وباء الرقص وجائحة الجوع

حجم الخط
1

أحيت مدينة ستراسبورغ الفرنسية الذكرى الـ500 لواقعة عجيبة في تاريخها، جرت سنة 1518 ورسخت في الذاكرة العامة تحت مسمّى لا يقل عجباً؛ هو «وباء الرقص». ففي ذلك العام، وتحت وطأة شظف العيش وغلاء أسعار القمح وندرة المحاصيل وشيوع الجفاف، خال البعض أنّ راعي المدينة، القديس فيتوس، قد أنزل عليها غضبه؛ فما كان منهم إلا أن واجهوا سخطه بطريقة فريدة من نوعها: الخروج إلى الشوارع والأسواق، وممارسة الرقص طيلة ساعات ونهارات، حتى نزفت أقدامهم وخرّ بعضهم ميتاً جراء بذل الجهد القاتل.
متحف المدينة أقام معرضاً خاصاً حول الحدث، عُرضت فيه أعمال مذهلة من حيث عجائبيتها، تُذكّر ببعض مشاهد عمل هيرونيموس بوش الشهير «حديقة الملذات الأرضية»؛ بينها حفر يعود إلى عام 1600، ويصوّر ضحايا الرقص الهستيري يتهاوون أرضاً في باحة كنيسة. الفرنسي جان توليه كتب رواية خاصة مكرسة لهذه المناسبة، حملت عنوان «هيا إلى الرقص»، غلافها يلتقط هيكلين عظميين منخرطين في رقص جنوني. كما أُقيمت حفلة «تكنو» صاخبة، أحيتها فرقة أطلقت على نفسها اسم «1518». ولم ينجُ البرّ البريطاني من حمّى الوباء العجيب، فأصدر جون وولر كتابه «زمن للرقص، زمن للموت: القصة العجيبة لوباء الرقص سنة 1518».

أليس من حقّ المرء أن يتجاسر أكثر فيزعم أنّ التخمة هنا هي معظم السبب في الجوع هناك

ثمة وباء، وثمة آخر بالطبع، والفارق كبير رهيب بين تلك المشاهد التي تصوّر جياع الأرض في أفريقيا وهم ينبشون التراب بحثاً عن عرق يابس يقيم الأود بين الجلد والعظم؛ وتلك المشاهد الأخرى التي نتابعها بين حين وآخر كلما شاع وباء يستدعي إحراق وإبادة مئات آلاف القطعان من الماشية والدواجن. صحيح أنّ الجوع هناك لا يوازي التخمة هنا، ولكن أليس من حقّ المرء أن يتجاسر أكثر فيزعم أنّ التخمة هنا هي معظم السبب في الجوع هناك؟ أليس من حقّ المرء ذاته أن يضع هذه الحرائق (الوقائية من حيث المبدأ) في سياق سلسلة أضيق نطاقاً شهدت أمراض جنون البقر وجنون الدجاج وأنفلونزا الطيور؟
لكنّ العالم ليس جُزراً منعزلة، وسواء جاءت الأوبئة من جنوب أو من شمال، فإنّ الكرة الأرضية بأسرها (هذه التي اعتبرتها العولمة قرية صغيرة!) سوف تخضع للعواقب، في كثير أو قليل؛ والفارق في نهاية الأمر سوف يُردّ إلى حكاية تقنيات الوقاية. لكنّ العالم، في الآن ذاته، ليس متساوياً في آلام وأزمنة ونطاق الخضوع للمصائب الكونية، كما في جائحة الجوع والكوليرا مثلاً؛ الأمر الذي يعيد التشديد على تلك الهوّة العتيقة الفاغرة: بين شمال وجنوب، وتخمة ومجاعة، وعافية وعياء، ورفاه وتخلّف.
كما يعيد التشديد على كونية الاعتلال، شاء فقراء الكون أم أبى أغنياؤه. ففي المستوى التكنولوجي ــ التجاري يجري الحديث عن الأعلاف الحيوانية التي ألغت، أو نابت عن، الأعلاف الطبيعية لاعتبارات تدور حول تحقيق المزيد من الربح السريع والميسّر. وفي المستوى السيكولوجي ــ الثقافي يأخذ الوباء صفة خواف جماعي في نهاية الأمر، والرعب المعمَّم يبدّل الميول والسلوكيات والأعراف. وفي المستوى السياسي ـ الإقتصادي تبدو البراهين ماثلة في الصراعات الخفيّة والعلنية حول تصدير أو إتلاف مواشي وطيور بلد دون سواه، وعزوف المستهلك عن البضاعة بأسرها، وما يعنيه ذلك من إفلاس صناعات، وإخراج الآلاف من سوق العمل إلى سوق البطالة…
وفي كتاب بعنوان «هسترات: الأوبئة الهستيرية ووسائل الإعلام»، تثير إيلين شوآلتر المحاججة البسيطة التالية، بصدد وباء من نوع آخر عرفناه بالاسم الرهيب العجيب «آفة حرب الخليج»: لماذا نحتاج إلى أدلة «عسكرية» ميدانية لكي نتأكد من مرض يقدّم لنا كلّ يوم عشرات الأدلة النفسية على أنه مرض حقيقي قائم، بل وانتشر وينتشر تماماً كانتشار الأوبئة الكبرى بالمعنى الكلاسيكي؟ ثمّ، في نقلة بارعة من أوروبا إلى الولايات المتحدة، تسأل شوآلتر: ألا يقوم التاريخ النفسي للوجدان الأمريكي على سلسلة طويلة من الارتياب الطهوري (البيوريتاني) في وجود أسباب ميتافيزيقية وراء الاضطرابات الصحية الكبرى؟
شوآلتر ليست هاوية، وليست مغرمة بالصرعات والتغريد المجاني خارج السرب. إنها أستاذة الإنسانيات والأدب الإنكليزي في جامعة كولومبيا، ومؤرخة مرموقة في التاريخ النفسي للطبّ والأوبئة، وواحدة من أبرز الأسماء في النقد النسوي الغربي. وكتابها الهامّ هذا يقول إنّ البارانويا لا تجتاح الوجدان الأنغلو ــ ساكسوني قادمة من كواكب الشرّ البعيدة، بل هي صاعدة من النفس إلى النفس على مبدأ الأواني المستطرقة. وهي أوالية إيهام واستيهام حول الأمريكي الذي يأبى تصديق ما يعتمل في داخله وفي محيطه من شرور واعتلال، ويهوى ترحيل ذلك كلّه إلى الآخَر، وإلى الميتافيزيقي الغامض في نهاية الحساب.
وإذا كان المزارع الأمريكي قد نجا بدرجة كبيرة، حتى تاريخه على الأقلّ، من شرور البقرة المجنونة التي تعالى خوارها الرهيب في أرجاء القارّة العجوز أوروبا، ومن الطائر الوديع الجميل الذي صار حمّال فيروسات قاتلة تهاجر طيّ الأجنحة والمناقير؛ فإنّ وباء حرب الخليج استقرّ أكثر فأكثر في أمريكا، واستوطن أجساد المئات من محاربي «عاصفة الصحراء» وذرّيتهم من بعدهم.
وبين وباء وجائحة، ثمة رقص حتى الجنون ومعدة خاوية حتى الفناء، وللعولمة في مواطنها شؤون!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية