وخبأت في حقيبتي كتاب

عمرو مجدح
حجم الخط
5

منذ ألف عام وعام خبأت في حقيبة سفري «زوادة» من وطني، كتبا وروايات تحكي تاريخ عُمان، أهديها لكل صديق قد أصادفه في رحلتي وأزرع في قلب من أقابله مدنا وشخصيات وحكايات ومفردات حملتها من موطني، أتغنى فيها بالموروث الثقافي والحضاري الذي شهد الكثير من التهميش العربي، وكانت تتساقط الأسئلة كليلة شديدة المطر، وبأصوات مندهشة كالبرق تخترق قلبي وتجرحه وهي تفضح ذلك الجهل بكل ما حملته هذه البقعة من الأرض التي ولد من رحمها أحمد بن خليل الفراهيدي، أحد أئمة اللغة وواضع علم العروض.
ليست وحدها الطيور المهاجرة من ثلاث قارات اجتمعت على أرضها في وقت واحد، فسواحلها كانت نقطة مشـــتركة بين حضارات العالم القديم.
تحوك بطلة رواية «سيدات القمر» ميا علي بن خلف وهي على ماكينة خياطتها السوداء ماركة الفراشة خيوطا ذهبية من الأدب، تفتح الأبواب أمام الثقافة العُمانية وأمام تلك الأيدي الناعمة التي رسمت شخصياتها الكاتبة العُمانية جوخة الحارثي، التي حصدت في لندن جائزة (مان بوكر الدولية) التي تمنح لأفضل عمل أدبي مترجم إلى الإنكليزية عن «سيدات القمر» التي نشرت لأول مرة عام 2010 ولم تترك أثرا على المستوى العربي، وبقيت على رفوف المكتبات مهملة إلى أن جاءت الترجمة الإنكليزية من قبل مارلين بوث أستاذة الأدب العربي في جامعة أوكسفورد، وأعادتها إلى الواجهة العربية والعالمية لتتجاوز بها الكاتبة كل روائي جيلها وتحجز لنفسها مقعدا مع كبار كتاب العالم، فقد نقلت تلك الرواية الغارقة بالمحلية والأمثال الشعبية والمساجلات الشعرية القرى العُمانية بخصوصيتها إلى العالمية، وفتحت الأعين أمام المخزون والحراك الثقافي في عُمان.
تشرق في الذاكرة مغامرات الأميرة المتمردة السيدة سالمة بنت سعيد ابنة إمام وحاكم عمان سعيد بن سلطان التي صدرت مذكراتها باللغة الألمانية عام 1886 وكسرت بها حتى القيود الأوروبية المتعارف عليها للنساء في السير الذاتية وروت الكثير من تفاصيل الحياة في القصر والجواري وقصة والدتها «الشركسية» انتهاء بوفاة والدها وصراع أخوتها على الحكم وشرارة الحب مع الشاب الألماني وهروبهما إلى موطنه ثم العودة إلى الوطن بعد 19 عاما قائلة: «عجبت لتفاهة الإنسان في هذا الكون ولغرابة الصدف في هذه الحياة. فالمرء في هذه الحياة لا يملك من أمر نفسه شيئا ولا يعرف ما يضمر له الغد من أحداث فهنا ولدت ونشأت مسلمة وفي أعز دار، ثم حكمت الظروف عليّ بالهجرة إلى بلاد لم أكن قد سمعت بها أو رأيتها من قبل، وها أنا أعود إلى بلادي نصف مسيحية ونصف ألمانية، ومن غرائب الصدف أن تكون عودتي إلى وطني بعد هذا الاغتراب الطويل في الشهر نفسه الذي غادرته فيه قبل تسعة عشر عاما».
والعمانية فاطمة المعمري التي صنفت كأول امرأة تحصل على درجة الدكتوراه على مستوى الخليج العربي وهي من الرائدات عربيا. ومن أوائل الصحف العربية صحيفة «الفلق» العمانية التي صدرت عام 1929 وتولى رئاسة تحريرها الشيخ محمد بن هلال البرواني. ومجلة «نزوى» الثقافية التي تبنى مشروعها الشاعر والأديب سيف الرحبي وأثرى بها الساحة الخليجية والعربية منذ صدر العدد الأول منها عام 1994 وأخذت اسمها نسبة إلى ولاية نزوى العمانية عاصمة الثقافة الإسلامية 2015 ، نافست المجلة التي أسست بجهود شخصية العديد من المجلات الثقافية المدعومة من حكومات، ومع الوقت توقفت تلك المجلات لسبب أو لآخر وبقيت «نزوى». والمشهد العماني يختزن أيضا كلمات ابنة مدينة صور العمانية وشاعرة عمان الأولى سعيدة بنت خاطر وهي تبوح قائلة:
امرأة ٌ واحدة ٌ لا تكفي لنصبِ ألوية العزاءْ
الموتُ في شرقنا غابة ٌ
تتكاثرُ في أدغالها الهموم ُ
في مهد ِكلِّ أم ٍ ينامُ وجه ٌغريبْ
يزاحمُ الوليدَ يمتصُ مناغاتِهِ ويطفئ النشيدْ
الموتُ مبتسما وحدَه في المهدِ لا شريك ْ
تهدهده الأم ُ ترضعه مرارة َ الحليبْ
الموتُ في شرقنا حيٌ لا يموتْ
يتكاثرُ وحدَه يعمرُ البيوتْ
يؤثث بجثثنا مقابرَ الفناءْ
امرأة ٌ واحدة ٌ لا تكفي لدفن ِهذا البلاء.
وبين روايات محمد الشحري وهدى حمد وعبدالعزيز الفارسي وأشعار خميس المقيمي وطارش قطن تمزج عالية الفارسي الفنانة التشكيلية فرشاتها بألوان تحمل الهوية الثقافية والحضارية لعُمان، تحكي عن يوم استوقفها فيه مشهد جذع شجرة ميت على الطريق فأخذته في محاولة لإعادته للحياة بوهي تطليه بالألوان والنقوش المزخرفة التي تتشابه مع الزي العماني التقليدي للنساء، وهو زي يضج بالألوان المتنوعة وتشبه الفنانة الجذع العائد من الموت بشموخ امرأة. سكنت لوحات عالية الفارسي العديد من الكتب العمانية والعربية واشتركت مع واسيني الأعرج وأحلام مستغانمي، وعبرت عن نصوصهم بلوحاتها في «عناق» بين الحرف واللون. عبر الأزمان والصعاب وجد المبدع العماني دائما طريقه نحو الضوء واخترق عوالم من الإبداع تاركا بصمة لا تمحيها الأيام، وعودة الأدب العماني اليوم إلى الصدارة مع فوز الروائية جوخة الحارثي ليس من باب المصادفة، رغم بروز تلك الوجوه التي اعتلتها الصدمة وهي تقرأ الخبر فاضحة تقصيرهم بحق الأرض التي عرفت الحرف العربي الجنوبي والآرامي والفينيقي، وكتب عنها السومريون في الألواح المسمارية. جاء على لسان إحدى شخصيات «قواعد العشق الأربعون» للروائية (ألف شفق) «أن المدن تشبه البشر، فهي تولد، وتمر بمرحلتي الطفولة والمراهقة، ثم تشيخ، وفي النهاية تموت؟».
ويتقاطع النص مع ما ورد في مقدمة ابن خلدون عن المدن، لكنني أعتقد أن المدن لا تموت هي فقط تنام وإن طال سباتها ويخيل لي أنها حين تستيقظ تكون قد تحولت من الشيخوخة للطفولة فدورة حياة المدن لا تعرف الموت. يا ابناء المدن الشقيقة يا أبناء المدن النائمة والمدن الناهضة بعد حرب ما أو إعصارا وزلزال لا توجد مدينة لم تعرف الكوابيس والخوف ولم ينم أطفالها على أصوات الرصاص والقنابل بدل الأغنيات، ولم تنتظر فيها الأمهات على الشواطئ أو الحدود عودة أبنائهن فلا تجنبوا أعينكم عن رؤية الازدهار في مدينتنا فحين تزهر بساتيننا تفوح بعطرها مدنكم كما كنتم لنا يوما.

٭ كاتب من سلطنة عمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية