي انطلقت في أواخر تسعينيات القرن الماضي. حتى أن مجلة «ذي نيويوركر» قارنت مكانتها بأهمية الفيلسوف نعومي تشومسكي، وهوارد زين عندما كانا مؤثرين قبل ثلاثين سنة. أمَّا كتابها الذي يحمل عنوان «عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث» الذي صدر عام 2009 مترجما إلى اللغة العربية، فيعد شهادة جريئة عن بشاعة القوى النيوليبرالية، وكشفا واضحا لأساليبها عندما تستغل عمداً حالات الصدمة التي تخلقها كوارث مثل الحرب والفيضانات والأوبئة والنزاعات الأهلية في مناطق مختلفة من العالم. وقد ساهم كتاب كلاين في تعرية من يتلاعبون بمصير البشرية في العقود الأربعة الأخيرة، إذ استعرضت ما جرى في البلدان التي تعرضت للعلاج بعقيدة الصدمة، مثل العراق وليبيا وسوريا وفلسطين.
وعلى إثر موقف مارك روفالو عندما أعاد نشر تغريدة كلاين، تعرض إلى سيل جارف من الانتقادات من قبل الإعلام الأمريكي، فما كان منه إلاّ أن غرد مصححا ما قاله: «لقد فكرت وأردت الاعتذار عن المنشورات خلال القتال الأخير بين إسرائيل وحماس والتي أشارت إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية. إنه تعبير ليس دقيقًا، وهو تحريضي وغير محترم ويتم استخدامه لتبرير معاداة السامية هنا وفي الخارج. الآن هو الوقت المناسب لتجنب المبالغة».
ومن الواضح أن روفالو لم يتراجع عن موقفه، لكنه حاول أن يخفف من عبارة «إبادة جماعية» التي وردت في التغريدة.
وقبل الممثل روفالو كانت الممثلة البريطانية إيما واتسون بطلة سلسلة أفلام «هاري بوتر قد كتبت مطلع العام 2022 على إنستغرام منشورا تعلن فيه التضامن مع الفلسطينيين والقضية الفلسطينية، باستخدام صورة لافتة ضخمة كُتب عليها بالإنكليزية «التضامن فعل (Solidarity is a Verb)» كانت قد التقطت من داخل مسيرة مؤيدة للفلسطينيين.
أما الممثل الأمريكي الاسترالي الأصل ميل جيبسون فقد سبق أن تعرض هو الآخر خلال السنين السابقة إلى حرب إعلامية شرسة في هوليوود نتيجة مواقفه الرافضة لعنصرية اليهود، لكنه لم يتراجع عن قناعته رغم الخسائر التي تكبدها نتيجة منع شركات الإنتاج السينمائي من التعامل معه وعدم منحه أية فرصة للعمل. ولو عدنا إلى الوراء من حيث الزمن سنجد أن الممثلة البريطانية فانيسيا ريدغريف كانت من أوائل الممثلين الذين لم تنطل عليهم سردية الإعلام الإسرائيلي وعبرت عن وقوفها إلى جانب الفلسطينيين، فغامرت بتقديم فيلم وثائقي من إخراجها بعنوان «فلسطينيون» كان له حضور مؤثر في مهرجان أفلام وبرامج فلسطين الأول للأفلام الوثائقية الذي اقيم في بغداد منتصف سبعينات القرن الماضي، ويذكر عند تسلمها جائزة الأوسكار عام 1978 عن دورها في فيلم «جوليا» هاجمها متطرفون يهود معبرين عن سخطهم لأنها نالت الجائزة، فما كان منها إلاّ أن ردت عليهم واصفة إياهم بالوحوش.

رسالة الممثلين إلى بايدن

وفي سياق التعبير عن الرفض للهجوم الإسرائيلي الوحشي على غزة أرسل مجموعة من النجوم الأمريكان في 21 تشرين الأول/أكتوبر رسالة إلى الرئيس الأمريكي بايدن، في مقدمتهم الممثل خواكين فينيكس، والممثل الكوميدي جون ستيوارت، يحثونه فيها على «الضغط من أجل وقف إطلاق النار» في إسرائيل وغزة، وقد جاء فيها: «نحث إدارتكم، وجميع قادة العالم، على احترام جميع الأرواح في الأراضي المقدسة، والدعوة إلى وقف إطلاق النار وتسهيله دون تأخير، وإنهاء قصف غزة، والإفراج الآمن عن الرهائن». وأضافوا في جزء آخر من الرسالة: «نرفض أن نروي للأجيال القادمة قصة صمتنا، وأننا وقفنا مكتوفي الأيدي ولم نفعل شيئا». وكان من بين الموقعين على الرسالة البالغ عددهم 60 ممثلا، سوزان ساراندون وكريستين ستيوارت وكوينتا برونسون ورامي يوسف وريز أحمد وماهر شالا علي وآخرين.

الميديا الرقمية وحرية التعبير

هذه مجرد أمثلة للتغيرات الحاصلة في التعبير عن القناعات إزاء قضية الصراع العربي الإسرائيلي نتيجة ما شهدته وسائل الإعلام من تغيرات كبيرة، ساهمت بالتالي في ايصال الحقائق عما يجري من انتهاكات لحقوق الإنسان وقتل مستمر للفلسطينيين بعيدا عن سلطة الإعلام الذي يسيطر عليه اللوبي الإسرائيلي.
هذه المتغيرات تشير إلى أهمية ما لعبته التكنولوجيات الثورية لوسائل التواصل الاجتماعي والبث عبر الإنترنت من دور في حرية التعبير. بمعنى إن واقع هوليوود المعاصر يكشف عن أصوات جديدة وآراء متنوعة، لا تتفق مع سياستها التقليدية القائمة على مبدأ الدفاع الثابت عن إسرائيل.
في مقابل ذلك ما يزال هناك مساحة واسعة في ميادين الإعلام يتحرك فيها عديد المشاهير من الممثلين المتعاطفين والمساندين لإسرائيل في حربها على غزة، من بينهم الممثلة الإسرائيلية جال جادوت، مادونا، دواين جونسن «ذا روك» ناتالي بورتمان، آندي كوهين، جيمي لي كيرتس، ديبرا ميسينج، إيمي شومر، سارة سيلفرمان، كريس جينر، ميندي كالينج وميغان ماكين. والملاحظ أن أمثال هؤلاء النجوم قد كثفوا من نشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي خلال هذه الفترة لتأكيد موقفهم الداعم لإسرائيل، لأنهم ما زالوا ينظرون إلى هذا الكيان الغاصب وفقا لسردية الإعلام الأمريكي على أنه «المستضعف الرئيسي» في المنطقة العربية.

إسرائيل وكواليس هوليوود

في إطار السياق نفسه علقت جودي بالابان، المطلعة على شؤون هوليوود، على مدى تأثير اليهود في أمريكا، ليس في صناعة الترفيه فحسب، بل في منحى الدفاع المستميت عن إسرائيل. وجاءت شهادتها ضمن مقال نشره موقع The Media Line بقلم جاكوب ساجيرت في نهاية حزيران/يونيو 2021 إذ ورد في معرض حديث بالابان بأن والدها بارني بالابان، كان رئيسًا لشركة باراماونت بيكتشرز من عام 1936 إلى عام 1964 وداعما قويا لإنشاء دولة إسرائيل الفتية والدفاع عنها، ثم تستذكر قائلة «نشأتُ مع موشيه ديان يزور منزلنا ويحضر في كثير من الأحيان وجبات العشاء والغداء مع غولدا مئير».

فّشّل إعلامي

يمكن بالتالي التوصل إلى أن هناك اتساعا لعدد الأصوات المناهظة لإسرائيل بين نخب هوليوود على وسائل التواصل الاجتماعي، ويمكن اعتبار هذا السرد المخالف لسردية هوليوود، قد جاء نتيجة للمواقف المتشددة والمتطرفة التي عكستها سياسات إسرائيل تجاه الطروحات الداعية إلى السلام في المنطقة، وفي مقابل هذا كان من المنطقي أن تحشد أمريكا كل قادة الدول الغربية لدعم إسرائيل في معركة غزة، من بعد أن أدركت أن المشاعر المؤيدة للفلسطينيين والمعادية لإسرائيل في الغرب قد اتسعت بشكل غير متوقع، واجتاحت فعاليات اجتماعية وسياسية في أمريكا وأوروبا، خلال الأعوام القليلة الماضية، ما يشير إلى أن الفلسطينيين رغم الخسائر الكبيرة في الأرواح التي تكبدوها إلاَّ أنهم في المحصلة النهائية تمكنوا من تعرية وحشية إسرائيل وبطلان أجندتها الإعلامية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية