ورشة الزيتون في القاهرة تحتفي بتجربة يحيى الطاهر عبدالله

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: كانت تجربة يحيى الطاهر عبدالله (30 إبريل/نيسان 1938 ــ 9 إبريل 1981) ولم تزل، تخالف تجارب كل كُتّاب القصة القصيرة في مصر، فالرجل لا يختلف سلوكاً وفكراً عما كان يكتبه، هذا القلق الدائم والتوتر المزمن الذي عاشه وكتبه، إضافة إلى طريقته في إلقاء نصوصه من الذاكرة وكأنها وحي، ناهيك من مضامينها وخروجها عن السائد والمستقر وقتها من موضوعات وأشكال الكتابة، ما جعلها ذات أثر كبير في عدة أجيال لاحقة.
وبمناسبة الذكرى الأربعين لرحيله أقامت ورشة الزيتون في القاهرة ندوة احتفائية بتجربة هذا الصوت المغاير في تاريخ القصة المصرية والعربية، أدارها الروائي محمد إبراهيم طه، بمشاركة الشاعر والناقد شعبان يوسف، والناقد يسري عبدالله.

التجريب الدائم

بداية أشار محمد إبراهيم طه إلى أن يحيى الطاهر عبدالله رحل عن عمر قصير مقارنة بإنجازه الأدبي وتأثيره، فقد بدأ نشر القصص القصيرة في الدوريات، بداية من عام 1961، إلا أنه لم يصدر مجموعات قصصية إلا مع بداية السبعينيات، كـ»ثلاث شجرات كبيرة تثمر برتقالاً» «الدف والصندوق» «أنا وهي وزهور العالم» «الطوق والأسورة» «تصاوير من التراب والماء والشمس» أما «حكايات للأمير حتى ينام» و»الرقصة المباحة» فقد صدرتا بعد رحيله. كذلك تميز الطاهر عبدالله بهوس التجريب، وإن كان تجريباً على مستوى الشكل كالترقيم داخل النصوص، إلا أنه لا ينفصل عن الموضوع، كاللغة الشاعرية التي تطغى على الحدث، وتكرار عبارات بعينها، والاستدراكات والجُمل الاعتراضية المتتالية في القصص، إضافة إلى استلهام الموروث الشعبي والخرافي، فهو ابن الحكاية الشعبية والملاحم والخرافة، وصولاً لاختراع أشكال سردية جديدة.

من الندوة

صراع الواقعي والتعبيري

ومن جانبه أوضح الناقد شعبان يوسف طبيعة المناخ الثقافي الذي مهد لظهور يحيى الطاهر عبدالله، الذي ينتمي إلى الجيل الرابع للقصة القصيرة المصرية، بداية من جيل محمد تيمور، ومحاولة تمصير القصة وتخليصها من الشكل الغربي، ثم جيل ما قبل الحرب العالمية الثانية، كيحيى حقي وسعد مكاوي، لتصبح القصة ذات مضامين إنسانية واجتماعية، ثم جيل ما بعد الحرب وما بعد يوليو/تموز 1952، متمثلاً في يوسف إدريس وعبد الرحمن الشرقاوي، جيل الحِس السياسي. ليدور صراعاً بين التيار الواقعي الذي يمثله يوسف إدريس ـ الذي ساعده الظرف السياسي ـ والتيار التعبيري الذي يمثله يوسف الشاروني، وهي معركة لا تزال مُستمرة حتى الآن. وكان وقتها أي صوت مختلف ولا ينتمي إلى واقعية يوسف إدريس لا يؤبه له، حتى أن «حيطان عالية» لإدوار الخراط لم يلتفت إليها أحد. لكن عندما غاب قادة الواقعية الاشتراكية في المعتقلات عام 1959، خاصة محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس، دون أن ننسى كتابهما المشترك «فى الثقافة المصرية» عام 1955، كانت الفرصة مواتية للتعبيريين، وعلى رأسهم بالطبع يوسف الشاروني. وجاءت مجموعة «عيش وملح» عام 1960، التب شارك فيها ستة من شباب الأدباء، الذين يكتبون القصة القصيرة، وهم محمد جاد ــ صاحب مقولة «نحن جيل بلا أساتذة» ـ محمد حافظ رجب، السيد خميس شاهين، الدسوقي فهمي، عز الدين نجيب، وعباس محمد عباس، لتكون الضربة الأولى لجيل أدبى جديد تم حرمانه من فرص النشر والتعبير، وليكتب مقدمتها يحيى حقي، منتقماً من الواقعيين.

المهنة كاتب قصة

ويضيف يوسف بأن الطاهر عبدالله استقر في القاهرة عام 1962، وقد سبقه الأبنودي وأمل دنقل، وكانت هناك شعبية للأبنودي وصحبة من المثقفين اليساريين، تعرّف من خلاله يحيى عليهم، لينشر قصته الأولى «طاحونة الشيخ موسى» ـ تمت الاستعانة بها في أحداث فيلم «الطوق والأسورة: 1986 ــ في روزاليوسف من العام نفسه، وإن كانت تحمل بعضاً من سمات يوسف إدريس، إلا أنها كانت مُحمّلة بالأسطورة والخرافة، وأجواء قريته (الكرنك) في جنوب مصر، فهو ابن الملاحم والحواديت والحكايات الشعبية والأهازيج، فتسللت إليه كل تلك الطرائق من الشفاهي إلى الكتابي، وبالطبع كانت القصة تحمل حكايات أهله الفقراء، فكانت ضربة أخرى لأصوات الواقعيين، إلا أن المفارقة تكمن في اجتماع الشاروني وإدريس في تقديم نصوص ليحيى الطاهر عبدالله، كما قدّم له إدوار الخراط مجموعته الثانية «الدف والصندوق» 1974. واصفاً نصوصها بـ(ما وراء الواقعية). ويلفت شعبان يوسف النظر إلى سلوك يحيى الطاهر عبدالله، الذي لا يختلف عن رؤيته لشخوصه القصصية، فالرجل كان لا يحمل بطاقة شخصية، بل ورقة مكتوب عليها .. يحيى الطاهر عبد الله/كاتب قصة!

الملامح السردية

وفي الأخير أشار الناقد يسري عبدالله إلى الملامح السردية في تجربة يحيى الطاهر عبدالله، وفق سياق سياسي وثقافي صاحب نشأة جيل الستينيات، وفق ما سماه.. سؤال البيئة المحلية. وأوجز هذه الملامح في جماليات اللغة العربية القديمة، كأسلوب التقديم والتأخير، وهو ما لا ينفصل عن الحوار السردي للنصوص، فنجد أن كل التراكيب اللغوية تراكيب إيقاعية، كحالة من النزوع الشعري، أشبه بالراوي الشعبي ورواة الملاحم. أما العنصر الآخر فهو خاص بالصورة السردية، وذلك بإقامة صورة بصرية يمكن للمُتلقي استحضارها باستمرار، كما في قصة «جبل الشاي الأخضر». فما بين البلاغة القديمة والصورة المشهدية داخل النصوص تصبح هذه الأعمال بمثابة النص المفتوح متعدد الدلالات، رغم إغراقه في طرح أسئلة البيئات المحلية وعلاقات شخوص المكان الواحد. ويضيف الناقد ولع الطاهر عبد الله بالتجريب، خاصة في الرواية القصيرة (النوفيلا).

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية