لندن-“القدس العربي”: لا يشكل ما ظهر حتى الآن عن عدد مقاتلي الأجانب في تنظيم “الدولة” الإرهابي وخاصة الأوروبيين منهم، إلا قمة جبل جليد عظيم، وأحدث هذا الجزء من جبل الجليد زلزالاً كبيراً في العواصم الأوروبية ومواقف متباينة حكومياً وشعبياً غالبيتها رافضة لعودة المواطنين الأوروبيين الذين انضموا إلى صفوف التنظيم الإرهابي في العراق وسوريا. وتتخوف أوروبا من انتشار ما يوصف بـ “وباء داعش” في بلدانها، ولا تريد ما لم تمنع انتشاره في دول أخرى خاصةً في الدول العربية، حيث تشير دراسة بريطانية نشرها موقع هيئة الإذاعة البريطانية “بي سي سي” الناطق بالإنكليزية، إلى أن ما لا يقل عن 13 ألف و150 شخص من مواطني الدول الأوروبية التحقوا في صفوف تنظيم “الدولة” الإرهابي حتى عام 2018 ومن بينهم ما يقارب 850 مواطنا بريطانيا.
وكشفت وكالة المخابرات الهولندية “أي آي في دي” أن ما يقارب 315 من المواطنين الهولنديين غادروا البلاد للانضمام في صفوف التنظيم الإرهابي في العراق وسوريا، وأن حوالي 33 في المئة من هؤلاء هم من بين النساء، مضيفةً أن نحو 55 شخصا منهم رجعوا إلى هولندا، وأن 85 شخصاً آخر منهم قتلوا خلال المعارك هناك، وأن 135 منهم لا يزال يتواجد في مناطق الصراع في سوريا والعراق. فيما تؤكد السلطات الدنماركية أن ما لا يقل عن 150 مواطناً دنماركياً توجه إلى ساحات المعارك في العراق وسوريا للانضمام للجماعات الإرهابية منذ عام. وتصدر موضوع عودة هؤلاء إلى بلادهم المشهد السياسي في الدنمارك، ورغم المواقف المتباينة حسمت الحكومة الدنماركية الموقف من خلال إعلانها بأنها لا تستطيع منع مواطنيها الذين سافروا للقتال في صفوف تنظيم “الدولة” من العودة لبلادهم. وقال وزير العدل الدنماركي، سورين بابي بولسن، “ليس لدي أي تعاطف تجاههم، هم غير مرغوب فيهم في الدنمارك” ونقلت وكالة الأنباء الدنماركية عنه القول “ولكن هذه مشكلة معقدة. لا توجد حلول مثالية أو بسيطة. الحقيقة هي أننا لا نستطيع أن نرفض عودة مواطنين دنماركيين لبلادهم”.
وتؤكد التقارير الصحافية التي نشرت مؤخراً بعد طلب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من الدوال الأوروبية باستعادة مواطنيها الإرهابيين، ما تراه الأجهزة الأمنية الأوروبية في أن هؤلاء العائدين تلقوا تدريبات وحصلوا على مهارات وقدرات تجعلهم يشكلون خطراً أمنياً كبيراً. وعن هولندا، كشفت بعض وسائل الإعلام أن عدداً من المواطنين الهولنديين الذين قاتلوا في صفوف “داعش” قد نقلوا جواً إلى بلادهم مجاناً من قبل الحكومة، وأنها أعطتهم أماكن للعيش فيها. وفي شباط/فبراير 2017، نشرت جريدة “دي فولكس كرانت” (جريدة الشعب) الهولندية، تقريرا وديا عن العائدين الذين يبلغ عددهم حوالي 50 شخصاً، قالت “يبدو أنهم لا يشكلون تهديدا عنيفا على الإطلاق، وكانوا أنفسهم مصدومين”. لكن عكس ما ذهبت إلى جريدة الشعب الهولندية، كان العائدون من صفوف تنظيم “الدولة” قد تورطوا بالفعل في هجمات إرهابية كبيرة في بروكسل وباريس. وفي كانون الأول/ديسمبر 2017، كانت صحيفة “الإيكونوميست” قد أفادت أن محكمة في هولندا أدانت امرأة هولندية تبلغ من العمر 22 عاماً لتورطها في التخطيط لعمل إرهابي على الأراضي الأوروبية. ورغم أن هولندا تؤكد أنها حاكمت وتحاكم أولئك الذين انضموا إلى “داعش” لكن الإحصائيات لا تؤيد ذلك. حيث لم يتم محاكمة إلا 7 أشخاص من بين 50 شخصاً هولندياً، وتجري محاكمة 8 آخرين منهم فقط. وحول عودة من تبقى من مواطنين هولنديين في العراق وسوريا، أكد وزير العدل والأمن الهولندي، فرديناند غرابرهاوس، أن بلده يشارك في الوقت الحاضر بنشاط لإعادة أعضاء تنظيم “الدولة” الذين يحملون جوازات سفر هولندية، لكنه لم يقل شيئا عن محاكمتهم أو اعتقالهم.
وماذا عن الدنمارك؟ وكانت صحيفة “الغارديان” البريطانية نشرت تقريراً عما يعرف باسم “نموذج آرهوس” وهو برنامج إعادة تأهيل العائدين من صفوف “داعش” يعتمد على أساس نهج عريق ومتكامل معروف في الدنمارك لمكافحة الجريمة، وفيه ترافق مجموعات من الخبراء والمستشارين النفسيين، والرعاية الصحية، هؤلاء الشباب، بهدف مساعدتهم في العودة إلى المسار التعليمي أو المهني، والبحث عن إقامة والعودة إلى نمط الحياة اليومية الطبيعية والانسجام مع المجتمع. كما يقدم هذا النموذج فرصة جديدة للشباب من أجل إعادة الاندماج في المجتمع بدل معاقبتهم مثلما تفعل دول أوروبية أخرى كفرنسا وألمانيا. والجزء الآخر لـ”نموذج آرهوس” يتمثل في محاولة الوصول إلى الشباب الذين تظهر عليهم علامات التطرف بهدف العمل معهم من أجل إقناعهم بعدم الذهاب للمحاربة في سوريا، ويحصل هذا من خلال التعاون بين الشرطة والمدرسين والموظفين الاجتماعيين والأندية الشبابية، حيث تدرب الشرطة هؤلاء للتعرف على العلامات المبكرة للتطرف الديني.
وقال أستاذ علم النفس في جامعة آرهوس الدنماركي، بريبِن بِرتيلسِن، إن “نموذج آرهوس” يتمحور حول الاحتواء، مضيفاً “أنظر لكل هؤلاء الشباب، ستجدهم يكافحون مشاكل مشابهة لما يواجهه شباب كثيرون حول العالم ابتداء من بناء حياتهم وفهم العالم من حولهم، وصولا إلى إيجاد مساحة ومعنى في مجتمعاتهم. فإذا لم يرتكبوا أي نوع من الجرائم، سنساعدهم نحن على إيجاد طريق للعودة”. في المقابل، انتقدت أحزاب قومية دنماركية أبرزها حزب الشعب الرافض للهجرة، هذا النموذج لإعادة تأهيل الإرهابيين العائدين، حيث وصفته بـ “ساذج، ولين، وقصير النظر وخطِر” كما دعا حزب “فينسترا” اليميني إلى سحب جنسية العائدين ومعاقبتهم وسجنهم لـ6 أعوام. فيما سبق وأن نشرت وسائل إعلام دنماركية محلية تقارير حول محاكمة مواطن دنماركي ذهب إلى سوريا لمحاربة تنظيم “الدولة” بينما لم يتم محاكمة الإرهابيين العائدين إلى الدنمارك. فقد حُكم على المواطن الدنماركي تومي موروك في حزيران/يونيو الماضي بالسجن لمدة 6 أشهر بسبب ذهابه إلى سوريا بهدف القتال ضد “داعش”. وانتقد تومي موروك السلطة القضائية في بلاده، قائلاً إن “القضاء الدنماركي يقاضي أولئك الذين يقاتلون داعش بدلاً من ملاحقة المتطرفين الذين عادوا إلى الدنمارك”.