«سينما الهجرة العربية» من خلال فيلمي «بحر أرجواني» السوري و»نحن من هناك» اللبناني
بيروت-»القدس العربي»: في سياق الدورة الـ12 من «مهرجان السينما العربية في برلين» تمثلت كل من سوريا ولبنان بفيلمين ثيمتهما الرحيل، وكل منهما جرت معالجته من وجهة نظر مختلفة. صانعو الفيلمين شكلوا محوراً لندوة عبر تقنية فيسبوك لايف ضمن فعاليات المهرجان الموازية بعنوان «سينما الهجرة العربية».
الفيلمان هما «بحر أرجواني» لأمل الزقوط وخالد عبد الواحد، و»نحن من هناك» لوسام طانيوس. في الأول انجذب المخرجان إلى البحر ورحلة العبور من الشاطئ التركي إلى جزيرة إيبسوس اليونانية. وما يتخلل تلك الرحلة من أحداث مأساوية تتمثل أحياناً بموت عائلات بكاملها. وفي الثاني أراد المخرج أن يسلط الضوء على مفهوم الاقتلاع من المكان الأم، للبدء من جديد في مكان آخر بعيد، مركزاً على الذاكرة التي حفظها خاله عبر كاميرا قديمة العهد.
في «بحر أرجواني» أتت الاستعانة بالمشاهد الواقعية التي خلّفها انقلاب المركب، لتضعنا على تماس من أنفاس الناس العائمين على سطح الماء بمساعدة السترات البرتقالية. وعلى تماس مع استغاثاتهم التي تُسمع بين الحين والآخر، في ظل عتمة قاتمة، يخترقها أحياناً لون السترات. إنه الرحيل في مغامرة بحرية تحفّها المخاطر. وفي «نحن من هناك» كان نسج لموقف إنساني شخصي، إذ لم يخطر للمخرج الشاب وسام طنّوس أن صديقي طفولته وشبابه ابني خاله سيغادران الشام، ويضعان نقطة على سطر الإلفة بينهما. وبالتالي تصبح أسلاك العلاقة المتاحة بينهم شبكة واتس أب.
الرحيل ليس فكرة عابرة في حياة المخرج وسام طانيوس، بل يبدو أنه مقيم بداخله، ويؤرقه بأشكال شتى. وهذا ما ظهر في فيلمه الروائي القصير «الرحيل» الذي أعده دبلوماً للتخرج من جامعة القديس يوسف، وكذلك في فيلمه الوثائقي «Aftermath». وفي «نحن من هناك» يتتبع على مدار خمس سنوات رحيل ابني خاله من باب توما في الشام إلى أوروبا.
مع الخرج وسام طانيوس هذا الحوار:
*عُرِض فيلمك «نحن من هناك» مؤخراً في مهرجان الفيلم العربي 12 في برلين، وشاركت في ندوة المهرجان «السفر والهجرة في السينما العربية». إلى ماذا خلُص النقاش؟
**ركز النقاش على التشابه والافتراق بين الفيلمين اللذين شكّلا جوهر الندوة، وبقي الرحيل جامعاً مشتركاً طبيعياً بينهما. يفترق الفيلمان عند مشهدية البحر فهو الأساس في «بحر أرجواني» وحضوره رمزي جداً في «نحن من هناك». الهجرة في هذه المرحلة ملتحمة مع منطقتنا، وكان اختيار الأفلام المعبّرة عنها يحاكي الواقع. محاور النقاش ركزت على قرار الرحيل خاصة بوجود «ميلاد» كواحد من عناصر الندوة، وهو أحد أبطال فيلم «نحن من هناك». ثمّ مسار الرحيل، وكيفية تقبل بلد ومجتمع جديد للمهاجر، والتحديات التي يواجهها.
*هل فتحت لك الندوة أفقاً جديدة للبحث السينمائي مستقبلاً؟
**من المفيد التعرُّف إلى المعالجة الخاصة بكل مخرج للموضوع نفسه، والوصول إلى جديد من خلال النقاش. اللافت في هذه الندوة أن «ميلاد» شكّل شاهداً حياً عن الموضوع المطروح، وقد أغنى الندوة بتجربته الجديدة في أوروبا.
*حكايات أليمة استقرت مع عظام ناسها في أعماق المتوسط وإيجيه. وهل تأثرت بالأفلام التي تتناول هذه القضية منذ زمن؟
**في السنوات الأخيرة تعددت الأفلام التي حكت عن الرحيل، وضُمت إلى سابقاتها من الأفلام المغاربية التي تناولت الهجرة غير الشرعية. هذا النوع من الأفلام لن يضمحل في المنطقة العربية التي تُعتبر منطقة ملتهبة، والتاريخ يكرر نفسه في الكثير من الأماكن. قبل سنوات كنا حيال هجرة جماعية عراقية، ومؤخراً كانت سوريا، والسيناريو الذي نشهده في لبنان ليس بعيداً عن سيناريوهات جسّدتها السينما، وعشناها في الواقع. في «نحن من هناك» بات لكل كلمة نطق بها ابنا خالي معناها الآن. بت أشعر كإنسان يعيش في بيروت بأن ما قالاه بات حقيقة واقعة الآن في سنة 2021. فعندما صار الفيلم جاهزاً للعرض لم نكن كما نحن، لقد بات له بعده المختلف. في السينما حتى وإن لم نشاهد البحر، وبمجرد التفكير بالإنطلاق إلى مكان جديد في الحياة، من دون شك سيموت داخل صاحب هذا القرار أشياء، ومن ثم تولد أشياء جديدة. وهذا سيحدث بالضرورة بدون عبور البحر الذي لا يشكل أساساً في فيلم «نحن من هناك». إنها حكاية أخوين مختلفين في طباعهما سيبدآن الحياة في مكانين جديدين، وسيخلقان من جديد بقرار منهما. نعم البحر المتوسط ابتلع الكثير من الضحايا. وفي الرحيل تموت مشاعر ما في داخلنا، ومن ثمّ تلد مشاعر جديدة من دون شك. نعيش في منطقة هجرة شرعية أو غير شرعية، وهذا يمسني من الداخل كما جميع البشر.
*هل لديك رغبة في مناقشة القضية من زاوية مختلفة عن فيلم «نحن من هناك»؟
**نحن نُقتلع يومياً عن الكثير من الأمور التي كنا قد اعتدناها في حياتنا اليومية، وبدون أن نترك مطارحنا. نشعر بالهجرة داخل وطننا، حياتنا تتبدل رغماً عنا. مدينتنا لم تعد هي نفسها، وبالكاد نتعرّف إلى بعضها. محال بالعشرات تُقفل، حاجيات تختفي من الأسواق. نسافر سريعاً داخل بلدنا إلى زمن مختلف. نحن الباقون نعيش الاقتلاع اليومي، بخلاف من غادروا إلى أماكن بعيدة.
*إلى فيلمك الوثائقي الطويل «نحن من هناك» كان فيلمك للتخرج الروائي القصير بعنوان «الرحيل» وكذلك فيلمك الوثائقي القصير «Aftermath» الذي يحكي الرحيل الأبدي. هل السؤال يسكنك؟
**كصانع أفلام أحاول تقديم أفكاري في السينما. أعجز عن تحليل نفسي. في رأيي كل مخرج يرغب في تقديم الأفكار والمواضيع المؤثرة به. هذا النوع من الموضوعات يناديني. بعض صنّاع السينما قدموا ثلاثيات عن عنوان وحيد مؤثر بهم. نعم عنوان الرحيل يهمني، فهو يجمع بين الرحيل والاقتلاع والخسارة. شخصياً خسرت في حياتي وأنا بعد صغير ستة أشخاص. لست أدري كم ترك هذا أثره في وعيي ولا وعيي. أرغب في تقديم شرائط سينمائية وأترك حرية التلقي والتفسير للمتفرج. وأظن أن أفلامي شفّافة بما فيه الكفاية. فيلم التخرج الروائي القصير «الرحيل» صوّر الـ24 ساعة المتبقية من حياة شاب لبناني في وطنه قبل أن ينتقل إلى قطر للعمل. ليلة واحدة تقريباً تجمع كافة الأحداث. أحب تصوير الشخصيات التي تعيش مرحلة تحول في حياتها. إنها شخصيات تستهويني وأرغب في مراقبتها. أشعر تلك المرحلة بموت صغير ومن ثم ولادة متجددة في مكان آخر. الرحيل هو موت صغير.
*هل عبّر «نحن من هناك» عن حقيقة ما واجهه كل من جميل وميلاد في هجرتهما إلى أوروبا؟
**لم يتناول الفيلم العبور الجسدي، ولم يظهر جميل وميلاد ضحايا. هو فيلم عن العبور الروحي والعاطفي. وكيف للإنسان أن يتأقلم مع الأمكنة الجديدة وبدء الحياة؟ أحب أن يشاهد فيلمي بعد عشر سنوات شخص هاجر من فرنسا إلى اسبانيا ويرى في الشابين ما يشبهه. رغبت في تحرير الفيلم من الهجرة السورية والبحر المتوسط لأنها جمل باتت تتردد بهدف وبدون هدف. يفرحني أن يرى إنسان نفسه في الفيلم من دون أن يكون سورياً، وبدون أن يكون قد عبر البحر المتوسط بقارب. حين أنجزت الفيلم كانت الشاشات تحمل الكثير من الصور عن الرحيل عبر البحر، لكني بحثت عن المختلف.
*نعرف في كل من سوريا ولبنان ما يُطلق عليه أدب المهجر فهل نحن في مرحلة البناء لسينما الهجرة أيضاً؟
**حالياً وبعد الهجرة السورية بدأ لبنان يعيش مرحلة جديدة من تاريخ الهجرات. ولا شك أن الموضوع سيجذب المخرجين وستكون لديهم أفكارهم المنوعة. فالسينما كما هو معروف عالمياً انعكاس للأحداث التي تتخلل حياتنا. تقدم السينما صورة عن مجتمعات البلدان التي تتحدث عنها، وأسلوب حياة الناس. الهجرة في السينما ليست حديثة العهد، وهناك أفلام عالجتها بأسلوب جميل جداً، سواء كانت عبر القوارب غير الآمنة أو عبر الطائرات والبواخر الشرعية. نمثل في الدول العربية حالة اقتلاع دائم نتيجة الحروب المتواصلة والمتنقلة من بلد إلى آخر. فالسينما انعكاس لحقيقة المجتمع.
*هل تآلفت مع حقيقة رحيل رفيقي طفولتك من سوريا إلى المانيا والسويد؟
**عندما بات هذا الخيار أفضل لحياتهما ومستقبلهما واستقر كل منهما حيث رغب، نعم ارتحت للأمر.
*هل الهجرة طموح ورغبة بالاكتشاف كما درسنا في كتب التاريخ أم ماذا في رأيك؟
**تطمح فئة كبيرة من الشباب اللبناني ومنذ بداية تكون الوعي لديها بأن تمتلك جواز سفر آخر إلى جانب الجواز اللبناني. يردد الكثيرون النصيحة بالتضحية لسنوات في بلد أجنبي من أجل الحصول على جواز السفر. وهذا ناتج عن عدم الشعور بالأمان حيث نعيش. ففي لبنان التقلبات السياسية مستمرة، والغد مبهم. نحن لا ندرس فقط عن موضوع الهجرة على مدى الأزمان، لكننا نعيشه جيلاً بعد جيل. تلك المشاعر تتضاعف في واقعنا الحاضر.
*وهل أمّنت نفسك بجواز سفر أجنبي؟
**والدتي من سوريا ووالدي من لبنان ولا جواز آخر عندي. ولا أخفي طموحي هذا خاصة في وضعنا الحالي الذي يزداد تأزماً.
*أين يُعرض الفيلم الآن؟
**في المرحلة الأخيرة كان في برلين ومارلمو. والرسائل متواصلة عبر فيسبوك وانستغرام بعد مشاهدة الفيلم أونلاين. مفرح لي أن يعلّم الفيلم في الأذهان. لم تجذبني فكرة الأونلاين في بداياتها لكنها في الواقع تؤمن وصولاً واسعاً للفيلم بخلاف واقع الصالة. هذا النوع من العرض ساهم بأن يكون للفيلم ردود فعل اجتماعية جمّة ومشجعة لي كمخرج. لصالة السينما والشاشة الكبيرة سحرها، وللعرض أونلاين إضافة خاصة به.
*هل شجعتك الجوائز الكثيرة للبدء بفيلم للمستقبل؟
**نحن في مرحلة الحياة يوماً بيوم، وننتظر المفاجآت في وطننا. لم نكن في وضع سهل بعد الثورة التي تبعها التفجير. كشاب لبناني تأثرت كثيراً. وليس سهلاً أن نكون خلاّقين في وضع مماثل. أسعى للعمل على الفيلم الروائي الطويل الأول وما أزال في مرحلة التطوير، خاصة وأني أعمل لأعيش، ولست متفرغاً للسينما.