تُعرّف نفسها بـ«بنت الشتات» وتنشط لسرد حكاية وطنها في مونتريال
بيروت ـ «القدس العربي»: تعيش في كندا منذ حوالي ربع قرن. أتت وفاء لوباني وحيدة، ومن ثم اجتمع شملها حين حصل خطيبها على فيزا. ومن حينها تواصل جهودها بهدف اختصار معاناة كل وافد جديد ليس من الفلسطينيين وحسب بل من كافة الجنسيات، فهي عانت وأضاعت وقتاً حتى تلمّست الطريق. إنها وفاء لوباني التي تعرّف عن ذاتها بـ«بنت الشتات». والداها غادرا قريتهما سعسع في الجليل في طفولتهما الأولى. وفي لبنان كانت فلسطين حاضرة في كل مناحي الحياة، فالشتات واللجوء لا يتركان فرصة للنسيان.
في كندا بنت وفاء لوباني جسراً حيث أمكنها لتخبر قصتها. قصة فلسطين وأهلها من المشتتين والممنوعين من وطنهم وأرضهم. وأنشأت جمعية «شاريتاس» لمساعدة الطلاب الجدد لرسم طريقهم منذ بداية وصولهم.
مع الناشطة في مدينة مونتريال وفاء لوباني هذا الحوار:
○ هل كان سهلاً تحصيل فيزا إلى كندا للاجئة من فلسطين إلى لبنان؟
• أبداً. ثلاث سنوات امتدت بين تقديم الطلب واستلام الفيزا. دراستي الجامعية ومجال عملي ساهما بحصولي على نقاط عالية للحصول على الفيزا. أنجزت دراستي في جامعة بيروت العربية في علمي الاجتماع والنفس، وفي الوقت عينه كنت أُدرّس الأدب الإنكليزي في مدرسة الدوحة في الجية حيث سكننا العائلي. كما نلت دبلوماً في المحاسبة. لاحقاً تقدمت للعمل في شركة كبيرة، ونجحت المقابلة. بالوصول لطلب التوظيف وكتابة جنسيتي الفلسطينية، اصطدمت بقانون العمل اللبناني الذي يمنع اللاجئين الفلسطينيين من شغل عشرات الوظائف والمهن. صدمة صدّت طموحي الذي كان كبيراً. تشاركت الصدمة مع مجموعة من الخريجات والخريجين من فلسطينيي لبنان. لهذا تقدمنا جميعنا بطلبات هجرة إلى القنصلية الكندية في جونية، ولم تكن السفارة مفتوحة بعد. ضربة حظ نجحت بها والحمدلله. أذكر أن المقابلة مع موظفة السفارة الكندية في سوريا استغرقت 45 دقيقة بدل 20. فالمسؤولة عنها رغبت بمعرفة تفاصيل عن وضع المرأة الفلسطينية في مخيمات لبنان.
○ وماذا عن بدايات الهجرة إلى مونتريال؟
• لم تكن موحشة، فخلال انتظاري للفيزا عقدت خطوبتي، وكان شقيق خطيبي مهاجراً إلى مونتريال، لهذا كان الاستقبال سهلاً. إنما واجهت مصاعب لجهة متابعة الدراسة والعمل. الاتصال والتواصل في التسعينيات لم يكن، بسهولة اليوم، حتى أني تشوقت لسماع اللغة العربية في الشارع، وحين يحدث كنت أسارع للتواصل والاستيضاح كي أتمكن من معرفة الطريق الواجب سلوكه. جهلي للغة الفرنسية كان معضلتي الأساسية. عشت لسنوات غربة اللغة، والغربة الثقافية والاجتماعية. لاحقاً تعرّفت إلى عائلة أجنبية ساعدتني ووضّحت لي كندا كما يجب، وعندها تمكّنت من تحديد مساري.
○ وكيف تعارفت مع العائلة الكندية؟
• إنها سيدة التقيتها في الجمعية النسائية في مخيم برج البراجنة وكانت متطوعة، أعطتني أفكاراً مبدئية كنت أحتاجها. ولاحقاً تعرّفت إلى سيدة تعمل في جمعية «سيات» ودعتني للتطوع، وتعريف الأعضاء إلى الواقع الفلسطيني في لبنان. تطوعت على مدى ستة أشهر، وساعدتني تلك السيدة بمد جسور بيني وبين مدينة مونتريال. وبدأت دراسة اللغة الفرنسية بهدف تواصل أفضل مع المجتمع الذي أعيش فيه. عشت وحيدة على مدى سنتين، وبعدها حصل زوجي على فيزا.
○ كيف تصفين سنوات هجرتك حتى الآن؟
• بعد أشهر أختم السنة الـ24 للهجرة. إنها رحلة تغيير أتاحت لي لاحقاً دخول الجامعة، فدرست مقررات خاصة بالمجتمع الكندي. لكل بلد قانونه، ولكل جامعة متطلباتها. الباب لأية دراسة يُحتم فهم الوضع الاجتماعي للبلد الذي نعيش فيه. لاحقاً بت أماً، ومسؤولة عن ابنتي. ومن ثمّ جاءت الولادة الثانية.
○ أتيت من لبنان حيث الحالة الفلسطينية نشطة. هل وجدت في كندا نشاطاً طلابياً؟
• كفلسطينية إبنة الشتات كانت الحياة بالنسبة لي منذ البداية صراعاً. وكان التحدي بتجميع القوة للوقوف بثبات. والتحدي الآخر سرد قصتنا وشرح أوضاعنا الاجتماعية، وإلى ماذا نهدف. العالم بشكل عام كان ينظر إلينا كأرقام. وكان ضرورياً الإقرار بحقيقة شعبا الذي ينهل العلم بالقوة. فبيننا وفي الشتات الأطباء والمهندسون، والنشطاء المتفانون في خدمة شعبهم. مع العلم أن الاختلافات موجودة بين فلسطينيي الشتات، وهي بارزة بين لبنان وسوريا والأردن، فكل بقعة جغرافية لفلسطينيي الشتات تفرض قانونها عليهم. معاناة المرأة الفلسطينية كانت كبيرة في الشتات، وقد أجمعت الأمهات على ضرورة تحصيل العلم والثقافة، كونهما السلاح الأول لإيصال سردية شعبنا وما لحقه من ظلم، إضافة لكونهما يساعدان بالاندماج.
○ هل وجدت من يستوضح عن حال فلسطينيي الشتات؟
• قلّة نادرة تعرف معاناة أهل الشتات. تتوضّح الصورة من خلال اللقاءات والتعريف بالهوية والانتماء إلى الشتات الفلسطيني في لبنان. تعرّف البعض في كندا إلى حال الفلسطينيين في مخيمات لبنان من خلال المتطوعين، وهؤلاء جاؤوا ضمن برنامج قائم من قبل الحكومة الكندية.
○ وهل ما يزال برنامج التطوع قائماً من قبل الحكومة الكندية؟
• قائم بحدود عدد الجمعيات التي ترغب بالمشاركة في هذا التطوع، وهناك برنامج لتبادل الطلبة، وكان يُشكل عاملاً مساعداً في الإطلاع على واقع الشتات الفلسطيني في لبنان.
○ وهل كان نشاطك في الجانب الاجتماعي منطلقاً من مؤسسة فلسطينية قائمة في كندا؟
• بدءاً كان النشاط تطوعيا شخصيا بدافع الحفاظ على انتمائي وهويتي. وكذلك التواصل مع المؤسسة الكندية الفلسطينية في مونتريال التي تمثّل الجالية ومعترف بها من الحكومة، إلى التواصل مع طلاب من مختلف أنحاء العالم، فمن المفيد توضيح الواقع الفلسطيني في الشتات.
○ كم كان متاحاً الشرح لممثلي الطلاب بأن فلسطين هو البلد الوحيد المستعمر في العالم؟
• إنها قضية إعلام وتأثيره في الرأي العام، بعضهم لا يعرف بوجود فلسطين، يعرفون فقط إسرائيل. الحوار يختلف مع شخص أجنبي ولد وعاش دون أن يسمع بفلسطين. الحوار المطلوب أن يؤدي إلى اقناع يحتاج لوثائق، كما أنهم لا يستوعبون عملياً كيف يُمنع فلسطينيو الشتات من العودة إلى بلدهم. كل هذا يحتاج لوثائق وليس مجرد كلام، فالأجنبي يرغب بالجمع بين الاستماع وقراءة الوثيقة.
○ وهل تتوفر المطبوعات الضرورية باللغات الأجنبية؟
• قبل سنوات كانت المطبوعات غير متوفرة بما يكفي، حالياً باتت الدراسات باللغات الأجنبية متوفرة، كذلك باتت في مونتريال مراكز تحكي عن القضية الفلسطينية، وبكل اللغات الحية من عربية وفرنسية وإنكليزية وإسبانية.
○ وماذا عن المواجهة مع اللوبي الصهيوني وخاصة على صعيد الجامعات؟
• مواجهة لن تنتهي. المتغير يتمثّل بحضور القضية الفلسطينية في الإعلام بعد تغييب لزمن طويل. تغيرت الظروف خاصة على صعيد الإعلام بضغط وسائل التواصل، لكنّ المواجهة مستمرة. العمل من ضمن القانون وبهدف الشرح وتسليط الضوء على فلسطين كقضية سامية، وإنسانية وشعب ممنوع من أرضه، بات أمراً متاحاً بنسبة كبيرة، إنما الصعوبات موجودة دائماً، والمواجهات كذلك لكنّها تختلف بالكيفية والمكان.
○ أين يتكثّف حضورك كناشطة من أجل القضية الفلسطينية؟
• كوني بنت الشتات الفلسطيني، من أهدافي تأكيد قوتنا وإيصال رسالتنا أينما كنّا، والمطالبة بحقنا في وطننا. أركز في حضوري كناشطة على إيصال القضية الفلسطينية على المستويات الاجتماعية والثقافية، وذكر الأسماء اللامعة من بين فلسطينيي الشتات على مستوى الوطن العربي والعالم. وأنشط منذ زمن بعيد في المؤسسة الكندية الفلسطينية ومع الجاليات العربية الأخرى. ومنذ تسعة أشهر أشغل منصب نائبة المدير، وهو عمل تطوعي. وفي هذه المؤسسة تتبدل أسماء الهيئة الإدارية كل سنتين، لكننا كفلسطينيين نعمل للتنسيق والتكتُّل وندعم كل جمعية تطوعية تعمل من أجل فلسطين. وهناك متطوعون لمساعدة كل وافد جديد من فلسطين. كما أعمل من خلال مؤسسة «شاريتاس» التي أنشأتها قبل ست سنوات، لتوجيه الوافدين الجدد إلى كيبك ومن مختلف الجنسيات. والهدف أن يتخطى الجدد الصعوبات التي واجهناها نحن ولم نجد من يرشدنا إلى الطريق الصحيح، مع الأخذ بالاعتبار الاختلاف بين الزمن الحالي وما سبقه بحوالي الربع قرن. تبادل المعلومات والتوجيه متيسر حالياً ودون حدود.
○ هل من مناسبات خاصة بفلسطين يتمّ احياؤها سنوياً بمونتريال؟
• بالطبع نحي كافة المناسبات الخاصة بفلسطين، انطلاقاً من الجامعات والمؤسسات المعنية. لا نترك مناسبة فلسطينية تاريخية من دون تسليط الضوء عليها لتقديم المعلومة للناس، وتكوين ثقافة عن هذا الحدث، وتلك المناسبات يلتقي حولها العرب جميعهم في مونتريال، والالتفاف العربي تجلى في الكثير من المناسبات منها انفجار الرابع من آب في بيروت، هذا الحدث الكبير أوجعنا جميعنا.
○ كم تلمسون الالتفاف حولكم كفلسطينيين تحكون عن قضيتكم؟
• الالتفاف كبير وملموس نتيجة الوعي، وبات بالإمكان إيصال القضية الفلسطينية عبر الإعلام بحرية أكبر. ومن المهم أن نذكر أنّ توافد المزيد من العرب إلى كندا يعني مزيداً من السرد حول القضية الفلسطينية. في بدايات وجودي في كندا وعندما بدأت دراسة اللغة الفرنسية لم يكن اسم فلسطين موجوداً على الخريطة وكذلك على صعيد الحكومة الكندية. لعب الإعلام دوراً في التغيير، وكذلك الحركة الدؤوبة لإيصال صوت القضية الفلسطينية، والشباب والشابات الفلسطينيين والعرب كذلك يسردون الحكاية الفلسطينية وكأنهم عاشوا النكبة. وقد بدأ المهاجرون الأوائل من اللاجئين الفلسطينيين بتقديم خبرتهم وتجربتهم ومسار هجرتهم إلى كندا، والمصاعب التي مروا بها، للجدد.
○ وماذا عن اللغة العربية والأجيال الشابة؟
• معرفة اللغة اقله تخاطباً تعود للأهل، فالمدارس التي تعلّم اللغة موجودة. ابنتي البكر تتكلّم العربية وتكتبها، واخوتها يتكلمونها فقط. اللغة موجودة على صعيد التداول. وإيصال القضايا العربية يكون باللغة الفرنسية أو الإنكليزية.
○ وماذا تقول «بنت الشتات» عن شتات عائلتها؟
• والديّ ولدا في فلسطين في بلدتنا سعسع في الجليل، وغادراها بعمر 2 و3 سنوات. كان الاستقرار الأول في بيروت ومن ثم إلى طرابلس. جدي كان من كبار بلدته، بدأ العمل بضمان حقول الزيتون وغيرها من المحاصيل، وأرسل أبناءه للدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت، ولاحقاً انتقلت العائلة للعيش في بيروت في منطقة برج البراجنة على طرف المخيم. تزوج والديّ وعاشا خارج المخيم لكنهما أسسا لاحقاً منزلاً داخله. فالعيش في المخيم يشكّل هوية. وحسب تجربتي العيش خارج المخيم فيه استبعاد ولو طفيف عن الهوية. في المخيم نعيش القضية، خاصة بعد المجازر والمصاعب والحروب التي مرّ بها الفلسطنيون في لبنان.