القاهرة ـ «القدس العربي»: «لأننا في بلد بلا قانون يحميك، لو عربيتك اتسرقت لن ترجعها الشرطة، لو حد وقفك في الشارع وأخـــذ فلــــوسك لن يحمـــيك أحـــد، باختصار لأنـــنا بــــلد آكـــل حقـــوق، بلد القـــوي فيها يأكل الضعيف، قررنا إننا لن نسيب حق لأحد إلا لما نرجّعه». (من بيان صفحة السراج لأعمال البلطجة واستخلاص الحقوق على الفيسبوك).
تبدو دوماً صفحات الحوادث في الصحف من أكثر الصفحات قراءة، وانتقل الأمر إلى برامج الجريمة في الفضائيات، التي بدورها تنال أعلى نسبة من المشاهدة. ومع تباين أهداف هذه البرامج أو تلك ــ في الغالب تمجيد ودعاية لجهاز الشرطة ــ تظل الواقعة (الجريمة) محل بحث، نظراً لكونها لا تنشأ في فراغ، ولكن دوماً ما يحيط بها من ظروف وملابسات تخص الفاعل وتحرّضه على ارتكاب جريمته، فهناك في عمق المشهد أو لحظة الجريمة أفق اجتماعي، يكون تأثيره هو الأعمق، حتى لو لم يتصدر المشهد في الوهلة الأولى. وبذلك تصلح الجرائم لتكون محل دراسة للمجتمع، ووصفا أدق مما يحدث على السطح، أو شكل المجتمع الذي يريد النظام الحاكم تسويقه. من وجهة نظر التحليل الاجتماعي عبر الجريمة، صدر مؤخراً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب كتاب بعنوان «وصف مصر بالجريمة.. ماذا حدث في قاع المجتمع خلال ربع قرن؟» للكاتب الصحافي نبيل عمر، يستعرض فيه مجموعة من الجرائم اللافتة، التي من خلالها يمكن ملاحظة ماذا حدث، والأهم هو الكشف عن أسباب وقوع مثل هذه الجرائم. وسنحاول استعراض بعضها بهدف البحث عن دلالتها اجتماعياً، بخلاف الجرائم التي أصبحت اعتيادية في المجتمع المصري، كالفساد الجامعي، والانتحار لضيق الحال ــ هذه الجريمة بالأخص الأكثر انتشاراً الآن ــ أو جرائم الشرف والتحرّش، وقطع الطرق وما شابه.
مؤذّن في زاوية صغيرة، في قرية منسيّة من قرى مصر، تجاوز العشرين بقليل، يقابله عاطلان حوّلا حياة أهل القرية إلى جحيم.
بلطجة فيسبوك
«ضرب سواق ميكروباص أو تاكسي حرامي، 500 جنيه، ترتفع إلى 1500 بتكسير السيارة. تهزيق أستاذ جامعة فاجر من بتوع المذكرات والدروس الخصوصية 500 جنيه، ترتفع لـ 1000 جنيه لو أضيف له تكسير سيارته. استرجاع سيارة من لصوص العربيات 2500 جنيه. كانت هذه أسعار تخليص بعض الحقوق وحل المشكلات على صفحة (السراج لأعمال البلطجة واستخلاص الحقوق). هذه الصفحة التي نالت إعجاب 100 ألف متابع على الفيسبوك في ساعات قليلة. هنا للمرّة الأولى التي يصبح الأمر جماهيرياً من خلال الفيسبوك. هذه الصورة من الأعمال كانت متواجدة في السنوات الأخيرة، من خلال مكاتب الاستيراد والتصدير، التي تتخذ من هذا المُسمى المراوغ المشبوه في الغالب قناعاً لها. مثل هؤلاء تجدهم في خانة وصورة (الفاعل المجهول) بالنسبة لحوادث السرقة أو الحرق، وما شابه، كذلك توحدت تحت مظلة وبصر الدولة في الانتخابات البرلمانية، من حيث إرهاب الخصوم، أو فرض التصويت لمرشح معيّن. فمجموعة صفحة الفيسبوك ما هي إلا صورة متطورة من جماعات البلطجة القديمة، التي لم تزل تعمل حتى الآن.
القديس
مؤذّن في زاوية صغيرة، في قرية منسيّة من قرى مصر، تجاوز العشرين بقليل، يقابله عاطلان حوّلا حياة أهل القرية إلى جحيم، بداية من فرض الإتاوات، وحتى السطو على المنازل، وصولاً إلى التعرّض للنساء والتحرش بهن.
وكم قدّمت بلاغات، لكن الشرطة في عالم آخر. قام المؤذن الشاب بلملمة كل ما يمتلك من نقود، واستدان الباقي، واشترى سلاحاً آليا، ثم صعد إليهما قرب جبل المقطم، ظنا في بادئ الأمر أنه أحد عيونهم في القرية ـ لابد من شخص خائن في الحكاية ـ إلا أنهما وجدا المؤذّن، فما كان منهما إلا الضحك، وما كان منه إلا إفراغ الطلقات في جسديهما.
بعدها هبط الجبل في هدوء شديد، لا يعادله إلا الهدوء الذي ساد القرية بعد ذلك. وعندما استدلت الشرطة إلى مكانه، وجدت قائمة بأسماء ما يقارب الثلاثين شخصاً من الفاسدين، كان ينتوي تحقيق وتنفيذ العدالة بأرواحهم.
حدثت الجريمة في ديسمبر/كانون الأول2011. ولهذا التاريخ أهمية في تحليل مؤلف الكتاب، فيذكر ومن بداية الكتاب أن السبب في انتشار الجرائم والبلطجة يعود إلى الانفلات الأمني بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011. فمجرما المقطم على سبيل المثال لم يبدأ كل منهما نشاطه خلال عام الثورة، بل ظلا لسنوات قبلها، فأين كانت الشرطة؟ لا يجيب المؤلف. ثم طاب له الأمر بعد اكتشاف أن القاتل مجرد مؤذّن في زاية، وبالتالي ربط الموضوع بالجهل الديني والتطرف، وكل المسميات الخائبة، لأنه ينفذ شرع الله بمفرده، وهو يعيش في دولة، وهنا يُرجع الأمر إلى المناخ الديني السائد وقتها، وهو أمر ينافي الحقيقة، فأي مناخ ديني كان سائدا في مثل ذلك الوقت؟
الأمر لا يبتعد عن التلفيق، فبماذا يفسر المؤلف عدم التحقيق في بلاغات أهالي القرية، ثم سرعة ضبط الجاني؟ والجميع يعرف أنه لا يستطيع بلطجي أن يمارس سلطته على الآخرين، إلا من خلال أجهزة الأمن، فهو ذراعها بين الناس ــ إلا في حالات استثنائية، حيث يثبت البلطجي جدارته بمجهوده، ووقتها سيتحوّل إلى بطل قومي ــ هذه التلفيقات هي النغمة الأعلى للكتاب ومعظم القصص التي يحتويها. اللهم إلا في بعض الحالات، التي يعود تاريخها إلى زمن ووقت أقدم، وبالتالي لا تتحمل وزرها ثورة يناير. إضافة إلى أن المؤلف يستقي بياناته ومعلوماته الإحصائية من وزارة الداخلية، وهي بالضرورة بيانات سيئة السمعة.
ملحوظة.. لم يذكر المؤلف حُكم المحكمة في هذه القضية، رغم أن الكتاب من إصدارات هذا العام