ورشة الزيتون تحتفي بتجربة الكاتبة سلوى بكر… مشروع ثقافي ضد ثقافة التبعية

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي»: تمتد التجربة الإبداعية للكاتبة المصرية سلوى بكر ــ مواليد القاهرة 1949 ــ منذ نهاية سبعينيات القرن الفائت، مع إصدار مجموعتها القصصية الأولى «حكايات بسيطة» 1979، وحتى مجموعتها الصادرة مؤخراً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، بعنوان «مسرح زوبة».

وخلال هذه السنوات، شكلت تجربة بكر رافداً جديداً في الرواية المصرية والعربية، خاصة أنها استندت إلى التاريخ، محاولة إعادة تشكيل الحدث التاريخي، وفق رؤية اجتماعية وجمالية، تخضع لآليات الكتابة الروائية، والأهم أنها دوماً حاولت أن تجعل من الهامش التاريخي متناً أصيلاً للحكاية، وهو الأقرب إلى ما نعيشه ونحياه، فالتاريخ المدوّن أو الرسمي لطالما محا حيوات جديرة بأن يرتفع صوت أصحابها، ليروّا ما حدث، وهذا ما تعانيه أغلبية ابناء الشعب المغلوب على أمره طوال تاريخه. وربما كان صوت الهامش هو الذي وجد ضالته في كتابات سلوى بكر، سواء من خلال عمل يستند إلى التاريخ، أو عمل يستند إلى الفئات المنسية في المجتمع، نذكر من هذه الأعمال.. «مقام عطية» 1984، «زينات في جنازة الرئيس» 1986، «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» 1991، «البشموري» 1998، «كوكو سودان كباشي» 2004، «أدماتيوس الألماسي» 2006، «الصفصاف والآس» 2011. ونظراً لهذه المسيرة المتميزة، قامت ورشة الزيتون مؤخراً بالاحتفاء بإبداعات سلوى بكر، ومناقشة بعض أعمالها من خلال العديد من النقاد والكُتاب المصريين، نذكر منهم.. شعبان يوسف، اعتدال عثمان، شريف الجيار، أماني فؤاد، محمد إبراهيم طه، وفاطمة الصعيدي.

رواية عن التاريخ

بداية نوضح رؤية سلوى بكر نفسها حول كتاباتها عن الحدث التاريخي، وقد ذكرتها في أحد حواراتها الصحافية، وهي وجهة نظر خاصة بأعمالها الإبداعية، وأفضل من تأويلات النقاد، فتقول «أنا لا أستلهم التاريخ، لكنني أكتب رواية عن التاريخ، رواية تتعلق بقراءتي له في سياق رصد العلاقة بين المتون والهوامش عبر الماضي… مشروعي في الكتابة التاريخية يبدأ بإعادة النظر في العلاقة بين الهوامش والمتون التاريخية، فما كان متناً ربما هو هامش، والعكس بالعكس. فالرواية بإمكانياتها التخيلية الهائلة تستطيع أن تعُيد بناء الرواية التاريخية، التي تم استبعادها بشكل كامل».

اللغة والروح الساخرة

بداية أشارت الناقدة اعتدال عثمان إلى التجربة اللغوية في أعمال سلوى بكر قائلة، إن هناك تنوعاً في المصادر اللغوية في كتابات سلوى بكر، فهي تجمع بين التراثي والشعبي والعامي الفصيح والعامي الخالص، إضافة إلى لهجات اجتماعية متعددة. كما أن التاريخ القديم الذي يمتد في ذاكرة الناس ويصنع وجدانهم الحضاري، تلتقط بكر جوانب مجهولة منه في أعمالها، كمحاولة لإعادة اكتشاف الهوية المصرية، وعلاقتها بالماضي والحاضر. من ناحية أخرى تنجح بكر في نسج أساطير واقعية لنساء عاديات من قاع المجتمع، كما في أعمال مثل.. «زينات في موكب الرئيس»، «مقام عطية» و«نونة الشعنونة»، كذلك كشفها الساخر للجانب المهمش من الواقع الاجتماعي للمصريين.

من الستينيات إلى ثورة يناير

أما الأكاديمي شريف الجيار، فاقتصرت مداخلته على مجموعة سلوى بكر الصادرة مؤخراً بعنوان «مسرح زوبة»، التي يرى أنها رغم الواقع الاجتماعي الذي تعالجه قصص المجموعة، إلا أنها لم تبتعد عن تأثير المناخ السياسي في الواقع المصري بشكل عام. تبدأ المجموعة من الستينيات، خاصة من واقعة الانفصال السوري عن مصر، وصولاً إلى ما مرّ به المجتمع المصري من تقلبات حتى قيام ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، إضافة إلى أن نصوص المجموعة تتعدى إلى تشريح المجتمع العربي ككل، حتى الصراع العربي الإسرائيلي. كما تطرق الجيار إلى الأسلوب البنائي لقصص المجموعة، باعتماد الكاتبة على المشهد البصري، ولغة السرد السينمائي، كاستخدام الفعل المضارع عند رواية الحدث، كذلك الاستناد إلى الراوي العليم كتقنية سردية، إضافة إلى ذلك ألمّت بكر بالهزات العنيفة التي حدثت في المجتمع المصري والعربي، وأهمها ظهور النفط، ودوره في التغيّر الحاد للهوية المصرية وسلوك المصريين، وهو ما رصدته في قصة بعنوان «النفطي». ويُشير الجيار في الأخير إلى أن المجموعة تطرح سؤالاً عن كيفية تطور مصر من الستينيات حتى الآن؟ وكيف أثرت ثورة 2011 في بناء المجتمع المصري، وكيف يفكر الإنسان المصري بعد الثورة، وهل استطاعت هذه الثورة بالفعل أن تغيّر من أفكارنا؟

ضد ثقافة التبعية

من جانبها ترى الناقدة فاطمة الصعيدي، أن سلوى بكر من خلال أعمالها جسدت رؤية واعية لكل من التاريخي والاجتماعي والسياسي، بداية من روايتها الأشهر «البشموري»، التي ترى الصعيدي أن أسلوبها المختلف أشعرها بأن مؤلف الرواية هو (الشماس الكَنَسي) وليس الكاتبة. كذلك فإن رواية «كوكو سودان كباشي» تكشف الكثير من المسكوت عنه والتاريخ المعتم، الذي يتناساه الكثيرون عمداً. وفي الأخير يعد مشروع سلوى بكر الإبداعي مشروعاً ثقافياً ضد ثقافة التبعية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية