وزارة الثقافة الفلسطينية: «العرس» في فلسطين والغناء في صيدنايا… إيران تغني للقائد … والمأساة المثلثة لغسان مسعود

حجم الخط
1

تتقدّم «الميادين» مختلف القنوات الناطقة باسم الاحتلال الإيراني في تطبيلها الاستثنائي لنشيد سلام فرمانده (سلام أيها القائد). منها اقتفينا أثر النشيد، لنراه مبثوثاً هنا وهنا وهناك، بين خبر وآخر، بين برنامج ومسلسل وآخر. هناك جهد محموم لترويجه، كما لو أنه محاولة أخيرة لإنقاذ عرش الملالي. يعتمد إعلام «حائكي السجّاد» على قوة التكرار، فتلك إستراتيجية مجرّبة في ألمانيا النازية، وفي روسيا، وكوبا، وكوريا الشمالية، وسوريا الأسد، لا يكتفي إعلامهم ببث فيديو واحد على قناة يوتويوب، أو النشيد نفسه يوزع على مختلف القنوات، هناك محاولة لاجتراح نسخ عديدة، على غرار الأغاني والرقصات التي انتشرت من تلقاء نفسها حول العالم (الأغنية والرقصة الأفريقية جيروساليما مثلاً).
القيادة الإيرانية وضعت الأطفال في الواجهة هذه المرة، فالنشيد مكتوب بلسانهم، ثم جلبوا لغنائه عشرات وربما مئات الأطفال، بل زعموا أن مئة ألف قاموا بغنائه، خصيصاً، في ملعب لكرة القدم. الحشود هنا ضرورية أيضاً، فالكثرة تعني، بالنسبة للقطيع، الحق. والأطفال لعبة ذكية بالطبع، فلا يمكنك أن تكره وجوههم وأصواتهم، حتى لو كانت تمجّد الديكتاتور، إنهم إذن نوع من دروع بشرية، ملفّعين باللباس الشرعي الكامل. إنها لعبة ذكية حقاً، لكن خسيسة. والطفولة درع ذكي أيضاً كي لا يكرهها اليسار، الكاره لأي ملمح إسلامي عادة، كي يتقبّل الأغنية، إن لم يروّج لها، لنورانيّتها.

مع «سلام فرمانده» يشعر المرء بأن شيئاً غير عادي يحدث، هناك ما يستلزم هذا الجهد الإعلامي الهائل والطارئ، ليس عادياً أن تبادر الأجيال الجديدة إلى كل هذا الولاء العاشق، أن يستنهض الجيل الذي يسمونه بـ «الجيل المهدوي» ليتحدث عن الربيع في ظل تظاهرات تخترق المدن الإيرانية

يقول النشيد: «يا عشق روحي، يا إمام زماني/ لا معنى للحياة بدونك/ يا عشق أيامي، عندما تكون معي، عالمي يكون ربيعاً/ تحية لك أيها القائد، قد لبّى الأشبال، نداء سيد علي القائد/ أعاهدك، سأكون قاسم سليمانك/ أعاهدك أن أبقى وفياً للنظام».. إلى آخر الكلمات التي تصفها مراسلة «الميادين» بالنورانية.
مع نشيد «سلام فرمانده» يشعر المرء بأن شيئاً غير عادي يحدث في إيران، هناك ما يستلزم هذا الجهد الإعلامي الهائل والطارئ، ليس عادياً أن تبادر الأجيال الجديدة إلى كل هذا الولاء العاشق، أن يستنهض الجيل الذي يسمونه بـ «الجيل المهدوي» (نسبة للمهدي المنتظر) ليتحدث عن الربيع والعهد والوفاء في ظل تظاهرات تخترق المدن الإيرانية، بدأت احتجاجاً على رفع أسعار العديد من السلع المدعومة عادة، ثم تفاقمت لأسباب إضافية خصوصاً في مدينة عبادان حيث انهار مبنى من عشرة طوابق راح ضحيته العشرات، ليكون واحداً من سلسلة انهيارات إيرانية، يفسّرها الفساد الهائل في البلاد.
هذا الهجوم الإعلامي الاستثنائي «الغنائى» لا تفسير له سوى أن هناك ما يحدث في طهران، أكبر بكثير من مجرد العفن.

وفي الوزارة عفن

كيف يكتب المرء عن عمل فني مكرر جملة وتفصيلاً مئات المرات على مدى عشرات السنين؟ حتى السؤال (سؤالي) نفسه وجدتُه مضجراً فيما أشاهد وأستمع إلى أغنية الممثلة (والمغنية!) السورية صفاء سلطان «فلسطين بلادي»، المنتجة حديثاً، وعلى ما يبدو كردّ فعل حار ومباشر على الأحداث الأخيرة في فلسطين، خصوصاً اغتيال المراسلة الصحافية شيرين أبو عاقلة. يقول المرء لنفسه، إن الحماس وصدق المشاعر الوطنية والتهابها لا يبرّر أن يُغَنّى أي كلام، وبالعكس، باتت القضية تتطلب أدوات وردود فعل ووسائل أكثر عمقاً وابتكاراً.
قلت لربما أن مشتغلي الفيديو متحمّسون، وأرادوا اشتغال شيء على عجل، يواكب الحدث الفلسطيني، يصعب أن تلوم أحداً على حرارة دمه، وعلى عمل قد يكون تطوّعياً في الأساس.
مع ذلك، وبرغم العجالة، بإمكان شاعر أن يتأمل ويؤلّف أبعد قليلاً من الكلام المعلوك والمكرر. إن أراد حقاً عملاً يرقى إلى مستوى الحدث. والأمر نفسه ينطبق على الفنانين الآخرين.
إن واحدة من مصائب القضية هي القافية السهلة: كم من شاعر نجا من هذه المصفوفات: فلسطين- راجعين- لاجئين- حنين- زيتون- طابون- غليون- بلادي- أمجادي؟
حتى على المستوى البصري سنجد الأشياء المكررة نفسها: المطرّزات الفلسطينية- الكوفية- اليرغول الفلسطيني- الدبكة- أزقة المخيم-.. أشياء جاهزة ومعلبة وموضوعة في المتناول، على أقرب رفّ.

ما الذي يمنع مؤسسة كبيرة مثل وزارة الثقافة الفلسطينية أن تصوّر في أرض المعركة الشاسعة، في رام الله وجنين وبيت لحم، قريباً من الجدار، الذي بات وحده تحفة بصرية تغني أي فيديو!

أغنية صفاء سلطان كانت كل ذلك، كلاماً، صوراً، موسيقا، ودبكة. بل يضاف إلى الفيديو عنصر بغيض للغاية، وهو ظهور الممثل السوري زهير عبدالكريم، أحد أبرز عشاق النظام السوري، أحد الفاجرين بتأييده، ممثلاً بطلاً في الفيديو كليب.
كل الكلام، والأسئلة أعلاه، جاءت على افتراض أن العمل تطوعي، ومن باب الحماس الوطني، اعتبرنا، مع ذلك، أن من الواجب قول هاتين الكلمتين، رغم الحماسة. لكن نهاية الكليب جاءت مفاجئة تماماً، فالعمل من إنتاج وزارة الثقافة الفلسطينية، أي أن له ميزانية، وهو جزء من خطة عمل. كمية التشكّرات في شارة النهاية تشي بأن العمل مدروس ومحسوب كل شيء فيه، من توجيه الشكر إلى السفير الفلسطيني أنور عبدالهادي، والسفارة الفلسطينية بدمشق، وكذلك إلى وزارة الداخلية السورية، التلفزيون الفلسطيني، نادي الباسل للفروسية، أهالي بلدة صيدنايا (من يعرف الوضع في سوريا لن يستسيغ ورود الاسم الأخير، ففي صيدنايا سجن رهيب له أسوأ سمعة)..
إذن فللأغنية شاعر هو رامي اليوسف، وملحّن وموزّع هو طوني سابا، ومدير التصوير ومخرج هو وائل عزالدين.
يفترض بوزارة الثقافة أن تقدّم عملاً أكثر احترافية، ثم ما الذي يمنع مؤسسة كبيرة مثل الوزارة أن تصوّر في أرض المعركة الشاسعة، في رام الله وجنين وبيت لحم، قريباً من الجدار، الذي بات وحده تحفة بصرية تغني أي فيديو!
ليس عادياً أن تضع وزارة الثقافة الفلسطينية موازنة للذهاب بعيداً عن شارعها، لتصوير عمل عن فلسطين في أبعد الضواحي الدمشقية، ثم تأتي النتيجة أغنية صفاء سلطان!

المأساة المثلّثة لغسان مسعود

منذ أن عمل الممثل السوري غسان مسعود في فيلم هوليوودي (فيلم «مملكة الجنة» لريدلي سكوت) لم يهدأ له بال. كان دوراً وحيداً، أو يكاد، وفي وقت كان الأمل أن يكون فاتحة لانتقال كبير للممثل المحروم من أدوار سينمائية في بلده إلى عاصمة السينما في العالم، راح الرجل يغرق أكثر فأكثر في شوارع الدراما المحلية.
مع ذلك فقد كسب مسعود شيئاً ثميناً: لقب النجم العالمي. هذا الذي يحوزه المرء بمجرد أن يقيم معرضاً تشكيلياً في قبرص، فما بالك في هوليوود.
جاء اللقب مفيداً للمقابلات الصحافية، ولترجيح كفّة النقاش مع أنصار المؤسسة العامة للسينما في سوريا: انظروا! لقد وصل الرجل إلى هوليوود، لكنه لم يستطع خرق ستار المؤسسة الحديديّ!

في جيب الممثل السوري غسان مسعود شيك ضخم منذ سبعة عشر عاماً، لم يجد حتى الساعة مكاناً لصرفه.

اللقب جاء مربكاً لمخرجي الدراما التلفزيونية، وآخرها مسلسل «مع وقف التنفيذ» ، حيث ثار أخذٌ وردّ حول موقع اسم الفنان في تيترات الفيلم (الشارة). وعلى ما يبدو فقط «لُحِشَ» الاسم كيفما اتفق بين الأسماء، مع التعويل على عبارة «النجم العالمي» لإنقاذ الهيبة.
في جيب غسان مسعود شيك ضخم منذ سبعة عشر عاماً، لم يجد حتى الساعة مكاناً لصرفه.

٭ كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية