وحيد حامد: الوجه الآخر للمشاغب والبريء داخل الكادر السينمائي

لم يكن وحيد حامد مجرد كاتب سيناريو مُحترف، فهو السياسي الذي ضل طريقة إلى السينما والدراما والعمل الإبداعي، أحب الأدب وبدأ مشواره الطويل بكتابة القصة القصيرة، ولكنه أعرض عن غواية القصة، ولجأ إلى السينما بوصفها النافذة الأكثر اتساعاً على العالم الخارجي، والوسيلة المتاحة لرؤية المساحة الأوفر من التفاصيل الحياتية والإنسانية، في واقع يموج بالصراعات وتتلاحق فيه الأحداث، وربما لهذا السبب فضل الكاتب أن يبقى داخل الكادر السينمائي، كأحد صُناع الحكايات والصور الدرامية، وصاحب البصيرة السينمائية في الرصد واستشراف المستقبل المتصل بهموم المواطن المصري البسيط.
ترجم فيلم «البريء» للمخرج الراحل عاطف الطيب الكثير من قناعات وحيد حامد السياسية ومشاغباته مع الأنظمة الحاكمة، فلم يتورع عن أن يقدم شهادته التاريخية عن المعتقلات والمعتقلين، إسقاطاً على فترة مُلتبسة ومركبة من التاريخ المصري في ستينيات القرن الماضي، ولأنه قدّم رؤيته بشجاعة ومن غير حسابات للحيطة والحذر، استطاع أن ينفذ من ثقب الإبرة إلى مساحة الحرية المتاحة، فيُعمل أدواته النقدية بكثير من الإتقان والجرأة، ليظل فيلمه الإنساني السياسي الحقوقي علامة مميزة في سجل الإبداع السينمائي المصري.

اللعبة الخطرة

ولأن اللعبة الخطرة كان لها صداها ودويها الجماهيري، فقد ظل مُتمسكاً بها إلى آخر مراحله العمرية، فهو من استخدم العنوان الفلكلوري المُستوحي من حلقات «ألف ليلة وليلة» ليكتب دُرته الثمينة «احكي يا شهرزاد» في فيلم استثنائي مهم يكشف من خلاله تفاصيل حكاياتنا الواقعية في يوميات شهرزاد العصر الحديث، لنرى صنوفاً من الجرائم تفوق في فداحتها ما روته شهرزاد التاريخية في لياليها الألف لشهريار، ذلك المُستبد المغرور قاتل الحسناوات، وهنا يتوجب التوقف كثيراً أمام روعة الاستدعاء التاريخي عند وحيد حامد وكيفية استخدام الرمز في الربط بين ما كان يحدث في الماضي وما يتكرر حدوثه في الزمن المضارع، مع اختلاف الصور والأشكال واتفاق المضامين وطرق التنفيذ في فن ارتكاب الجريمة.
ومن لغة الإسقاط إلى المباشرة، تعددت الأساليب والقضايا، لكن بقيت المعاني واحدة، إذ لا فرق بين ما ذكرناه سلفاً، وما أتحفنا به الكاتب في السياق ذاته عن هموم الوطن والمواطن، فما ورد في فيلم «المنسي» على سبيل المثال من آيات المحن والتعذيب والضرب، لعامل التحويلة في السكة الحديد، وهو الشخصية التي جسدها عادل إمام، لا يختلف كثيراً عن قرائن الذل والهوان والاعتقال في فيلم «البريء» وربما تمتد السلسلة لتصل إلى أفلام أخرى مثل «الإرهاب والكباب» كي تتحدد صور القهر، وتبدو أوضح في دلالاتها، مع ملاحظة اقتران الكباب بالإرهاب، وهو ما يعني الصلة الوطيدة بين الجوع والاشتهاء، ورد الفعل العنيف الموصوم بالإرهاب، وتلك هي فلسفة التوصيف عند وحيد حامد، ككاتب بعيداً عن دوائر الإدانة من عدمها، إذ قدّم في ما لا يزيد عن ساعة ونصف الساعة ما يكفي لإدراك المشكلة وتحديد موطن المرض والارتباط الشرطي بين الفقر والجوع والكسل والبيروقراطية والفساد والاستبداد، وبين العنف والإرهاب والقتل كنتائج حتمية لصراع الحكام والمحكومين.

ويبقى الإبداع الخاص في فيلمي «اللعب مع الكبار» و«النوم في العسل» فهما يمثلان تنويعاً ذكياً على وتر النقد السياسي، ويحملان خصائص الإدانة نفسها، للسياسات والحكومات المتعاقبة، التي تسببت في إصابة الفئات الفقيرة من الشعب بالعجز والخوف والخمول.

ونراه يكرر الثيمة نفسها بما يشبه التأكيد على جوهر الصراع والخلاف والتناقض، في أفلام مثل «طيور الظلام» إذ يرسم في هذا الفيلم تحديداً مشهداً دلالياً خاصاً للكرة بين القطبين المتناحرين داخل أسوار السجن وفي ملعب فسيح، وقد حاول كل منهما أن يسدد ضربة قوية بقدمه في اتجاه الآخر، ولكن في النهاية تذهب الكرة بعيداً عن المرميين، كأنه الإعلان النهائي السلبي للمباراة بغير أهداف، أو فوز لأي من الطرفين. لكن يعود حامد في فيلم «دم الغزال» الذي كتبه إثر محاولة اغتيال الكاتب نجيب محفوظ ليدين العمل الإرهابي بلا مواربة، فيكون قاطعاً في رؤيته حول قضية العدوان على العقول المفكرة، واغتيال الفكر كعلامة مخيفة لسيادة قانون الغابة، وتصفية الحسابات بقوة السلاح، وهي جرأة تُحسب له في حينها، حيث كانت المواجهة على أشدها بين المتطرفين والمثقفين.
ولم يغض الكاتب الراحل الطرف عن مساوئ النظام الحاكم في فترة التسعينيات، وإنما أشار بأصابع الاتهام إلى بعض الرموز، وكانت لا تزال في الحكم وفي كامل قوتها وقسوتها، عبر فيلم «عمارة يعقوبيان» الذي امتلأت أحداثه بالتجاوزات السياسية والأخلاقية، وأماط اللثام عن كل الوجوه القبيحة والشريرة بلا تورع أو خوف، فمن بيع مقاعد البرلمان إلى التواطؤ، تم انتزاع القشرة اللامعة عن المجتمع، فظهرت كل عوراته وفضائحه ولم تبق إلا الحقيقة التي صاغتها يد السيناريست، دليلاً دامغاً على الفساد قبل انقلاب السحر على الساحر.
وفي المنطق الجريء نفسه في إعمال القلم المُبدع للتصحيح والتوضيح، كانت رؤية وحيد حامد كاشفة في فيلم «ديل السمكة» إذ قدّم الواقع المصري من الداخل بحيلة ذكية استخدم فيها مُحصل فواتير الكهرباء، ليكون البطل المكلف بالتسلل إلى داخل الحواري والأزقة والبيوت، ليُنبئنا بما يراه خلف الجدران من أطوار وأسرار، فيُضاف الفيلم إلى قائمة الأعمال المهمة في ملف الكاتب الكبير. وتأتي الرؤية الفلسفية متناغمة مع طبيعة الكتابة السياسية في فيلم «سوق المتعة» فيضيء وحيد كعادته المناطق المُعتمة والغائرة في الجوهر الإنساني، ويضع يد المشاهد على نقطة الضعف الأساسية في الكائن البشري، وهي الحرية التي إذا ما سُلبت منه تحول إلى مريض نفسي يستعذب القهر ويتعايش معه، بل يستمتع به، وهي قمة الغرابة والسقوط في براثن الوحدة وجلد الذات.

الإبداع الخاص

ويبقى الإبداع الخاص في فيلمي «اللعب مع الكبار» و«النوم في العسل» فهما يمثلان تنويعاً ذكياً على وتر النقد السياسي، ويحملان خصائص الإدانة نفسها، للسياسات والحكومات المتعاقبة، التي تسببت في إصابة الفئات الفقيرة من الشعب بالعجز والخوف والخمول. ويأتي الإبداع الدرامي مُختلفاً ومغايراً عند صاحب المسيرة الفنية المديدة، حيث يتنوع في الشكل والتفاصيل، ما بين السياسي والاجتماعي والإنساني، وفق ما ورد في مسلسلات، «أحلام الفتى الطائر» و«العائلة والجماعة» و«سفر الأحلام» وكلها محطات رئيسية جديرة بالإشارة، وتستحق أن تكون هي الأخرى علامات فسفورية مضيئة على طريق الابتكار والتميز، ومشوار العمر الطويل الذي امتد إلى 76 عاماً من السعي والمثابرة والشغب.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية