إذا ما حاكمنا الأمور بناء على تجربة الماضي ومعرفة النفوس الفاعلة، قد نشكك في القدر الذي سيكون وزير الخارجية الجديد إيلي كوهين مشاركاً في تقرير سياسة إسرائيل الخارجية في المواضيع المركزية. فقد نثر نتنياهو صلاحيات الوزارة في كل صوب في حكوماته السابقة؛ سيكون نتنياهو وزير الخارجية الحقيقي في كل ما يتعلق بالعلاقات مع الولايات المتحدة ودول الخليج ودول متصدرة في أوروبا، فيما يكون إلى جانبه الوزير الجديد رون ديرمر ورئيس هيئة الأمن القومي تساحي هنغبي. لكن منذ الكلمة التي ألقاها حين تسلم مهام منصبه، وفي الفعل الدبلوماسي الأول الذي أعلن عنه (مكالمة مع وزير الخارجية الروسي لافروف، الأمر الذي لم يفعله سلفه يئير لبيد منذ نشبت الحرب في أوكرانيا) رسم كوهين السياسة التي إذا ما سار عليها نتنياهو بالفعل، ربما يضع إسرائيل على مسار الصدام مع الإدارة الأمريكية. فضلاً عن اتخاذ موقف هو كل شيء باستثناء “المسؤولية”، على حد قول كوهين نفسه، في سياق الحرب.
منذ شباط الماضي اتخذت إسرائيل سياسة قصيرة النظر وغامضة (إزاء اللاجئين) وبقساوة قلب ونزعة شر لذاتها في آن معاً إزاء الحرب في أوكرانيا. وإن سياسة “السير بين القطرات”، والحديث بلسان مزدوج (لبيد شجب الغزو الروسي، ورئيس الوزراء في حينه بينيت لم يقل شيئاً) و”مبادرات الوساطة” السخيفة، كلها عُللت بالتخوف على حرية العمل الجوي في المعركة ما بين الحروب في سوريا، وحجة تكتيكية زهيدة، حين أن الحديث يدور عن حدث عالمي ذي مغزى بهذا الحجم.
واصلت إسرائيل القصف في سوريا دون عراقيل، لأن أمام روسيا أموراً أكبر للرد عليها ولأن أعمال القصف هذه لم تتعارض قط مع المصلحة الروسية. وفي الوقت نفسه، فإن التوقعات بنصر روسي سريع وحاسم حلت محلها سلسلة من الإخفاقات في ميدان المعركة، وفي تجند دولي غير مسبوق من الحكومات والشركات الخاصة والجمهور، من أجل أوكرانيا وضد العدوان الروسي. كل من تحدث عن “الواقعية السياسية التي تتغلب على الاعتبارات الأخلاقية اكتشف أن يكون المرء أخلاقياً وواقعياً أيضاً. هذه التطورات تجعل تصريح كوهين غريباً حتى أكثر.
إدارة واشنطن، التي دخلت النصف الثاني من ولايتها وفقد الأغلبية في مجلس النواب، ربما تشدد على السياسة الخارجية، وعلى رأسها المنافسة العالمية مع الصين وتثبيت قوة الولايات المتحدة والناتو في مواجهة العدوان الروسي. ولا بد أن تسامح الولايات المتحدة تجاه الحكومة الجديدة، ورغبة الإنصات للمصالح الإسرائيلية إزاء إيران ومواضيع أخرى لن يتحسنا عندما يتحدث وزير الخارجية الإسرائيلي الوافد عن “سياسة جديدة ومسؤولة” ويرفع الهاتف قبل الجميع إلى لافروف.
إدارة بايدن تعرف نتنياهو جيداً، وتعرف أن تصريحات كوهين لا تشهد على أن إسرائيل ستغير سياستها. بل سيكون لها نقاط احتكاك مع الحكومة الجديدة، مثلما ظهر حتى الآن في قول وزير الخارجية الأمريكي بلينكن لكوهين في أن الولايات المتحدة تعارض كل سياسة تعرض حل الدولتين للخطر. والآن قد يكون الأمر الأول الذي يتعين على رئيس الوزراء أن يفعله في محادثاته مع الرئيس ووزير الخارجية الأمريكيين هو شرح ذلك التصريح الزائد الذي صرح به وزير خارجيته.
بقلم: عوفر شيلح
يديعوت أحرونوت 3/1/2023