وفاة الرئيس مرسي المثيرة للشك: هل من إمكانيات لتحقيق دولي؟

عبد الحميد صيام
حجم الخط
1

نيويورك-“القدس العربي”:  توفي الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي عصر الاثنين الماضي أثناء جلسة محاكمته بتهمة التخابر مع جهات أجنبية (أي حركة حماس) حيث ورد في الأخبار الرسمية أنه تحدث أمام المحكمة مدة خمس دقائق أو أكثر وأدى ذلك إلى انفعال شديد أصيب بعدها بحالة إغماء حاد نقل بعد عشرين دقيقة إلى مستشفى سجن ليمان طرة، حيث أعلن عن وقوع الوفاة قبل وصول الجثمان إلى المستشفى. وعلى عجل تمت مراسم الدفن صباح الثلاثاء بعد صلاة الجنازة في مستشفى السجن. ولم يصلّ عليه إلا أسرته، وتم الدفن في مقابر مرشدي جماعة الإخوان المسلمين في مدينة نصر لرفض الجهات الأمنية دفنه في مقابر الأسرة بالشرقية حسب وصيته.

وقد أثارت هذه الحادثة موجة من الانتقادات والتعليقات اللاذعة عربيا ودوليا واتهامات بالتعمد في إنهاء حياته لدرجة أن صحيفة “اندبندت” البريطانية كتبت “قتل مرسي”. وتتمحور الاتهامات حول سؤال أساسي: هل توفي مرسي بشكل طبيعي أم أن هناك عوامل إضافية دخلت على مسيرة القدر فعجلت من وفاته ما ينقل الحالة من موت طبيعي إلى جريمة أخفيت دلائل ارتكابها، تذكرنا بحالات شبيهة ما زالت تثير كثيرا من الجدل وأهمها موت الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والزعيم المصري جمال عبد الناصر والرئيس الجزائري هواري بومدين والثائر الفلسطيني وديع حداد؟ فعلم الجريمة اليوم من التطور بحيث يتمكن أي جهاز مخابرات على درجة من الحرفية العالية أن يقحم مواد سامة إلى الجسم بطريقة فنية وسرية تؤدي إلى موت الشخص حتميا في الزمان والمكان المطلوبين.

الموقف الأممي

 

بعد بيان تعزية من المتحدث الرسمي للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، صدرت عدة بيانات تعزية معظمها تركز على الناحية الإنسانية. وهذا الإجراء بروتوكول متبع في الأمم المتحدة بحيث تتم التعزية العادية عند وفاة رئيس سابق. أما إذا كان الميت رئيسا عند الوفاة فيتم إنزال علم الأمم المتحدة إلى المنتصف مع علم الدولة المتوفى رئيسها.

لكن المفوضية العليا لشؤون حقوق الإنسان كان لها موقف مختلف، ويجب أنه يكون كذلك بصفتها الطرف الدولي المسؤول عن القانون الدولي فيما يتعلق بحقوق الإنسان. فمن واجب المفوضية أن ترفع صوتها عاليا عند شبهة انتهاك القانون الدولي لمنظومة حقوق الإنسان وهو ما حدث بالنسبة لوفاة مرسي وليس تسييسا للأمر كما قال المتحدث الرسمي المصري، بل هو من صلب مسؤولية ميشيل باشيليه، المفوضة السامية لحقوق الإنسان، وإلا فستتعرض للانتقاد لو بقيت صامتة، وكأن الأمر لا يعنيها. فهي ليست أمينا عاما للجامعة العربية ولا لمنظمة المؤتمر الإسلامي ولا لدول مجلس التعاون الخليجي، إنها تمثل ضمير العالم كله في موضوع حقوق الإنسان. وقد آثر المفوض السابق، الأمير زيد بن رعد الحسين، عدم تجديد ولايته لأنه رفض محاولات بعض المسؤولين العرب إسكات صوته بالضغط عليه من خلال الضغط على الأردن لتجيير مواقفه لصالح دول عربية متهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في اليمن.

جاءت تصريحات المتحدث الرسمي باسم مفوضية حقوق الإنسان، روبرت كولفيل، الثلاثاء واضحة تماما. قال: “أي وفاة مفاجئة أثناء الاعتقال يجب أن يتبعها تحقيق سريع وحيادي وشامل وشفاف من جانب هيئة مستقلة لتوضيح سبب الوفاة”. وأضاف: “لقد أثيرت مخاوف بشأن ظروف احتجاز مرسي، بما في ذلك إمكانية وصوله إلى الرعاية الطبية الكافية، ووصوله الكافي إلى محاميه وعائلته خلال فترة احتجازه ست سنوات، ويبدو أنه احتجز في الحبس الانفرادي لفترات طويلة”.

إذن هناك مجال للشك لا يدحضه إلا اليقين. فإذا ليس لدى الدولة المصرية ما تخفيه فلتقبل التحقيق معلنة أنها ستتعاون مع المحققين وليس لديها أي مانع من التحقيق، لكن رد الحكومة المصرية اتسم بالعصبية والحنق والتهرب من المسؤولية.  عندما أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، أحمد حافظ، بعد أن استنكر تصريح المفوضية بأشد العبارات، أن دعوة المتحدث الرسمي للتحقيق “تنطوي على محاولة تسييس حالة وفاة طبيعية بشكل متعمد. إن تلك التصريحات لا تليق البتة بمتحدث رسمي لمنظمة دولية كبيرة”.

وقد أوضح كولفيل في بيانه الأسباب الموضوعية التي تستوجب التحقيق، مؤكدا ما يعرفه القاصي والداني أن مرسي لم يكن يتلقى العناية الطبية خلال سنوات سجنه الست، وأن الوفاة لا تبدو طبيعية، وليس لأحد أن يقول غير ذلك، وأن المتاعب الصحية التي كان يعاني منها الراحل لم تحدث فجأة. وقال بصريح العبارة: “ينبغي على مصر تقديم معلومات حول الحالة الصحية لمرسي، وأعتقد أنه توفي جراء سوء المعاملة وظروف الاحتجاز”.

ولحقت بالمفوضية العليا لحقوق الإنسان كل من منظمة “هيومن رايتس ووتش” ومنظمة “العفو الدولية” اللتين طالبتا السلطات المصرية بإجراء تحقيق فوري في وفاة الرئيس مرسي. وهو ما يعزز مصداقية دعوة المفوضية للتحقيق المهني والمستقل والشفاف في الحادثة. إلا أن مصر الرسمية لا تملك إلا أن تتهم هذه المنظمات جميعها بمعاداة مصر وربما مأجورة للإساءة إلى سمعة مصر وسمعة رئيسها عبد الفتاح السيسي.

منظمات حقوقية مصرية تطالب بالتحقيق

 

وطلب التحقيق في موت مرسي ليس دوليا فحسب، بل إنه مصري أيضا حفاظا على سمعتها واحترامها لحقوق الإنسان. فقد طالبت عشر منظمات حقوقية مصرية بالسماح للجنة من الصليب الأحمر الدولية والمنظمات الدولية والمجلس القومي لحقوق الإنسان، السماح لفريق من خبراء مستقلين تابعين للأمم المتحدة من أجل الوقوف على أسباب وفاة مرسي والتحقيق في الأمر، ومحاسبة المسؤولين عن الإهمال الطبي الذي تعرض له الرئيس. والمنظمات العشر هي: الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، والمنبر المصري لحقوق الإنسان، واللجنة من أجل العدالة، ومبادرة الحرية، ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ومركز النديم، ومركز عدالة للحقوق والحريات، والمفوضية المصرية للحقوق والحريات، ومركز بلادي للحقوق والحريات، ومؤسسة حرية الفكر والتعبير.

وجاء في في بيان مشترك “واقعة وفاة مرسي بهذه الطريقة الصادمة أثناء محاكمته، نتيجة الإهمال الطبي والحرمان من الرعاية الصحية، تفضح اتجاه النظام الحالي للانتقام من خصومه السياسيين في السجون، بالتعذيب والإهمال حد القتل العمدي البطيء والحبس الانفرادي”.

وأكدت المنظمات العشر أن مرسي لن يكون الأخير إذا استمر الوضع كما هو عليه، مشيرة إلى أن هناك آخرين خلف القضبان ينتظرون المصير نفسه، طالما بقيت السجون المصرية بمعزل عن المراقبة الفعالة من جهات مستقلة. كما حملت السلطات المصرية مسؤولية الوفاة، مؤكدة أنه “من غير المعقول أن يتم التنكيل برئيس سابق وحرمانه من الرعاية الطبية اللازمة رغم النداءات المحلية والدولية”.

التحقيق الدولي وشروطه

 

ولأن مثل هذه الحالات نادرة ومعقدة، فلا حل لها إلا بالتحقيق الدولي المحايد والمهني والشفاف. وهو ما تسمح به الدول إن كان ليس لديها ما تخفيه، كما فعل لبنان في موضوع التحقيق في مقتل الحريري وما فعلت باكستان في مقتل بنظير بوتو. بينما لم تفعل ذلك السعودية في مقتل عدنان خاشقجي لأنها تخشى التحقيق. فالتحقيقات في مثل هذه الحالات كانت خيارا يتطلب تعاون الأطراف المعنية. أما في حالة مرسي فالقانون الدولي يستوجب التحقيق أي أنه ليس خيارا لأن المتوفي قضى وهو قيد الاعتقال. أي أن الجهة المسؤولة عن الاعتقال تصبح مدانة إلى أن تثبت براءتها وليس العكس. ولنفرض مثلا أن عبد الباسط المقرحي، المتهم بتفجير طائرة “بان آم” فوق بلدة لوكربي الأسكتلندية عام 1988 توفي وهو قيد الاعتقال لتحملت السلطات الأسكتلندية المسؤولية الكاملة حتى لو كان مصابا بالسرطان. ولذلك أفرجت عنه أمام العالم لأسباب إنسانية كي لا يموت وهو داخل السجن وبالتالي تتحمل الدولة المسؤولية.

والأسئلة التي تتطلب إجابة التحقيق المستقل والشفاف والمهني عنها كثيرة وأهمها:

هل كان هناك إهمال طبي متعمد وهل كان يعطى جميع أدويته؟ لماذا منعت زيارات الأهل لمرسي؟ ففي خلال ست سنوات لم يلتق بعائلته إلا ثلاث مرات. لماذا بقي مرسي معظم سنوات سجنه في الحبس الانفرادي؟ لماذا منع من التواصل المستمر مع محاميه؟ لماذا ترك مغشيا عليه في المحكمة مدة عشرين دقيقة؟ لماذا التعجيل بالدفن قبل تشريح الجثة؟ ولماذا دفن بشكل سريع بعيدا عن وسائل الإعلام؟

والأهم من كل تلك الأسئلة، في رأينا، أن يقوم فريق التحقيق المستقل والمهني بمقارنة تفصيلية بين الطريقة التي عومل بها مرسي مع تلك التي عومل بها الرئيس المخلوع حسني مبارك والذي يكبره بثلاث وعشرين سنة وكان قد سبقه إلى السجن بأكثر من سنتين. فهل يملك النظام المصري الشجاعة لقبول هذا التحقيق؟ الجواب: نعم إذا كان ليس لديه ما يخفيه.

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية