وعد بلفور ويهودية الدولة

لم أقرأ مقولات أو سرديات أو أشعاراً لكثير من الأدباء العرب عن وعد بلفور بالتحديد، وإن كانت كتاباتهم الروائية والقصصية والشعرية والنقدية متواضعة عن قضية الشعب العربي الفلسطيني، الذي يعلكه ويلوكه الاحتلال الصهيوني البغيض كل يوم، ويجرف الأرض والمعمار، ويقطع أشجار الزيتون، ليحل محلها بصمات عنصرية يهودية جديدة..
تحت باب ‘واقتلوا نساءهم، واقتلوا أطفالهم، واقلعوا أفضل الشجر المثمر في حقولهم، واردموا آبارهم…’ اللعنة من أين أتى هذا الجحيم على الأرض، فبدأ بفلسطين؟
وبصفتي أحد المتابعين للفيس بوك، أجد أنني إذا كتبت عن الحب والغرام، فإن القراء يتكاثفون على النص، وإذا كتبت عن القضية العربية الفلسطينية، فإن القراء يتضاءلون..فليس هناك تقصير في الكتابة الوطنية فقط، وإنما في قراءة النصوص الوطنية.
وقد يكون العكس هو الصحيح، وذلك أن ضعف القراءة، هو الذي يثبط عزم الكُتّاب والمبدعين، فتجدهم لا يكتبون بزخم عن هذه القضية التي أكلت الأخضر واليابس من حيوات الفلسطينيين والعرب عموماً، وذلك ما يظهر جلياً في الربيع العربي والحروب الأهلية التي يطارَد فيها العرب ويُقتلون شر قتل.
وقد يكون هناك سبب ثالث هو أن الكتابات المختصة بفلسطين لا تلاقي التشجيع في الطباعة والنشر، ولا تلاقي مكافآت، أو دعماً، أو جوائز مناسبة، تدفع المبدعين المعتمِدين في تلقي لقمة الخبز على الكتابة، أن يتفرغوا للكتابة عن قضية فلسطين منذ وعد بلفور وحتى يومنا هذا..
وبعكس ذلك، فقد تجد كُتّاباً من ذوي النفوس الضعيفة لا يمانعون في الكتابة في الاتجاه المعاكس للقضية العربية الفلسطينية، فيزورون التاريخ، وذلك بطريقة وضع السم في الدسم- لا تتسع المساحة لتوضيح ذلك.
وحتى نقاد الأدب، تجد معظمهم يبتعد عن نقد الروايات والدواوين الشعرية التي تصور القضية الفلسطينية، وذلك لأن صفحات الصحف والمجلات وحتى المواقع الإلكترونية لا ترغب بنشر مثل هذه الكتابات، فلو كتب الناقد الملتزم بقضايا وطنه في هذا المجال، فقد لا ينشر الناشر، وبذلك يضيع جهد الناقد هباء، ولأنه يريد أن يعيش ويتكسب من كتابته، فإنه يقلل من الكتابة الموضوعية حول هذه الموضوعات، ويتحول للكتابة عن جماليات الشكل الأدبي، وعن الفن للفن..
ووصل الحد ببعض الحالمين بالحصول على جائزة نوبل للآداب، لأن يمسحوا كثيراً مما كتبوا عن القضية أيام ‘جهلهم’، لعل ذلك يغفر لهم، فيدخلهم نادي ‘الجائزة اللعينة’ مهما كان نوعها ومصدر تمويلها.
ويستغرب الفلسطينيون والعرب عامة من كون الكيان الصهيوني الغاصب يطالب بيهودية الدولة، في الوقت الذي انتهى فيه العالم من الفصل العنصري، وذلك بتفكيك دولة جنوب إفريقيا العنصرية البيضاء..ولكنهم نسوا أن الرسالة التي أرسلها وزير الخارجية البريطاني ‘آرثر جيمس بلفور’ إلى اليهودي ‘ليونيل وولتر دي روتشيلد’ في الثاني من نوفمبر عام 1917م، والتي سميت فيما بعد بـ’وعد بلفور’ تنص على مساعدة اليهود بإقامة وطن قومي ‘لليهود’ في فلسطين، ما أسماه المؤرخون فيما بعد، ‘ وعد من لا يملك، لمن لا يستحق’. أي أن ‘يهودية الدولة’ المزعومة – وليست إسرائيليتها- التي يطالب بها صهاينة اليوم، هي ليست مطالبة جديدة منهم، فلقد كانت مقررة من الغرب منذ الحرب العالمية الأولى، وذلك بعدما تخلصوا من العنصرية في بلادهم، ورموها إلى مزبلة التاريخ، فجاءوا ليزرعوا في بلادنا عنصرية لم يعرف التاريخ لها مثيلاً في شراستها وأطماعها، إذ تفكر في اجتياح العالم كله، ولو اقتصادياً، وليس الوطن العربي فحسب.
وللأمانة، فقد أعجبني ما كتبه الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري بعنوان- ذكرى وعد بلفور:
خذَي مَسعاكِ مُثَخنةَ الجِراحِ ـ ونامي فوقَ داميةِ الصِفاحِ
وتأريخُ الشُعوبِ إذا تَبَنّى- دمَ الأحرارِ لا يمحوهُ ماحي
وتأريخٍ أُريدَ لنا ارتجالاً- فآبَ كما أريدَ إلى افتضاح
ورُبَّةَ ‘ صَفْقَةٍ ‘ عُقِدَت فكانت- كتحريم الطلاقِ على نِكاح
تُدبَّرُ في العواصِم من مُرِيْبِ – خبيثِ الذكر ، مَطعونِ النواحي
ويُسْفِرُ نَصُّها المُسوَدّ خِزياً- ومَظلمةً عن الغِيد المِلاح
و’تصريحٍ’ يُمِطّطه قويّ- كَلَوْحِ الطّينِ إذ يدحوه داحي
و’حلفٍ ‘ لستُ أدري مِن ذُهولٍ- أعن جِدٍّ يُدَبَّرُ أم مِزاح
لنا حقٌ يُرجَّى بالتماسٍ- وباطِلُهمْ يُنفَّذُّ بالسلاح
فلسطينُ تَوَّقيْ أنْ تكوني- كما كُنَّا بمَدرجَةِ الرياح
لقد كان المطلوب من وعد بلفور اقتلاع الشعب العربي الفلسطيني من البلاد، إذ لم يذكر كلمة العرب – المسلمين، ولا المسيحيين- وإنما ذكر عبارة ‘وطن لليهود في فلسطين’، علما أن العرب كانوا يشكلون قبل وعد بلفور 95 ‘من عدد سكان الشعب الفلسطيني، بينما اليهود يشكلون 5 ‘فقط.
وكانت بريطانيا قد أعطت وعدا في المراسلات التي تمت عام 1915 م بين الشريف حسين والسير هنري مكماهون، تقر فيه بريطانيا بأن تكون فلسطين جزءا من الدولة العربية المستقلة بعد نهاية الحرب العالمية، إلا أنها أعطت -بعد سنتين من ذلك التاريخ- فلسطين للصهاينة، وكانت الهدية البريطانية -التي لا تتحلى بمصداقية- تهدى لجهتين متناقضتي التوجهات، وعند التنفيذ تغير كل شيء.
ولكن الحقيقة الباقية، أن فلسطين عربية، من قبل أن يحتلها اليهود بمساعدة بريطانيا والغرب عموماً، فقد سكنها العرب الكنعانيون قبل الميلاد بآلاف السنين، وتدل الآثار العربية الكنعانية على ذلك، ولا يوجد أي أثر يهودي فيها رغم الحفريات الصهيونية الجائرة.

‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية