دمشق – «القدس العربي»: بينما تتواصل الهجمة العسكرية على إدلب، شمال غربي سوريا، وبالتوازي مع تصاعد الخلافات السياسية الروسية – التركية، وما تواجهه أنقرة بسببها من تحديات في سوريا، على خلفية إصرار النظام وحلفائه على التصعيد الذي بات يشمل نقاط المراقبة التابعة لها بشكل ممنهج، تتوجه الأنظار نحو ملايين المدنيين الذين تؤويهم محافظة إدلب شمال غربي سوريا، في وقتٍ اعلنت الأمم المتحدة مقتل أكثر من 1700 مدني بينهم نحو 500 طفل في المحافظة الشمالية، وجدد فريق «منسقو استجابة سوريا»، مناشداتهم جميع المنظمات الإنسانية في الشمال السوري لإنقاذ المدنيين النازحين في المخيمات الحدودية من موجة الصقيع وانخفاض درجات الحرارة وعدم قدرة النازحين على تحمل تكاليف التدفئة، موثقاً وفاة أكثر من تسع حالات في المخيمات نتيجة البرد والحروق والاختناقات، في ظل استمرار موجات النزوح للمدنيين من أرياف إدلب وحلب يجري ذلك بينما تبقى تركيا أمام سيناريوهات عدة أحلاها مر.
«المتشدقون بالحقوق»
في غضون ذلك، تتعاظم الأزمة السياسة والعسكرية، حيث جددت تركيا عزمها على إخراج النظام السوري بموجب اتفاق «سوتشي»، إلى خارج حدود نقاط المراقبة في إدلب، وتعبئة قواتها العسكرية الجوية والبرية، وفي هذا الاطار قال رئيس دائرة الاتصالات في الرئاسة التركية، فخر الدين ألطون، إن «نظام الأسد يستهدف المدنيين ويرتكب انتهاكات في المنطقة»، مستنكرًا صمت من سماهم «المتشدقين بحقوق الإنسان وأمن المدنيين» حيال ما يحدث في إدلب. وأشار إلى نفاد صبر حكومة بلاده حيال خرق روسيا الاتفاقات المبرمة بين الطرفين، وأضاف: «لن نتسامح مع أي اعتداء، وسنرد بقوة وحزم ضد أي من مضايقات النظام ضد قواتنا». وتواجه أنقرة تحدّياً كبيراً في سوريا، ما اضطرها للجوء إلى خطوات عدّة، من أجل اعتراض مساعي حلفاء النظام السوري، حيث عززت تواجدها العسكري بشكل غير مسبوق في منطقة خفض التصعيد.
خبير تركي لـ «القدس العربي»: «سوتشي» انتهى وسنشهد اتفاقاً جديداً في سوريا
الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي يقول في هذا الإطار إن تركيا عمدت أيضاً إلى دعم فصائل المعارضة لوجستياً وبالإسناد الناري الصاروخي والمدفعي لاسترداد عقدة الطرق الدولية بين حلب واللاذقية ودمشق، على أمل أن يساهم أي إنجاز ميداني في دعم موقفها سياسياً، وكثفت من المباحثات السياسية مع الولايات المتّحدة والناتو لدعم جهودها في الحفاظ على نظام وقف إطلاق النار في صيغته المحددة بإطار مذكّرتي سوتشي وخفض التصعيد، والاستمرار في عمليات التفاوض مع موسكو على المستويات السياسية والعسكرية والأمنية بغية التوصل إلى تفاهمات آنية ومستقبلية.
وتترك هذه المعطيات المجال مفتوحاً أمام عدد من السيناريوهات، وهي حسب المتحدث لـ «القدس العربي»، التوصل إلى تفاهم روسي – تركي يوقف العملية العسكرية عند الحدود التي وصلت إليها، وتكون الخريطة الجديدة للسيطرة هي التي ستبقى في الغالب إلى مرحلة الحل السياسي، أو فشل روسيا وتركيا في التوصل إلى اتفاق، وقيام الفصائل – بدعم لوجستي تركي بشن عملية عكسية توقف الهجوم على أقل تقدير، وربما تستعيد فيه بعضاً من المناطق التي خسرتها في الأسابيع الأخيرة، أو قيام الجيش التركي بشن عملية عسكرية بمشاركة الفصائل لوقف الهجوم، وربما استعادة بعض المناطق التي خسرتها في الأسابيع الأخيرة. ويواصل الجيش التركي تعزيز نقاط المراقبة التابعة له، في منطقة خفض التصعيد بمحافظة إدلب شمال غربي سوريا، بعناصر من قوات المهام الخاصة «كوماندوز». ووفقاً لوكالة الأناضول، التركية فإن رتلاً من التعزيزات العسكرية، يضم عناصر من القوات الخاصة من مختلف الوحدات التابعة للجيش التركي في عموم البلاد، توجهت إلى الحدود مع سوريا الخميس، كما أوضح مراسل الأناضول بأن الجيش أرسل أيضاً راجمات صواريخ، تمركزت على الحدود السورية.
معالم المرحلة المقبلة
ومن وجهة نظر تركية، يقول الكاتب والمستشار الإعلامي التركي فراس رضوان أوغلو ان نهاية شهر شباط/فبراير ستحدد معالم المرحلة المقبلة، مؤكداً ان المفاوضات التي تجريها حكومة بلاده مع روسيا ليست كالسباق. وقال رضوان اوغلو لـ «القدس العربي»: «اتفاق سوتشي انتهى، ومن الممكن ان يكون هناك اتفاقيات جديدة حيال المنطقة» معرباً عن اعتقاده ان الامور تسير نحو التهدئة بين الطرفين، ولم يستبعد «ان نشهد بعض الاشتباكات لان الجميع سوف يستغل هذه الفرصة».
وكشف المستشار الإعلامي عن محور المفاوضات التركية – الروسية، حيث قال «تركيا تفاوض مبدئياً على عودة النظام السوري إلى ما قبل سراقب، ولا اتوقع ان توافق روسيا على هذا البند، ولكن قد يصلان إلى حل وسط». وأكد ان التصعيد قادم سواء كان سياسياً او ميدانياً، «فتركيا لا تستطيع ان تتراجع خطوة نحو الوراء، ويجب أن تكون أكثر حزمًا، الموقف الدولي صعب فالدول الاوروبية وروسيا وأمريكا لا يساندون تركيا في هذا السياق، لكن التعزيزات العسكرية التركية مهمة من أجـل تثبيـت النقـاط الـتركية».
ميدانياً، تستمر قوات النظام السوري تقدمها، متجاهلة المهلة الزمنية التي حددها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، والتي تنتهي مع نهاية الشهر الحالي، لانسحابها من محيط النقاط التركية ومن المناطق التي انتزعتها مؤخراً من سراقب إلى معرة النعمان والنيرب، حيث أكدت مصادر محلية قضمها المزيد من المناطق شمالاً، وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان ان قوات النظام والمسلحين الموالين تقدموا على حساب الفصائل والمجموعات الجهادية غرب حلب، من خلال السيطرة على منطقة ريف المهندسين الأول وكفر جوم، في إطار سعيها لتأمين أوتوستراد دمشق – حلب الدولي. وبذلك، تكون قوات النظام قد بسطت سيطرتها خلال الأيام القليلة الفائتة على 67 منطقة في ريفي حلب الجنوبي والغربي.