تستدعي فكرة الرواية في الذهن قلق الروائي وهو يبحث عن شخوص روايته وزمن سردها ومكان أحداثها، ثم يتصور الذهن وضعيات الكتابة ذاتها وتوزع الروائي بين جلوس واستلقاء وحركة، ولا يقف الذهن عن مثل هذه التصورات حتى يتساءل عن كيفية ورود الرواية إلى عقل الكاتب؟ وهل يدخن أثناء الكتابة أم يشرب القهوة فقط؟ أيعتزل ويندمج في خلوة يكون فيها وفيا فقط للخيال؟ وتستمر الأسئلة إلى أن يظهر الروائي غير منزعج من كل هذه الأسئلة غير المجاب عنها، لأنه لو توفر الجواب لغابت عملية توليد الخيال لمحفزات الحدث غير المنتظر.
متخيل الكاتب وورشة التشكيل
الغرض من هذه المقدمة ليس فقط استعراض متخيل لحالةٍ تصاحب الرواية، لكن وضع مخطط تخييلي لكيفية استفادة الروائي من الأسئلة التي تضع بالضرورة كتابة رواية في إطار ورشة، فالرواية لا تقع اعتباطا، لكنها أيضا لا تقع معزولة عن عالم الروائي المنشغل أبدا بقضايا المتخيل، فجملة تطير من فمه اعتباطا قد تكون مفتتحا لرواية من أربعمئة صفحة، ولهذا قد نفاجأ حينما تُطرح أسئلة على الروائي ويطلب منه أن تكون الإجابة محددة، أصلا، الإبداع طبيعة تخترق الحدود، وحرية الروائي تأتي نتيجة هذا الهروب في الخيال واستنبات بذور التخييل، في وعي يعيش لحظتين فارقتين، الواقع والخيال، متجاذَبا من كليهما، لأن للواقع ضغوطه ومتطلباته وللخيال لذته واتساع أفقه، قد يستسلم لأحدهما تارة وللآخر تارة أخرى، لكن الرجوع أبدا يكون إلى دائرة الخيال، ليس بمعنى الانقطاع عن الواقع، لكن محاولة إدارة الواقع بمنطق الخيال، أو الرواية، ولهذا حياة الروائي هي فصل مستمر ودائم من رواياته.
يأوي الروائي إلى عالمه الحميم، عالم كتابته الذي تشغل فيه الكلمة حيزا كبيرا، لأنها تتشظى إلى أن تصبح عالما، ولا يملك إلا أن يستسلم لهذه العملية المغرية التي تبدأ كالأحجية إلى أن يتم بناء شكلها في صورة حكاية توازي الواقع وتأخذ منه وتعطيه أيضا من خيالها، في إطار ما يمكن تسميته بــ»التشكيل» أي تلك المحاولة الدؤوبة من الروائي لترويض الكلمات حتى تشبه الواقع، فهو لا يستطيع الانفصال عنه، فتشكل الكلمة وحدها ورشة داخل الورشة الكبرى، التي يتم فيها رسم الأحداث ونسج الشخصيات وبناء الأماكن وتحديد مسار السرد وفق كل هذا، يمكن أن يتصور القارئ هيئة الورشة، طاولة عريضة ومصباحا معلقا متدليا من السقف، أوراقا وأقلاما، أو حاسوبا. كل شيء مبعثر لأن استدعاء الخيال بقوته المركبة يجلب الوهم بحشده للصور، والروائي يحك فروة رأسه تارة ويضع رأسي السبابة والوسطى مضمومتين على صدغه دلالة على التفكير في شيء، أو النباهة الإبداعية.
انفصال النص والهويات الجديدة
يدخل القارئ ضمن لعبة الكتابة ليس كشريك مباشر ابتداء، لأن الكاتب لا يريد أن يكون العمل مقاسمة مع أي أحد، ولو كان القارئ، فالعلاقة السُرية بين النص وكاتبه لا يمكن أن تنفصل عراها إلا إذا تمكن أحدهم وخفية من «تلاصها» عكس التناص، أي الاستيلاء عليها، أما الروائي فهو يعترف فقط لكي يغري القارئ بالاقبال على النص كنوع من البهرجة الإعلامية show، لكن الأشياء لا تسير وفق هوى الروائي، لأن مساره كــ «أنا» كاتبة إلى الهامش لحظة يستقبل القارئ النص، إذ تبدأ المغامرة الثانية في إنتاجية النص عبر منصة التأويل التي يتصدرها القارئ، باعتباره الكاتب غير المباشر للنص، وهنا يكتسب كل من الكاتب والنص والقارئ هويات جديدة، فالأول بعد الإنتاجية تحضنه «هوية الرقابة» على العمل، باعتباره الحارس الأمين على القصدية الأولى البريئة من كل قصديات التلقي، والثاني، أي النص تحيطه بعد تلقيه في العالم مدمغا بالعنوان واسم الكاتب «هوية التعدد» بعدما كان بين يدي كاتبه متقوقعا في بنية مغلقة، يستحوذ عليها الفهم الواحد للكاتب، أما الثالث، أي القارئ فيغدو في فضاء النص متقمصا «هوية التأويل» أو الهوية الورقية، على أساس رغبته في اختراق الغموض المضمر في طبقات النص، فيضطر إلى التشكل وفق متطلبات شخوص الرواية، ولهذا ربما يعتبر القارئ راويا للنص أفضل ممن كتبه، لأنه يتسلل داخل أنسجته محاولا تفكيك مضمراته، أما المؤلف فيكتفي بما حققه كتابةً ظاهرة.
يدخل القارئ ضمن لعبة الكتابة ليس كشريك مباشر ابتداء، لأن الكاتب لا يريد أن يكون العمل مقاسمة مع أي أحد، ولو كان القارئ، فالعلاقة السُرية بين النص وكاتبه لا يمكن أن تنفصل عراها إلا إذا تمكن أحدهم وخفية من «تلاصها» عكس التناص.
الحكاية سند للرواية
تَعْتبِرُ الروايةُ الحكايةَ سندا لها، ليس لاعتبارات الحدث، فتلك عملية بعدية، لكن لأن مخاض الرواية يعتبر حدثا في حد ذاته، فهو يشمل مرحلة الكاتب باعتباره ممتلكا للنص كخيال، ومرحلة النص باعتباره تخييل المؤلف مثبتا بالكتابة ومرحلة القارئ المفعل الأساس لخيال النص، هذه العلاقة المتداخلة لعناصر إنتاجية النص تجعل من الرواية مستويين للحدث، مستوى واقعي يجمع عناصر محسوسة، كاتبا، نصا (كتابا) وقارئا، ومرحلة متخيلة هي مرحلة الحكاية المتخيلة، وتطورات المرحلة الأولى للحدث شبيهة في وضعها بوضعية روائي يقتعد كرسيا على شرفة مطلة على ركح مؤثث بعناصر ثلاثة: الكاتب باعتباره راويا، والنص باعتباره مرويا، والقارئ باعتباره مثاليا، يعرف قصديات الكاتب تماما مثله، فعين الكاتب دوما على قارئ مستقبلي يقع تحت سلطته وليس ضمنيا ولا نموذجيا، تفعيل مخيال الكاتب متضمنا صورة القارئ يعني بالضرورة حوارية مزعجة للكاتب، لأن هذا القارئ المفترض (المثالي) رغم طاعته المفترضة، إلا أنه يمثل إزعاجا تخييليا للكاتب، باعتباره صاحب رؤية وطرح يتناقض مع الرؤية والطرح المتطورين في خيال الكاتب، وهذه العلاقة هي التي تجعل الروائي يخرج في حالات عدة لكي يستقي مادته من حركة الناس في الواقع، أي الواقع كحكاية، تجنبا لأي صراع تخييلي مع قارئ يتحول شيئا فشيئا إلى عنصر يفرض إملاءاته على المؤلف لإنجاز نص الشراكة الذي يرفضه الكاتب في منفاه التخييلي الإرادي، ويبرره في العلن لدواعي البهرجة الإعلامية كما سبقت الإشارة إليه.
في غابة النقد/الرواية باعتبارها اشتهاء
الروائي ليس بريئا، حينما يطالب القارئ/الناقد بمتابعة عمله الروائي، لأنه لا يريد في الحقيقة سوى صدى لما نفخه في النص من معنى يردده القارئ/التابع، فشخصية النص، إذا جاز التعبير هي ذاتها شخصية الكاتب، وهذا ما يقوم في وعيه أو لاوعيه، ومن هنا قد تبرر نسبيا دعوة رولان بارت إلى موت المؤلف وبعث القارئ، لتكريس الفصل الأدبي بين سلطة المؤلف وسلطة القارئ/الناقد، فمساحة الحرية التي يشعرها القارئ، وهو يفكك بنيات النص في غياب المؤلف، تمكنه من وضع النص في نموذج لا يستجيب سوى لصدى النص ذاته، لا صدى المنهج نقديا أو صدى الكاتب إبداعيا أو صدى القارئ حينما لا يرى في النص سوى صورته فيردد تفاصيلها ضمن بانوراما سردية تستجيب لما استطاعه من القول إيحاء، بما تجود به اللغة منفصلة عن وعي النص. حرية القارئ وانفصاله عن ضغط المؤلف يولد المواجهة التفكيكية بين فهم القارئ للنص وتلاشيات هذا الأخير، أمام معول التأويل الذي يوسع من أفق النص ويعدد مستويات تلقيه.
يخطئ الروائي حين يتصور القارئ/الناقد كيانا ينتظر فقط النص، الناقد ليس في النهاية سوى ذات تعيش اليومي بكل تطلعات الإنسان التواق إلى أن يكون غذه أفضل من راهنه، لكنه يختلف عن الذوات العادية بامتلاكه جمالية العيش على حافة النص، أو ذوق القراءة بالمعنى الواسع، لكن النص غير متوفر على الدوام إما بفقدانه في المكتبة، أو عدم قدرة القارئ/الناقد على شرائه أو النفور أصلا من النص، وعلينا كمهتمين بعالم النص والقراءة الناقدة وكروائيين أن لا نسقط من حساباتنا الواقع المزري لصناعة تقديم الكتاب بعد خروجه إلى العالم، فليس هناك إعلام ثقافي يروج للاسم والمنتوج الإبداعيين، ليس هناك جهة معينة تقدم منشورات للإعلان عن النصوص الروائية الجديدة التي وصلتها، ليس هناك دعوات من هذه الجهات لتكريس فعل القراءة الجماعية للمنتج الثقافي بحضور الروائي كمدخل إلى تقريب المسافة بين الجهتين المنتجة والمتلقية، وقبل كل هذا وبعده نفتقد إلى ذلك الإحساس المؤسساتي بالمبدع على الدوام، سواء كان روائيا أو ناقدا أو شاعرا أو رساما، والإحساس بقيمة الإبداع يفرض قيمة التحفيز، تحفيز المبدع وإشعاره بقيمته وقيمة ما يقدمه، لا بد من أن يشعر المبدع أن اشتغاله ليس مجرد نفخ في الهواء، ويجب أن لا نفهم أن هناك تناقضا بين الإبداع والمردودية المادية، وهو ما قد تلبسه لبوسا فنيا المنابر الإعلامية الثقافية، مثلا المجلات المتخصصة في النقد، التي تقدم للناقد النص الروائي لاكتشافه وقراءته وتقييمه ثم تقديمه باعتباره جمالية قرائية تهم الباحثين والمتخصصين والطلبة المحتاجين للمادة، التي تفتح لهم أفق البحث في مذكراتهم، طريقة وفهما واستلهاما، ثم انطلاقا، فكثير منهم بحكم انعدام التجربة والخبرة بالنص يجدون أنفسهم معوقين عن اختراق حجب النص، وبعد كل هذا يكافأ القارئ/الناقد على جهده، وهذا ما يشعره بأهمية ما يقدم، لكن يبدو أن صنعة الأدب قد أدركتنا!
كاتب من الجزائر