دمشق – «القدس العربي»: بعد توالي الانشقاقات عن هيئة تحرير الشام التي تقودها «جبهة النصرة»، وتوسّع الخلل في نسيجها وتهديد بنيتها الأمنية والاقتصادية، اعتقلت «هيئة تحرير الشام» صباح الاثنين القيادي السابق لديها «جمال زينية» الملقب بـ»أبي مالك التلي» والذي كان يشغل منصباً بارزاً في «مجلس الشورى» قبل انشقاقه عنها، وذلك بعد محاصرة منزله في ريف إدلب شمال غربي سوريا.
خلفية التوتر
ووفقاً لمصادر مطلعة لـ»القدس العربي»، فإن التوتر بين «تحرير الشام» و»أبي مالك التلي» يعود إلى خلاف مالي، حيث «انشق التلي عن التنظيم وبحوزته مبلغ مالي ضخم يقدر بـ20 مليون دولار، رفض تسليمه للهيئة، إبان انشقاقه الأول، ثم تقديمه الاستقالة فيما بعد، حيث حاولت الهيئة الاستحواذ على المبلغ المالي، وإرضاءه بجزء منه، إلا أن التلي رفض العرض، مؤكداً أن المبلغ خاص به وبفصيله الذي جاء به من ريف دمشق، وخاصة بعدما اعترض على سياسة هيئة تحرير الشام وإهمالها في بعض الملفات الإدارية».
«خاطف راهبات معلولا في حوزته 20 مليون دولار»
وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان ومصادر مطلعة، إن قوة أمنية تابعة لهيئة تحرير الشام، حاصرت صباح الاثنين منزل القيادي الجهادي البارز «أبو مالك التلي» في ريف مدينة إدلب، واعتقلته بأمر من القائد العام لتحرير الشام «أبو محمد الجولاني».
وكان «التلي» قد انشق عن هيئة تحرير الشام في السابع من نيسان/أبريل الفائت من العام الجاري، وشكل جماعة جهادية وانضم إلى غرفة عمليات «فاثبتوا» مما يعرف عن أبو مالك رفضه للاتفاقات الروسية – التركية حول منطقة «خفض التصعيد»، وهو ما أكده بنفسه في تشرين الأول/أكتوبر من العام 2018. ووفقاً للمرصد فإن جمال زينية وهو الاسم الحقيقي للتلي، كان قد اختطف راهبات معلولا في ريف دمشق، قبل أن يطلق سراحهن في آذار/مارس 2014 بموجب اتفاقات وصفقة تقاضى خلالها مبالغ مالية طائلة، فيما فقد أبو مالك التلي نجله بعملية اغتيال في ريف إدلب، حسب مصادر المرصد السوري في 25 تشرين الأول/أكتوبر عام 2017.
وقد أعلن «التلي» في السابع من نيسان/إبريل الفائت استقالته من «هيئة تحرير الشام»، عازياً السبب إلى «جهله وعدم علمه ببعض سياسات الجماعة أو عدم قناعته بها»، حسب بيان نشره على حسابه الخاص عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
أعلنت مجموعات عسكرية عدة في الـ 16 من الشهر الجاري، تحالفها ضمن غرفة عسكريّة أطلق عليها اسم «فاثبتوا»، وأبرز هذه المجموعات «لواء المقاتلين الأنصار» الذي يقوده «أبو مالك التلّي» و «تنسيقية الجهاد» التي يقودها «أبو العبد أشداء»، و»جماعة أنصار الإسلام» و»جبهة أنصار الدين» و»تنظيم حراس الدين» وهي فصائل وتشكيلات انشقت عن «تحرير الشام» بعد فك ارتباطها بتنظيم القاعدة، وتعرف بمخالفتها لهيئة تحرير الشام، ونصّ بيان التأسيس على أنّ الغرفة جاءت لـ «دفع صيال المعتدين وكسرِ مؤامرات المحتلين». ولم يمض سوى عشرة أيام على تشكيل غرفة عمليات «فاثبتوا» حتى اعتقلت الهيئة ثاني قيادي من الغرفة «أبو مالك التلي (الشامي)» وذلك بعد اعتقال «أبو صلاح الأوزبكي» يوم الخميس الماضي.
وحسب مراقبين وخبراء فإن «ما يخيف الجولاني هو اجتماع الموارد المالية التي بحوزة أبو مالك التلي والموارد الإيديولوجية التي تتمثل بحراس الدين كونها مازالت مستقطبة لمن أراد نهج القاعدة والقتال خارج راية الجولاني».
الباحث في شؤون التنظيمات الجهادية عرابي عرابي اعتبر في حديث مع «القدس العربي» أن انشقاق شخصيات ذات كاريزميا وحضور في الهيئة يشكّل هاجسًا لديها، وتمثل هذا الأمر بالانتقاد العلني الذي قام به «أبو العبد أشداء» والذي رفض سياسات الهيئة، ما دفعها إلى اعتقاله قرابة أربعة شهور، ومع اشتداد المعارك أفرجت عنه، وكذلك حدث بخروج «التلي» أولاً وعودته إليها فيما بعد، ثم إعلان استقالته لاحقاً، وبينما كانت شخصيات من الهيئة تؤكد عودته إليها، أعلن «التلي» تشكيل لواء جديد والخروج عن هيئة تحرير الشام، والانضمام إلى غرفة عمليات «فاثبتوا».
رسائل مختلفة
تشكيل هذه الغرفة، وفقاً للمتحدث، يبعث برسائل مختلفة موجهة إلى الأطراف كافة، ولعل أهم تلك الرسائل ما يؤكد على استقلاليّة مكونات الغرفة، حيث لم تنخرط مجموعات «تنسيقية الجهاد» التي يقودها «أبو العبد أشداء»، و»لواء المقاتلين الأنصار» الذي يقوده «أبو مالك التلّي» بالتنظيمات والمجموعات السابقة التي شكّلت غرفة «وحرّض المؤمنين» أواخر عام 2018. وإنما اكتفت بالتحالف، عوضا عن الاندماج الكامل، وذلك من أجل إيجاد مساحة لمنافسة هيئة تحرير الشام، حيث تسيطر الهيئة على الملف الإداري في المنطقة، وبالتوازي مع ذلك فإنها ترغب في إظهار قدرتها على إدارة الملف العسكريّ وضبط تفاصيله.
إلا أن الغرفة الجديدة «ستتيح لمكوّناتها استقلاليّة ومساحةً أكبر في مواجهة الميليشيات الإيرانية وحلفاء النظام، وستكون مظلة لمن يرغب في الانشقاق عن الهيئة».
وهو ما يؤرق قيادات هيئة تحرير الشام، ويوسّع الخلل في نسيجها ويهددها فعلياً، حيث أوضح عرابي أن «هذه النقطة الأخيرة تشكل تهديداً للهيئة من ناحية، نظراً لكاريزما بعض القيادات المحليين والمهاجرين الذين ينضمون للغرفة ويتركون الهيئة، ومن ناحية أخرى فإن هذه القيادات ستدفع عناصرها والمقربين منها للانشقاق أيضاً، وهذا يوسّع الخلل في بنية الهيئة من ناحية ويهددها أمنياً واقتصادياً من ناحية أخرى». فاعتقال القيادات هو السبيل المتاح حالياً أمام هيئة تحرير الشام، التي لا ترغب بالانجرار إلى قتال مع الفصائل الأخرى التي تنافسها وتسعى لتشكيل تكتلات أخرى، كما أن الاعتقال سيدخلها في مفاوضات طويلة مع الشخص المعتقل لكي لا يؤثر على باقي الفصيل ويتبعه في خياراته.