هيئة «تحرير الشام» ودرس الجهاد العالمي في إدلب

منهل باريش
حجم الخط
1

يستمر الجولاني بحل عقدة المقاتلين الأجانب على طريقته الخاصة، باعتبارها أصعب عقد الحرب السورية، على أمل أن تؤدي هذه الخدمات إلى تغيير تصنيفه على القوائم السوداء.

في مسار قضائها على الفصائل، فككت هيئة «تحرير الشام» جماعة «جند الله» الجهادية الصغيرة في منطقة جبل التركمان أقصى شمال غرب محافظة اللاذقية، قرب الحدود مع تركيا.
وشهدت المنطقة الجبلية ثلاثة أيام من الاشتباكات، بدأت يوم الاثنين الماضي، 25 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، سقط خلالها نحو 25 قتيلا من الجانبين، ووقع عدد من عناصر الهيئة المهاجمة أسرى بيد «جند الله». ونشرت الجماعة أشرطة مصورة لخمسة أسرى قال أحدهم «انهم سحبوا من نقاط الرباط ضد النظام ودفعوا إلى المنطقة لقتال الخوارج» وينسب الأخير إلى مؤسسه الذي هو أبو فاطمة التركي، وباتت الجماعة تكنى باسمه «جماعة أبو فاطمة التركي» ويعتقد انه قتل بغارة أمريكية قبل سنوات.
وفي تصاعد الخلاف في غرب سوريا، رفض موسى الشيشاني التفاهم الذي أبرمه شقيقه مسلم قائد كتيبة «جنود الإسلام» الشيشانية بالخروج من نقاط الرباط في جبل التركمان حسب طلب هيئة «تحرير الشام». وتوسط الحزب الإسلامي التركستاني لحل الخلاف وضمان أمن المقاتلين الشيشان وعدم الاعتداء عليهم. وشارك موسى في صد الهجوم على الجماعة الأخرى «جند الله» لكن مع اقتحام مقاتلي «تحرير الشام» المنطقة والسيطرة على مقرات الجماعة وبعض الموالين المحليين لها في ناحية اليمضية وبداما وجسر الشغور، هرب موسى الشيشاني باتجاه الحدود التركية مع مقاتلين آخرين هما، أبوعبدالله الشيشاني عبدالله البنكيشي، واعتقلتهم الجندرمة التركية وأعادتهم إلى سوريا وسلمتهما إلى معبر خربة الجوز، فقاموا بتسليم انفسهم إلى «تحرير الشام» كونها الجهة المسيطرة على المعبر. وتداول نشطاء في شمال غرب سوريا تسجيلا صوتيا لموسى الشيشاني في أول أيام الهجوم يحاول بلغة عربية مكسرة شرح انقلاب الهيئة على تفاهماتها مع الكتيبة الشيشانية، وانهم يبدأون التحشيد في المنطقة بعد كل هدنة واتفاق.
في مجريات القتال خلال ثلاثة أيام، يبدو أن «تحرير الشام» تعثرت في القضاء على الجماعة التي لا يتجاوز عدد مقاتليها 70 مقاتلا في أحسن الأحوال، بسبب صعوبة المنطقة الجبلية ووعورتها، كما أن الطريق الواصل بين جسر الشغور وجبل التركمان مرصود من قبل قوات النظام بصواريخ مضادة للدروع م/د، وهو يعيق إرسال التعزيزات والآليات ويعرض مقاتلي الهيئة إلى خطر الاستهداف المباشر. كما يتحصن مقاتلو الجماعة في منطقة مرتفعة للغاية وهم أخبر بها من مقاتلي الهيئة المستقدمين من مناطق أخرى، ما يفسر وقوع عناصر الهيئة بالأسر في عمليات التفاف عليهم خلف السواتر التي رفعوها حسب تحليل الأشرطة المصورة والأحاديث التي دارت بين مقاتلي «جند الله» وأسرى الهيئة. وفي اليوم الثاني من القتال نجح المهاجمون بالسيطرة على عدة نقاط بينها المستشفى والسلور والأبراج.
في التفاصيل، لعب الحزب الإسلامي التركستاني دورا أساسيا في التوصل إلى اتفاق يقضي بخروج «جند الله» وكتيبة «جنود الإسلام» الشيشانية، خرجت الأخيرة في أول يوم فيما تعثر التوصل إلى اتفاق مع «جنود الله» حتى يوم الجمعة، حيث انسحبت الجماعة من جبل التركمان وانتشر مقاتلو «تحرير الشام» عوضا عنها. ونص الاتفاق على خروج الجماعة الصغيرة مع كامل سلاحها، والإفراج عن الأسرى من الطرفين، وتسليم عناصر محددين بالاسم إلى «تحرير الشام» للتحقيق معهم بقضايا، سلب وسرقة، أو ما بات يعرف «الاحتطاب» أو «السرقة الحلال» حسب الاصطلاح الشرعي الذي أصبح شائعا في شمال غرب سوريا بين الجماعات الجهادية و»تحرير الشام». واعتمدت تلك الجماعات بشكل رئيسي على خطف الأطباء والتجار والصرافين والصناعيين والتجار الميسورين وإطلاق سراحهم مقابل فِدىً مالية كبيرة، ومع أن جبهة النصرة هي من سَنت تلك السُنة، بداية الأمر، إلا أنها تراجعت عنها بعد أن أصبحت مهنة باقي الجماعات الجهادية واللصوص. وأدى ذلك إلى فوضى أمنية كبيرة هددت بانفجار المنطقة ومغادرة الأطباء، في ظل شكوى من نقص الكوادر الطبية أساسا، حيث قتل العشرات منهم بسبب القصف الجوي الروسي واستهداف المراكز الطبية والحيوية من قبل قوات النظام.
بالتزامن مع خروج «جند الله» من جبل التركمان وتسليم المطلوبين انفسهم، استنفر «الجيش الوطني» في منطقة عفرين، تحسبا من تسلل أي من أولئك العناصر.
ونشرت غرفة القيادة الموحدة «عزم» المشكلة من تحالف عدة فصائل في ريف حلب الشمالي- تعزيزات عسكرية ونصبت حواجز عسكرية في المنطقة الفاصلة بين إدلب وعفرين. وقالت إدارة «التوجيه المعنوي» في الجيش الوطني السوري المعارض في بيان لها: «لا صحة البتة لما يتم تداوله على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي حول وجود تفاهمات أو تنسيق مع الجيش الوطني، لإدخال مجموعات جند الله وما شابهها إلى مناطق غصن الزيتون». وأشار البيان أن هدف هذه الشائعات هو «النيل من سمعة الجيش الوطني السوري ودوره في حماية شعبنا» وختمت الإدارة «الجيش الوطني سيتخذ كل الإجراءات التي من شأنها حماية المناطق المحررة».
من الواضح أن هدف قيادة «تحرير الشام» هو تفكيك الجماعة بأي شكل، مهما بغت الخسائر، وهو ما اختبره المراقبون في أغلب جولات اعتدائها على فصائل الجيش الحر والفصائل الإسلامية الأخرى منذ نهاية عام 2014 وحتى الوقت الراهن.
وتسعى «تحرير الشام» إلى السيطرة على منطقة غرب جسر الشغور وما تبقى من مناطق تتبع إداريا لمحافظة اللاذقية، خصوصا وانها تتحصن في جبل الكبانة (تلة الكبينة) وهو أهم المناطق الاستراتيجية غرب محافظة إدلب. أما بقية المنطقة فتتقاسمها عدة فصائل إسلامية غير موالية لقائد «تحرير الشام» أبا محمد الجولاني الذي ينظر إلى المنطقة أنها خاصرة رخوة بالنسبة له ومن الأفضل بسط قوته هناك لعدة أسباب، أولهما يتعلق بتحطيم الفصائل الجهادية الصغيرة التي حاولت الانقلاب عليه عندما شكلت غرفة عمليات فاثبتوا، في حزيران (يونيو) 2020. وأبرزهم في غرب إدلب جماعة «أنصار الإسلام» إما السبب الثاني يتعلق بتطورات سياسية مرتقبة بخصوص مسألة تشغيل طريق الترانزيت حلب- اللاذقية /M4، والممتد في مناطق لا تسيطر عليها الهيئة، ما يعني أن أي اتفاق لا يجعل الجولاني الوكيل الحصري في تنفيذه. فيما يعتبر تسويق الهيئة نفسها على أنها تحارب الفصائل الجهادية هو رسالة مزدوجة لأمريكا وروسيا في آن معا، فقائد «جند الله» أبو فاطمة التركي كان مبايعا لتنظيم «الدولة الإسلامية» هو وعدد من جماعته. إما «جنود الله» الشيشان فهم جماعة ملاحقة روسيا. والحرب ضد الجماعتين يحسن في صورة التنظيم كما يعتقد قادة الهيئة.
عمليا، تنظر قيادة «تحرير الشام» إلى أن القضاء على الفصيل بشكل نهائي هو محرج للغاية، وإنهاء أي قوة يكفي بإخراجها من مناطق تحصنها ضد قوات النظام، ويؤدي نهاية إلى التخلص من أفراده بطرق متعددة منها ضم عناصره فرادى إلى الهيئة، أو إفساح المجال له لمغادرة إدلب بعدة طرق وترتيبات.
فعليا، يستمر الجولاني بحل عقدة المقاتلين الأجانب على طريقته الخاصة، باعتبارها أصعب عقد الحرب السورية، على أمل أن تؤدي هذه الخدمات المقدمة مسبقاً إلى الاعتراف به وتغيير تصنيفه على القوائم السوداء. على الأرجح ذلك أمر مستبعد وصعب للغاية على الأقل روسيا وصينياً ولا يكفي الموقف الأمريكي لحسمه.
الأكيد في تحرك الجولاني للقضاء على الفصائل الجهادية أنه شكل سابقة في طعن المهاجرين في ظهورهم، رغم انه كان منهم يوما في العراق عندما كان جنديا في تنظيم دولة «العراق الإسلامية» مواليا للبغدادي. وتعتبر فكرة القضاء على المهاجرين سابقة خطيرة في مفهوم الجهاد العالمي نفسه. فالتجربة السورية المريرة هذه ستكون عبرة ودرسا قاسياً لكل الراغبين في «نصرة المسلمين المظلومين» عبر التاريخ.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية