«آخر مرّة» عرض تونسي آسر يُمسرح أزمات البشر
بيروت ـ «القدس العربي»: حلّت وفاء الطبوبي في مسرح المدينة لعرضين فقط، وتركت جمهور المسرح البيروتي يتحدّث عن أهمية نصها والأداء الفني. محظوظ من تابع فرجة «آخر مرّة» بلوحاته الثلاث. وفيها المرأة والرجل وصراعات العمل والحياة والأمومة والتحرش. المرأة التي غاب زوجها في الموت، ومعاناتها مع غياب ابنها في الحياة. إلى الزوجين الشابين والاشتباك الفكري والعلائقي والعاطفي بينهما.
«آخر مرّة» عرض يستنشق الهواء ويزفره بإيقاع خاطف، بين الممثلة مريم بن حميدة والممثل أسامة كشكار. نادراً ما هدأت حركتهما أو غاب صوتهما. وغالباً نطقا بسرعة الريح. مثّلا نصاً مكثفاً وحساساً، فيه من الصراع قدراً فاض على جنبات المسرح، وصل للجمهور وتركه متأهباً لاستقبال المزيد. جمهور صفّق في محطات عدّة قبل أن يقف محيياً المبدعين التونسيين، وعرض «آخر مرّة» المكثّف بالتشنجات.
تدير الكاتبة والمخرجة واستاذة المسرح وفاء الطبوبي عرضها بحرفة بدا أنها تمتلك ناصيتها بيسر، وبدون عرض عضلات. أشبعت نصها تكثيفاً إنسانياً وشعرياً بما لإنسان الحاضر من مآزم وانهماكات تذوّب إنسانيته. نحتت عرضها عبر احساس وحركة ونطق كل من مريم بن حميدة واسامة كشكار، فذابا في النص وذاب فيهما.
إلى حضور الممثلين شكّلت الإضاءة شخصية ثالثة حاضرة، كما الموسيقى الشخصية الرابعة. إثر العرض تهبط التساؤلات على المتفرج منها لماذا إنسان اليوم مضغوط بالأزمات؟
هنا حوار مع صاحبة «آخر مرّة» وفا الطبوبي تمّ على مرحلتين قبل وبعد العرض:
○ سبق وصولكم إلى بيروت تهليل بالإنجاز المسرحي. فماذا فعلت في «آخر مرّة»؟
•هو عمل بسيط جداً. باتت حياتنا معقدة لدرجة أنستنا تفاصيلنا وهويتنا وجذورنا، وعجزنا عن القيام حتى بالأشياء البديهية. لم نعد نستمتع بغسل وجوهنا صباحاً وارتشاف قهوتنا، لأننا نسرع بما نقوم به. تذكرنا «آخر مرّة» بأن الحياة متعة وسعادة، وبأن أساسها الحب والتفاهم. فنحن نعيش أزمة حب، وأزمة تصالح مع الذات ومع الآخر وقبوله. نعيش صراعات وهمية كاذبة ومختلقة منا أو من الآخر. كعرب نلعب دوماً دور الضحية، ونرمي البلية على الآخرين. ونقول نحن ضحايا العنف ونتاج لتنشئة معينة. هو عنف يقتل فينا طاقة الحب، وطاقة قبول الآخر.
○ وكيف نتخفف من موروث الضحية ونعيش طاقة الحب؟
•عبر المحاولة. المسرح أسلوبي المتواصل في المحاولة التي لا تتعب ولا تكِّل. إيماني بالتغيير يشكل حافزي الدائم.
○ وهل للمسرح دوره المساعد بالانتقال من وضع الضحية إلى المسؤولية؟
•يشكل المسرح مساءلة للواقع وتخاطباً جدلياً مع اليومي. يتأثر أو يؤثر بطريقة أو بأخرى. المسرح هو الفن الأكثر انجذاباً إلى واقعه السياسي والاقتصادي واليومي المُعاش.
○ السؤال مشروع عن عدد رواد المسرح لنأمل بالتغيير؟
•إذا أقنعنا أو غيرنا عشرة أنفار من خلال المسرح جيد. ليس للمسرح تقديم الحلول. هو يضيء الأخضر، وينبّه، ويثير التساؤلات. إذاً توريط عشرة أشخاص في كل عرض بينهم الأستاذ والطبيب والسائق والأم والأخ، فهؤلاء سيحاولون مشاركتنا مشروعنا. التغيير يبدأ من أنفار، في حين تنام المجموعة بسلام وتنعم بثُباتها. فالأزمة الاقتصادية تأخذها إلى مكان آخر وتنسيها الهاجس اليومي المُعاش. أن يقتصر تفكير الإنسان على العيش وتدبّر لقمة الخبز فهذا يؤدي لضغط مهول، ويولد عنفاً في المنزل والشارع والعمل. ويحصرنا في غريزتنا الحيوانية التي تتجه للبحث عن كيفية العيش، قبل كيفية التفكير.
○ هل دراسة المسرح وتدريسه من أستفزّ سيل الأسئلة لديك؟
•هو ترابط بين نشأتي ودراستي وعملي. كان متاحاً أن أكون مهندسة بوعي فائق، تؤمن بإصلاح البنية التحتية. أو طبيبة تؤمن بإصلاح الجسد الإنساني العليل. أو مربية تؤمن بإصلاح العقل العليل ايضاً. كل في مهمته يغير. نعم اخترت التنشئة والوعي المسرحي والجماليات الفنية، وجميعها تتكاتف وتترابط لإختيار طريقي. اخترت المسرح وأتمنى اجادته.
○ لماذا وصفك بعض النقّاد بمجنونة المسرح؟
•تضحك وتقول بصوت عاشق: «نْحِب المسرح». للمسرح فضاءات تسمح لي بعيش حياة موازية. كل منا يعيش حياة واحدة، وأنا أعيش حياة موازية مع كل مسرحية. مع كل كتابة نص أو شخصية، ومع كل نفس. ولي حياة تبدأ مع العرض وتنتهي مع نهايته.
○ لماذا وصِف نصك بالمُكثّف شعرياً؟
•أكتب بالمحكية التونسية التي أعشقها، وأجدها ثرية ونامية. أعشق العربية الفصحى، إنما المحكية في كافة البلدان العربية هي الأكثر تعبيراً. تحمل المحكية هوية فكرية ودينية عميقة ومترابطة. يمكننا أن نعرف الإنسان من خلال المفردات التي يتحدّث بها. في الحقيقة حبي للهجة التونسية دفعني للعمل عليها، وجعلها تخرج من نسقها اليومي العنيف والسريع إلى نسقها الجميل. لماذا الشاعرية في النطق؟ لأنه يحمل إيقاعاً مختلفاً. أؤمن بجمال هذه اللهجة وأحاول إظهار أحلى ما فيها.
○ وماذا عن مخزون قراءاتك؟
•مرجعياتي؟ امرأة تستهلك كل ما تقرأه. اقرأ حتى ما يزعجني ولا أوافق عليه. القراءة سبيل للتلاقي والتعرُّف إلى أفكار وثقافات أخرى حتى وإن كانت لا تُشبهنا. أقرأ كي لا أقع في الفخ. أقرأ كي أتمكن من السير بجانب الفخ. أقرأ كي أقفز عن هذا الفخ. أحب القراءة بالعربية شعراً وسواه. أحب كل ما يمكن أن يُقرأ، وجسد الإنسان شيفرات تُقرأ. نصي المسرحي خطاب جسدي وحركي ولفظي. قبل وصول «آخر مرّة» إلى المسرح عشت معه صراعاً لسنتين، والكورونا دفعتني لعدم التأجيل. أكتب وأعيش مع شخصياتي. أتردد بالإنتاج، وأعاني صراع المخرج مع الكاتب، وأعيش ازدواجيتهما داخلياً. يتمسك الكاتب بكلماته حتى وإن كانت بسيطة، ويتصارع مع المخرج الذي عليه الاستجابة لمتطلبات الركح، والنُصرة له، فممنوع هبوط ايقاع العرض.
○ أنت العين على نصك؟
•صحيح، إلى أن يخرج الجمهور من الصالة ويدلي بدلوه، فهو عين الحق.
○ في نصيك «الأرامل» و «آخر مرّة» المرأة موجودة بقوة.
•لا حياة دون امرأة. عندما أكتب أفكر بالعدالة الاجتماعية. وكيف نعيش في توازن نفسي وعدالة قانونية؟ وحينها ستفرض القضايا التي تضطهد المرأة نفسها. في البلدان العربية المرأة عنصر مضطهد من قبل سلطة ذكورية، فواضع القانون رجل. ومن يحكم رجل. فلا رئيسة أو ملكة في أية دولة عربية.
○ هل عقّد المسرح أم سهّل حياة وفاء الطبوبي؟
•بل سهّلها. وكون المسرح أداة للحياة فهو جعل حياتي ممتعة. كان المسرح مسانداً لحياتي، لكنه يتطلّب خصوصية، ويحتاج الدقة والوقت. ومعه أواظب على مهماتي كأم لإبنتين، وزوجة لرجل يدعمني. كما أنني ابنة مدللة لأب يدعمني، ويصرّ وبإلحاح أن اُكمل المسيرة كما أردتها. علّمني المسرح أن أعيش وأن أتوازن بين حياة المسرح، والحياة على أرض الواقع كأم لديها مسؤوليات وواجبات. ولديها قناعات كمربية ومكونة لممثلين. في البداية الربط بين كل ما ذكرته يبدو صعباً، لكن المخرج الذي يستطيع الربط بين السينوغرافيا والموسيقى والنص وفن الأداء، سيربط بين الإخراج والكتابة والتكوين المسرحي، ودور المربية، والأم والموظّفة، والإنسانة التي تعيش يومياً في هذا الوطن الذي تحبه وتؤمن به.
○ ما هو دورك في مسرح الريو؟
•اقترحت مشروع «آخر مرّة» على العديد من الأطراف المنتجة، وحده الحبيب الهادي فتح بوجهي الأبواب على مصرعيها. بيننا تفاهم ومجاذفة. آمن الحبيب الهادي بالمشروع وبالقضايا الفنية والفكرية التي أطرحها، وجازف مادياً. هناك منتجون شكليون، وآخرون يؤمنون بالقضايا التي نطرحها، والتي تتيح لنا الإبحار أبعد من روحنا. أنا مخرجة وكاتبة في الريو، والذي يضمّ استوديو لتعليم وتكوين الممثل، وأنا استاذة فيه. في الريو وجدت ثلاثية الراحة وهي الإنتاج والإبداع والتكوين.
○ كيف آمنت بمريم بن حميدة وهي في حضورها الأول على المسرح؟
•في وقتنا الحاضر المسرح صعب ويحتاج احتراماً. قيم تراجعت للأسف حتى لدى بعض المحترفين الذين تخلّوا عن أدبيات المهنة. في اختياري لمريم بن حميدة، وجدت الالتزام والانضباط واحترامها لي وللمسرح الذي وجدت عليه لأول مرة. فهي مهندسة وأستاذة للرقص الكلاسيكي. وفي أول تجربة لها على المسرح كانت مع ديو، وهذا غاية في الصعوبة. أن يتمكن ممثلان فقط من جذب الجمهور على مدى ساعة وعشرين دقيقة، ينطفئ خلالها الضوء مرتين فهو تحدي. أردت من خلال مريم بن حميدة التذكير بأدبيات المسرح، وبأنه تكوين واحتراف والتزام. مريم كانت مستعدة لتعيش المغامرة. وأعطت درساً بأن المسرح التزام وإيمان، وآمنت بالمشروع. وبدوري آمنت بها، وهي أعطتني وقتها وجسدها وفكرها. المسرح سخي ويعطي من يحترمه.
بعد مشاهدة العرض المسرحي أكملنا الجزء الثاني من الحوار:
○ نصك محتشد بالأحداث والأسئلة وجسدان يزيدان كثافة التعبير. كم كنت معبأة خلال الكتابة؟
•نعم مشحونة ومتأثرة بما أراه يومياً وبما تلتقطه حواسي من العالم الواقعي الذي أعايشه يومياً. تتراكم الأحداث في العالم العربي والعالم ككل بدءاً من معايشة كورونا لسنتين، والحروب التي لا نفهم مصدرها ودعواها، إلى الأزمات الاقتصادية التي تجعلنا نتساءل ونحتار. تذوب الذات الإنسانية في هذا الازدحام، وتخرج بشكل تساؤلات حائرة أتقاسمها مع الجمهور في عرض «آخر مرة». تساؤلات تبحث عن إجابات لست مطالبة بإعطائها. نطرح السؤال الجيد في وقت جيد. سؤال يحمله الجمهور معه إلى منازله ليكمل النقاط التي تنتظر الإجابات. في الشكل الذي نحن فيه يضيع الإنسان في هذا الزُحام والازدحام.
○ كم من الوقت استغرق عجن وتذويب الممثليْن بالنص؟
•عادة أعمل مع الممثلين لستة أشهر في الحد الأدنى. أعد واُهيئ الممثل عبر نظام عمل دقيق جداً، متعب ومرهق له بحيث يجب أن يكون متفرغاً كلياً للعمل معي. وأن يكون معي قلباً وقالباً، جسداً وروحاً وفكراً. وأن يكون ضمن المشروع ومتحملاً لهذا العمل. إذاً ستة أشهر هو الوقت المثالي كي ينصهر الممثل داخل الشخصية.
○ شكلت الإضاءة ممثلاً ثالثاً على المسرح.
•ليست الإضاءة وحدها، بل معها الموسيقى والديكور. جميعها تشكّل أجزاء من المسرحية ولها أن تُكمل ما عجزت عن قوله الشخصيات والنص. هي جزء من العملية الإبداعية ولا نرميها جزافاً على الركح أو نزين بها المشهد المسرحي. إنها سيكولوجيا الشخصيات والإضاءة. والفضاء الحسي والفكري للشخصيات. تُكمل الفراغات وتُذكر الجمهور بقانون اللعبة المسرحية التي أفرضها على الركح. إذاً الإضاءة والموسيقى والديكور كل منها شخصية تُكمل أهداف العرض وجزء من الكل.
○ هل فاجأك النجاح؟
•أسعدني النجاح كثيراً. فأول مرة ككاتبة ومخرجة أتلاقى مع الجمهور اللبناني وهذا أسعدني. ولا أخفي أن اللقاء أخافني وأربكني كونه الأول. فأنا لا أعرف طبيعة الجمهور اللبناني وكيفية تقبّله للعرض. لكنني وجدت الكثير من الحب في عيون المشاهدين. كان الجمهور عفوياً ورائعاً. لا أتوقع النجاح لكني دائماً أحاول أن أكون صادقة وجدية في عملي في أية دولة ومع أي جمهور كنت. في كل مرّة أشعر وكأن المسرحية تُعرض لأول مرة. ردود أفعال الجمهور اللبناني لامستني وأثلجت صدري وأنعشتني. أحببت الجمهور اللبناني ومسرح المدينة وأتمنى أن نلتقي مرة أخرى بعروض جديدة على مسارح لبنان التي تحمل تاريخاً ووعياً ثقافياً.