وخز الأطفال بالإبر صمت رسمي وتفسير غير عقلي… حملة «البس واسع» و«البس جزائري» أزمة هوية تتفجر

كالملح في الماء ذابت قضية «وخز الأطفال بالإبر»، التي شكلت عناوين ونقاشات على مختلف وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، الأمر كان خطيرا وجللا، إذ يمس شريحة الأطفال بالطور الأول. ومع كل ما حدث لم يخرج وزير التربية عن صمته، ولا أي مسؤول للحديث عن القضية لطمأنة المواطنين وأولياء الأمور، لكن القلق كان شعبيا بين البسطاء ولم يتعداهم.
لماذا ترك الأمر للتفسيرات «غير العقلانية»، التي رافقت الظاهرة؟ وآخر هذه التفسيرات ما كتب على صفحة «ألفا رياض» على فيسبوك، منذ أيام «للتوعية: ظاهرة الوخز بالإبر للأطفال والسحر الأسود انتشرت في الآونة الأخيرة مع ظاهرة اختطاف الأطفال وتصدرت الأحاديث على مواقع التواصل الاجتماعي وزرع الرعب في قلوب الأولياء وأطفالهم، وطغى على كل الأزمات التي كانت تشغل المواطنين الجزائريين». ويضيف صاحب المنشور «وفجر شيخ جزائري معروف بـ»الشيخ ناصر» عبر حسابه على «تيك توك» مفاجأة من العيار الثقيل عن حقيقة هذه الإبر وأنها تستخدم للسحر الأسود. وبحسبه تقوم بعض النساء بالتنكر والذهاب إلى مدارس الأطفال لوخزهم بالإبر لاستغلال الأطفال في 3 أنواع من السحر على حد قوله، وهي «سحر الدمى، وسحر الكابالا والسحر الأسود». وادعى الشيخ ناصر – حسب صاحب الصفحة المسماة «ألفا رياض» – «أن هذه الظاهرة مؤامرة على أطفال الجزائر لاستغلالهم في سحر الدم»، واتهم جهات وجنسيات مثل السود الأفارقة واليهود بذلك. وعن تصريحات الشيخ يضيف صاحب الصفحة «انقسمت ردود أفعال الشارع الجزائري على مقطع الشيخ ناصر، الذي تم تداوله بكثرة على مختلف المنصات، وحصد الملايين من المشاهدات. فرأى البعض أن الشيخ محق، وقد كشف حقيقة ما يحدث بالفعل، بينما كان للبعض الآخر رأي ثان، وهو أن الشيخ ناصر يروج لنظرية المؤامرة، وأن واقع الحال هو أنه يحاول التغطية على فشل الحكومة في كشف ملابسات الظاهرة. بين مصدق ومكذب تختلف التفسيرات. لكن الظاهرة تبقى موجودة وخوف أولياء الأمور يتزايد بسبب حوادث التخدير والوخز بالإبر والاختطاف وغيرها»؟
بينما على صفحة «تازولت- باتنة» على فيسبوك نقرأ «مجرد رأي. ظاهرة الوخز بالإبر للأطفال يستحيل أن يكون سحرا. أكيد يريدون نشر أحد أنواع الفيروسات المعدية، والتي يصعب الكشف عنها بسرعة. رأينا كيف أن فيروس كورونا كان يقتل في ظرف 3 أيام. لا يمكن أن يتحول العالم إلى سحرة في وقت واحد والله أعلم. توخي الحيطة والحذر والإبلاغ إن كانت هناك شكوك». الظاهرة وإن ما زالت موجودة فالتجييش الإعلامي حولها تضاءل، بل اختفى. صمت مطبق وكأن شيئا لم يكن. هكذا في غياب إعلام مسؤول يتقصى الحقائق، يبقى أولياء الأمور يواجهون «الغيلان»، التي أصبحت تخرج لهم ولأطفالهم في وضح النهار. ولا أحد من المسؤولين يسأل!

«البسي واسع» والبسي «الكراكو»!

تعبر الجزائر ممرات اكتساب هوية ملبسية واضحة بالرجوع إلى تقاليد الأمهات أحيانا وبالعودة إلى «الحجاب» أو اللباس الشرعي أحيانا أخرى. وبعد ما ألصق بالجلباب، ومن التخفي به لارتكاب الجرائم. وآخرها الوخز. النتيجة كانت عكسية وتحجبت أكثر من مئة فتاة جامعية. ويعود ذلك إلى «حملة البسي واسع» أو «الحجاب الشرعي» بإقامة البنات في «باب الزوار»، التي شكلت مادة دسمة على مواقع التواصل الاجتماعي في الجزائر.
انتشرت صور الفتيات بخمورهن البيضاء وأثواب فضفاضة في انسجام كبير. والسبب «البسي واسع»، وهو عنوان كتاب للدكتورة ابتسام القاضي من إصدارات دار للنشر في القاهرة. ومما نقرأ على صفحة دار النشر فإن الكتاب «يعد من أفضل الكتب التربوية لمساعدة الفتيات في اختيار ملابسهن» وابتسام القاضي «هي طبيبة علاج طبيعي. وأصبحت مصممة لملابس المحجبات. بدأت رحلتها مع الموضة، حينما كانت تبحث عن ملابس محتشمة لنفسها فلم تجد ما يوافق ذوقها».
ويضيف المنشور على صفحة «بسطة كتب»: «مما دفعها لشراء الأقمشة وتصميمها على الشكل الذي تريده وأخذت دورات تدريبية في مجال تصميم وتفصيل الملابس. وبالفعل استطاعت تحقيق حلمها، واشتهرت في عالم ملابس المحجبات، لا سيما بعد إطلاقها حملة «البسوا واسع» (سعر اللباس الواسع 3500 دج). وتفاعلت الكثير من الصفحات على المبادرة، التي رأوها إيجابية، سواء في الجزائر أو خارجها مثل ليبيا ومصر. ووهناك حملة وراء الموضوع في فيديو بدقيقتين على تطبيق «تيك توك» من تنظيم الاتحاد الطلابي الحر، بعنوان «مقتطفات من حملتنا «البسي واسع»، التي كانت تحت شعار «دع من يراك يدعو لمن رباك». تظهر فتيات محجبات يقمن بـ»توعية» غير المحجبات في المرافق العامة ويلبسنهن اللباس الواسع». وفي المقابل هناك من أعاد للأذهان مرحلة العشرية الدموية. وكيف كانت بعض الشابات والنساء غير المحجبات يقتلن أو يذبحن. ونشر فيديو لسيدة «قتلت ابنتها» على قناة تسمى «إينوف دي زي»، والفيديو كتب على عنوانه «تبدأ بحاملات تاج الوقار والبسي واسع. وتعففي جميلتي وحرية شخصية. والمتبرجات ملعونات. حتى يولوا يطلعوا في الحافلات اللي يلقاوها ماشي لابسة حجاب يذبحوها كالكبش. في أي بلد تمت معاقبة النساء بالقتل لعدم لبس الحجاب؟! اعتبر حملات التشجيع على لبس الحجاب بهذه الطريقة المنظمة خيانة واستفزازا للتاريخ لكي يكرر نفسه. وسيكرر نفسه».
في انتشار الواخزات بالإبر من تحت الجلباب والبسي واسع وتكرار سيناريو العشرية السوداء وبحجة الهوية الملبسية، إسلامية أو تقليدية، تظهر نزعات أخرى وتطرف آخر باسم النساء وبالنساء وللنساء. والقول إن المرأة ما زالت رهان السلط المتعددة في البلاد، التي تحرك الأحداث من خلف ستار حاجب. وبالمقابل، ماذا سيكون أثر فكرة الترويج للباس التقليدي الجزائري أو البس جزائري. وصور الإعلامية خديجة بن قنة والأديبة أحلام مستغانمي، وهما تعرضان في ملابس تقليدية فخمة في أجواء «فانسي» أيضا. من «الحايك» إلى «الكراكو» إلى «الجبة القبائلية». والكل يشيد بالحشمة، التي ترافق اللباس التقليدي، بدليل أن «بن قنة» بكل سهولة خرجت من اللباس «شبه الواسع» إلى اللباس التقليدي بكل سهولة. المشكلة لماذا هذه الرقابة باسم تشجيع اللباس الإسلامي أو اللباس التقليدي الخاص بالنساء؟ لماذا لا يخرج الكتاب والإعلاميون للترويج للباس التقليدي الرجالي؟ سؤال بريء! لكن ليس جدا. وشتان بين لباس أبو «3500» دينار ولباس بدنانبر للمساكين، مثل «الكراكو» و»القفطان».

يوم الزي التقليدي الليبي

ليس ليبيا وحدها المعنية بتخصيص يوم للزي التقليدي، فسبقتها الى ذلك تونس، لكن الملاحظ للمشهد التراثي الليبي، ورغم الحصار والحرب والتعتيم الإعلامي، يلاحظ أن تراث ليبيا المتعلق بالأزياء والحلي مزدهر في سياقاته المختلفة، من حيث الارتداء والخامات ومن الشمال إلى الجنوب وكل 13 مارس/آذار تقام احتفاليات في كل المناطق والمؤسسات لعرض اللباس التقليدي الجهوي. الألوان مبهرة، تلك التي نقلتها مواقع التواصل الاجتماعي عن هذا اليوم المميز. رصدت لنا هذا الحدث «أصوات مغاربية»: «بصرف النظر عن أصوله، فالثابت أن اللباس التقليدي الليبي حافظ على شكله ورمزيته ومكانته الثقافية، في مواجهة التطور والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي طرأت على المجتمع الليبي». وبين الموقع مختلف قطع الأزياء النسائية والرجالية، والتنوع الذي تعرفه الأزياء النسائية مقارنة بملابس الرجال، وفي مقابل الزي التقليدي للرجال، يتميز لباس المرأة الليبية بدرجة أكبر من التنوع في أشكاله وألوانه ومسمياته وأجزائه المختلفة من «الفراشية» إلى «الرداء» إلى «السورية» أو «القمجة»، ويكون عادة مصحوباً بحلي مختلفة من الذهب والفضة والعقيق، بحسب المناسبة»، بينما أزياء الرجال تتمثل على سبيل المثال في»الجرد» و»البدلة العربية» والفرملة و»الكاط». وحسب «أصوات مغاربية» يؤكد الباحث الليبي في جامعة مصراتة، يوسف الغزال، أن اللباس التقليدي مثل رداء المرأة و»الجرد» و»الزبون» بالنسبة للرجل، هي أزياء عرفتها ليبيا قبل الفتح الإسلامي، وهي صناعة محلية». كما أن الزي الليبي، حسب المدون الليبي أحمد منير القويري «جمع الأبعاد الثلاثة التي جعلت منه مميزا كزي إسلامي، وهي البعد المغاربي والبعد المشارقي، وأخيرا الكثير من الخصوصية المحلية». كما يضيف القويري على صفحته على فيسبوك أن «ما يميز ليبيا جغرافيا أنه لا ينحصر زي رجالها في لباس أو أثنين أو عشرة، فللصحراء «لثامها»، وللجبل «عباءته»، ولشرقها البعيد «قميصه الفضفاض» ولغربها «الجيلية». ويتابع «لكن ما يجمع كل هذا هو نغمة التفرد. وأن كل زي يحمل حكاية معه تبدأ منه وتنتهي عميقا هناك في دروب التاريخ الموغلة في الأزل».
وشارك عدد من السفراء الأجانب في احتفالات الليبيين بيوم الزي الوطني هذا العام، ونشر السفير الألماني في ليبيا مايكل أونماخت صورة له باللباس الليبي على حسابه في تويتر قال فيها «يتجسد التنوع الحضاري في ليبيا والاعتزاز بالهوية في الزي الليبي، الذي يتميز بأشكاله وألوانه الفريدة». كما «نشر ممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في ليبيا هو الآخر صورة له بالـ»كبوس» الليبي مهنئا الليبيين بيوم الزي الوطني». متى نهنئ أنفسنا بقيم تراثنا المتنوع المتداخل، عوض التربص بعضنا ببعض. الأجانب أحسن منا في ماذا؟ كل عام وليبيا موشاة بالفرح.

 كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية