رئيسة الحكومة الإسرائيلية السابقة غولدا مائير، وافقت على فحص إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية بشكل إيجابي بعد ثلاث سنوات على احتلال “المناطق” في حرب الأيام الستة. هذا ما يتبين من وثيقة نشرها أرشيف الدولة الشهر الماضي. وفق هذه الوثيقة، وفي نقاش وصف بأنه سري جداً، بمشاركة غولدا ووزراء الحكومة، قالت: “ذهني منفتح لذلك. أنا على استعداد أن أسمع. وإذا كان هناك بصيص أمل من إقامة دولة عربية صغيرة ومستقلة في “يهودا والسامرة”، وربما في قطاع غزة أيضاً… وإذا سموها فلسطين، فما الذي يهمني في ذلك؟”.
غولدا مائير، رئيسة الحكومة الرابعة في إسرائيل، دخلت إلى كتب التاريخ برفضها أي وجود للشعب الفلسطيني. “لا يوجد شعب فلسطيني، يوجد عرب”، قالت في عدة مناسبات. “جميعنا فلسطينيون”، أضافت باستفزاز. الآن، الوثيقة التي نشرها أرشيف الدولة الشهر الماضي، تظهر بأنه في العام 1970 بعد ثلاث سنوات على احتلال “المناطق” [الضفة الغربية] في حرب الأيام الستة، وافقت مئير في نقاش تم وصفه بأنه “سري جداً” على فحص إقامة دولة فلسطينية بشكل إيجابي.
في مشروع التخليد الرسمي لتوثيق نشاطات مئير، الذي نشره أرشيف الدولة قبل بضع سنوات، لا يوجد ذكر لهذه الوثيقة. شاؤول رحافي، حفيد غولدا مئير، الذي يترأس معهد غولدا مائير لتخليد ذكراها ونشاطاتها، قال لـ “هآرتس” بعد أن عرضت عليه الوثيقة، إنه لم يكن يعرف عنها.
عقدت الجلسة بتل أبيب في 9 تشرين الأول 1970، تحت عنوان “مشاورات سياسية”، شارك فيها وزير الدفاع موشيه ديان، ووزير التعليم والثقافة يغئال الون، ووزير الشرطة شلومو هيلل، والوزير بدون حقيبة إسرائيل غليلي، ووزير المالية بنحاس سبير، ووزير العدل يعقوب شمشون شبيرا. “أمر آخر: ثمة استقلال لعرب المناطق” بدأت مئير النقاش حول إقامة الدولة الفلسطينية. اعتبرت الموضوع “أمراً بعيد المدى” وفسرت أقوالها: “ستكون حاجة إلى أن نبقي لعرب “يهودا والسامرة” خيار الحصول على تقرير المصير في مرحلة متقدمة أكثر عندما نرغب بالأمر، أي أن تكون هناك دولة أخرى”. وتطرقت مائير لاسم الدولة الجديدة إذا قامت: “قلت من اليوم الأول بعد الحرب إن المشكلة هي ماذا سيكون اسم الدولة الثانية… هذا الأمر سيعنيني مثل الثلج في السنة الماضية، أو الثلج الذي سقط قبل ألفي سنة”.
من ناحية مائير، كان على الأجندة عدة إمكانيات لإقامة الدولة الفلسطينية. “دولة مستقلة مرتبطة كونفدرالياً مع إسرائيل أو مع إسرائيل والأردن. وإذا أرادوا، فمع الأردن وحده في إطار اتفاق سلام”، فسرت أقوالها. وتم أيضاً وضع إمكانية أخرى لدولة فلسطينية مستقلة على الطاولة: “أعرف أنه ستكون دولة عربية مستقلة أخرى في فراش سدوم (أي وضع مستحيل)، التي ستكون ذات يوم مضطرة لتحطيم هذا الفراش والخروج منه”، قالت.
في محضر الجلسة، ظهر وكأنها تقلق من ذلك: “ما يجب عليّ فعله إذا كنت على ثقة بوجود ثلاث دول، فعندها سيكون الهدف من جانب العرب دولة واحدة فقط، أو اثنتين على الأكثر، الأردن وفلسطين، حيث إن إسرائيل ستختفي من الخارطة”، حذرت. “لم أسمع في أي يوم بأن أحداً منا هو مع إقامة دولة عربية فلسطينية مستقلة”، قالت للوزراء الذين شاركوا في الجلسة.
عقدت الجلسة في نقطة مهمة في تاريخ الشعب الفلسطيني – قبل فترة قصيرة من اندلاع الصراع بين الجيش الأردني ومنظمات الإرهاب الفلسطينية بما سمي بـ “أيلول الأسود”. في أوساط الفلسطينيين الذين نفذوا عمليات إرهابية ضد إسرائيل من أراضي الأردن، كان هناك من أرادوا إسقاط المملكة الأردنية وإقامة الدولة الفلسطينية مكانها. نجح الملك حسين في نهاية المطاف في صدهم وطردهم من بلاده. وبدورهم، أقاموا دولة داخل دولة “فتح لاند” في لبنان التي كانت من بين عوامل الحرب الأهلية في لبنان وحرب لبنان الأولى.
في هذه النقطة التي تلقى فيها الفلسطينيون ضربة شديدة بالتحديد، عقدت غولدا النقاش الاستثنائي. “إذا أصبح ياسر عرفات رئيس الحكومة في الأردن، فسنجري معه مفاوضات. أما مع عرفات بكونه رئيس منظمة إرهابية، فلا. ولكن إذا حدث ذلك وأصبح رئيس حكومة ومثلها بكونه فلسطينياً فأهلاً وسهلاً”، قالت غولدا مائير.
“حسب رأيي، هذا هو الأساس. ما الذي نريده في نهاية المطاف؟ في داخلنا فكرة واحدة أو اختلاف في الرأي يجب توضيحه”، قالت للمشاركين في الجلسة. “بالعكس، عقلي منفتح على ذلك. بعد حرب الأيام الستة أغلق على الفور، لكني على استعداد لفتحه والسماع. وإذا كان هناك بصيص صغير من الأمل لدولة صغيرة جداً عربية ومستقلة في “يهودا والسامرة”، وربما في غزة أيضاً، وتكون كونفيدرالية في فيدرالية، فلن يهمني ما سيكون اسمها”، قالت.
القسم التالي في النقاش نزل إلى التفاصيل. أشارت مئير بإيجابية إلى إنجازات إسرائيل في حرب الاستقلال التي شملت احتلال مدن عربية، التي سيطالب الفلسطينيون بها كجزء من الدولة المستقبلية. “لماذا ستكون يافا أقل فلسطينية من أي مكان آخر بالنسبة لهم؟ كانت في بلادهم. هل سنعطيهم إياها؟ أنا مستعدة للذهاب والصلاة وشكر الله على أنهم أعلنوا الحرب في 1948. ولكننا في نهاية المطاف لسنا الذين أعلنّا الحرب”، قالت. وعلى سؤال: هل ستعتبر القدس عاصمة الدولة الفلسطينية؟ ردت بالنفي. “بالتأكيد، ستكون بدون القدس”.
يغئال ألون، قائد “البلماخ “السابق، أراد تلطيف الأجواء. “لا أقترح أن نعلن عن وعد بلفور”، قال في تطرقه للوثيقة البريطانية من العام 1917، التي مهدت الطريق لإقامة الدولة اليهودية في أرض إسرائيل. “من يتعاملون مع هذه المهمة سيتحسسون الطريق بحثاً عن هذه الاحتمالية… لا أقترح تشجيع إقامة دولة فلسطينية، إلا في المدى البعيد وباتفاق سلام، وإبقاء خيارات مفتوحة”، أضاف. عرض ألون في الجلسة موقفاً يعارض موقف غولدا العلني، التي رفضت مجرد وجود الشعب الفلسطيني (“لا يوجد شعب فلسطيني، هناك عرب”، قالت في مناسبات كثيرة). “هذا المصطلح غير مرتبط بموافقتي أو موافقة مئير. إذا كانوا يعتبرون أنفسهم فلسطينيين فيمكننا القول ألف مرة بأنهم ليسوا كذلك، وسيكونون كذلك، مع ذلك”، قال.
إسرائيل غليلي، طلب مناقشة هذا الأمر بجدية، على المستوى النظري أيضاً. ووفق قوله: “أشعر منذ فترة طويلة، ومؤخراً بشكل أكبر، بأن ما يسمونه “القضية الفلسطينية” بدأ بإزعاج، سياسياً وأخلاقياً، أفضل الموجودين في معسكرنا، بما في ذلك قادة وجنرالات وكل من يحمل على كاهله الجيش الإسرائيلي… هذا يدل على أن المشكلة… ليست أمر زرع من الخارج، بل لها مصدر معين، أي أنها ليست موضوعاً مصطنعاً. أشعر بأنه قد بدأ مهرجان فلسطيني – إسرائيلي في هذا الشأن”.
في مناسبة أخرى، قال غليلي: “مفاهيم مثل الشعب الفلسطيني والشعب العربي ليست بالمفاهيم التي يمكن مغازلتها. إذا قمت بحسمها ومنحتها مكانة وإدراك، في المدرسة والتعليم، ستصبح عندها حية وتحمل ذاتها… في نهاية المطاف، ستواجه شيئاً منحته كياناً وحقاً في تقرير المصير”، وأضاف: “لا أحدد دولة عربية، وماذا سيكون اسمها، لكن يجب أن تجسد حلاً لما يسمونه عرب فلسطين”. و”إذا سألتموني، فقد أردت أن يموت اسم فلسطين”. فرد عليه يغئال ألون: “المشكلة أن هذا الاسم بقي على قيد الحياة منذ سنوات”.
عقدت الجلسة عشية يوم الغفران، وتم وقفها عندما طلب الوزراء الذهاب إلى بيوتهم. محضر استكمال الجلسة، الذي تم التخطيط له بعد العيد لم ينشر في أرشيف الدولة.
عوفر اديرت
هآرتس 1/8/2023