وفاة الطفل يحيى ياسين جوعا… وآلية تقطير المساعدات تزيد الأزمة … وسكان غزة يذوقون صنوفا من العذاب

أشرف الهور
حجم الخط
1

غزة – «القدس العربي»: لم تساهم الآلية التي أعدتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في حل أزمة الجوع في قطاع غزة، من خلال سماحها بدخول عدد محدود جدا من الشاحنات التي تقل مساعدات غذائية للسكان، بعد أكثر من شهرين ونصف من الحصار المشدد.
ولم تفلح الآلية الجديدة في وصول أبسط أنواع الطعام وهو «الخبز» للسكان، إذ سُجلت عمليات نهب وسرقة لعدة شاحنات مساعدات تقل الدقيق من قبل جائعين، فيما لم تستطع آلية عمل المخابز إنهاء ازمة رغيف الخبز، بسبب الطريقة الجديدة التي اعتمدت على توزيع الخبز عبر نقاط متعددة، حيث اشتكى غالبية السكان من عدم حصولهم على الحصة اليومية.

شح الطعام

وحتى بعد أسبوع من إعلان إسرائيل فتحا تدريجيا لمعبر غزة التجاري، فإن شح المواد التموينية لا يزال على حاله، إذ تخلو الأسواق من الكثير من الأغذية خاصة الخضروات واللحوم، فيما يباع ما توفر منها بأثمان مرتفعة جدا، ويقول السكان أن غالبية بسطات البيع أغلقت، فيما تواصل الأسر طحن العدس والأرز والفاصولياء والمعكرونة لتكون بديلا للدقيق الذي نفد من منازلهم.
ويؤكد برنامج الأغذية العالمي، أن دخول مساعدات محدودة أخيرا «لا يكفي لإبقاء فلسطينيي القطاع على قيد الحياة»، وشدد على الحاجة لإدخال مزيد من المواد الغذائية الأساسية إلى قطاع غزة لدرء خطر المجاعة. ويقول محمود جمعة، وهو يقطن في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، إنه اندفع كأخرين كثر إلى مخبز مشمول في اتفاقية برنامج الغذاء العالمي، للحصول على ربطة خبز بوزن أقل من 3 كيلو غرامات، غير أنه بعد أن أمضى هناك ساعات طويلة لم يحصل على أي رغيف، إذ أبلغ أن عملية التوزيع ستكون مغايرة للشكل السابق، من خلال بيعه بثمن منخفض للسكان، ونقل الكميات المنتجة من الخبز إلى مناطق السكن ومراكز الإيواء لتوزيعها.

الركض وراء رغيف الخبز

وإلى مكان التوزيع المخصص هرول محمود برفقة رجال قال إن الكثير منهم لم يستطع تحمل مشقة المشي لكيلومترين تقريبا، من شدة الإعياء والجوع، غير أن التكدس البشري الذي أحاط بنقطة التوزيع، بسبب تدافع المواطنين حال دون حصوله على رغيف خبز واحد، ليعود إلى منزله دون انجاز المهمة، ويقول لـ «القدس العربي» إن طعام الأسرة بالكاد أشبع الأطفال والنساء، بعد الحصول على بعض المعكرونة التي أحضرها شقيقه من إحدى «تكايا» الطعام.

الناطق باسم «الأونروا» لـ «القدس العربي»: غزة تعيش أسوأ مراحلها

وانتشرت على مواقع التواصل لقطات تظهر التدافع البشري الكبير أمام نقاط توزيع الخبز، كما انتشرت لقطات توثق عملية سرقة شاحنة دقيق خلال مرورها إلى أحد مراكز التخزين، ويرى سكان غزة أن طريقة إدخال المساعدات الحالية لم تحل الأزمة، وأن أي منهم لم يشعر بتغيير ملحوظ فيما بقيت مستويات الجوع على حالها.
من بين من حصلوا على ربطة خبز كان عبد الله مغاري الذي أكد لـ «القدس العربي» إن أيا من أفراد الأسرة لم يتذوق طعم الخبز منذ 10 أيام، بعد نفاد آخر كمية، وأنهم استبدلوا ذلك بدقيق مصنوع من العدس والمعكرونة، كما اعتمدوا على وجبات جاهزة «تكايا» الطعام، كانت إما معكرونة، أو فاصولياء أو عدس، وقد تحدث كغيره عن بكاء أطفال العائلة من شدة الجوع مرات عديدة، فيما وقف رجال ونساء العائلة عاجزين أمام بكاء الجوع الممزوج بالتوتر والخوف.
وبسبب الجوع، أعلنت وزارة الصحة عن وفاة الطفل يحيى ياسين (4 سنوات)، والذي كان يرقد في المشفى المعمداني في مدينة غزة، بسبب سوء التغذية المنتشر بشكل خطير بين سكان القطاع.
وفي جنوب قطاع غزة، حيث تقطن أعداد كبيرة من السكان والنازحين في المناطق الغربية لمدينة خان يونس لم يكن الأمر مغايرا، فالوضع هناك كان مشابها لما تعيشه باقي مناطق القطاع، فعمليات التوزيع لم تفلح في إنهاء أزمة «رغيف الخبز».
ومنذ الأسبوع الماضي، حين وافقت سلطات الاحتلال تحت ضغط دولي كبير على إدخال المساعدات لغزة، لم تمر سوى عشرات الشاحنات، وهو ما يشبه عملية «التقطير»، بالنسبة لاحتياجات السكان حيث قدرت الجهات المختصة حاجة السكان لأكثر من 500 شاحنة مساعدات يوميا، من أجل التخفيف من حدة الأزمة التي تهدد حياة السكان بالموت جوعا.
وبسبب قلة المساعدات التي دخلت لم تحصل أي من أسر قطاع غزة على أي طرود مساعدات، ليستمر بذلك توقف عملية التوزيع منذ أكثر من شهرين، ويطلب السكان في هذا الوقت العودة إلى برنامج توزيع الدقيق من قبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا» بشكل مباشر على أرباب الأسر، ليتم صنع الخبز منزليا، بدلا من الطريقة الحالية.

أوضاع خطيرة

ويقول عدنان أبو حسنة الناطق باسم «الأونروا» لـ القدس العربي» إن ما دخل من مساعدات خلال الأيام الماضية كان ضئيلا جدا، وكان عبارة عن 130 شاحنة، لعدة جهات، مؤكدا أنها لا تكفي احتياجات سكان غزة المتعاظمة بسبب الأوضاع الصعبة التي خلقتها ظروف الحرب، لافتا إلى أن هناك شاحنات تعرضت للسرقة والنهب، وأن السلطات الإسرائيلية حددت «مسارات غير آمنة» لهذه الشاحنات، مما عرضها للسرقة، سواء تلك التي تمر من «محور فيلادلفيا» أو على الطريق الساحلي، التي يوجد فيها تجمعات كبيرة من السكان الجائعين.
ويؤكد أبو حسنة أن عملية إدخال المساعدات بهذه الطريقة «لن تقدم ولن تؤخر في هذه المجاعة»، مطالبا بدخول 500 شاحنة يوميا، «من أجل مواجهة حالات موت السكان جوعا، والذي يتهدد مئات الآلاف من الفلسطينيين».
وفي الوقت ذاته استنكر الناطق باسم «الأونروا» تشكيل المؤسسة الجديدة للمساعدات تحت اسم «مؤسسة غزة الإنسانية» وقال «كيف نتقبل مؤسسة إنسانية أن تكون ذراعا في تنفيذ أجندة سياسية وعسكرية تهدف إلى تهجير السكان إلى جنوب القطاع، ومن ثم ترحيلهم إلى خارج غزة»، وأكد أنه لا بديل حقيقيا لاستخدام آلية الأمم المتحدة ومؤسساتها من أجل إيصال المساعدات لسكان غزة، لافتا إلى أن خطة المنظمات الأممية التي عملت على مدار 18 شهرا بنجاح، عرضها الأمين العام في مؤتمر صحفي مؤخرا، وتشمل كيفية إدخال المساعدات والمسارات وآليات التوزيع وكيفية الوصول إلى كل السكان. وأكد أن الوضع في غزة خطير وهناك مئات الآلاف يتضورون جوعا، لافتا إلى أن هناك 250 ألف فلسطيني جرى تصنيفهم ضمن المستوى الخامس من الجوع، وهو المستوى الأخطر، حيث بعده الموت، فيما هناك مليون فلسطيني ما بين الدرجة الرابعة والخامسة، وهؤلاء قد ينتقلون للمرحلة الخطيرة في أي لحظة، فيما هناك ارتفاع كبير في عدد المرضى، حيث تعالج الطواقم الطبية التابعة لـ «الأونروا» حسب أبو حسنة 18 ألف مريض، وقال «هذا رقم كبير جدا»، مشيرا إلى نفاد أكثر من 41 في المئة من مخزون الأدوية تماما، فيما هناك تسارع في استهلاك المستلزمات الطبية، في ظل انهيار النظام الصحي، وأشار إلى أن سكان قطاع غزة يتواجدون حاليا في مساحة ضيقة تقدر فقط بـ 20 في المئة من مساحة القطاع، فيما 80 في المئة من المساحة تعد مناطق يحظر التحرك فيها، وقال «إن غزة تعيش أسوأ مراحلها، وأخطر من النكبة الأولى».
وقد وضعت إسرائيل خطة مساعدات جديدة بدلا من السابقة، تريد من خلالها السيطرة على المساعدات، وحصرها في أماكن محددة تدفع السكان إليها لاستلام حصصهم، وذلك من خلال إيكالها إلى مؤسسة قامت الولايات المتحدة بإنشائها مؤخرا، تعتمد على شركة أمنية لتوفير الحماية لطواقم التوزيع، التي ستكون على مقربة من تواجد جيش الاحتلال داخل قطاع غزة، وهي خطة رفضت الأمم المتحدة المشاركة فيها، كما حذرت جهات فلسطينية من خطورة الخطة التي تهدف إلى دفع السكان للنزوح إلى مناطق محددة، بهدف تنفيذ مخطط التهجير القسري لاحقا، وهو أمر لم يخفه مسؤولون كبار في حكومة اليمين الإسرائيلية.
ولذلك كرر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرتش، رفض أي مخطط لتوزيع المساعدات «يفشل في احترام القانون الدولي ومبادئ: الإنسانية والنزاهة والاستقلال والحياد»، وأكد أن الأمم المتحدة وشركاءها لديهم خطة مفصلة قائمة على المبادئ من خمس مراحل، مدعومة من الدول الأعضاء لتوصيل الإغاثة إلى المحتاجين إليها في غزة.

مخاوف فلسطينية

ونددت فصائل فلسطينية عدة بخطة إسرائيل لإدخال المساعدات، وحذرت الجبهة الشعبية من الخطة الإسرائيلية–الأمريكية التي يجري تنفيذها في قطاع غزة تحت غطاء المساعدات الإنسانية والتي تقوم على توزيع المساعدات عبر شركات أمنية خاصة مشبوهة، يقودها عسكريون سابقون في أجهزة استخباراتية، بهدف تجاوز مؤسسات الأمم المتحدة، ونزع الشرعية عن الوكالات الدولية، وقالت إن ️ما تشهده بعض المناطق في القطاع من محاولات عصابات منظمة للسطو على المساعدات ونشر الفوضى، هو جزء من هذا المخطط، تقف خلفه جهات مرتبطة بالاحتلال.
وقالت الجبهة الديمقراطية «إن التقطير بإدخال المساعدات إلى القطاع لن يحل أزمة الجوع، ولا يسد الحاجة الماسة لكل السكان الذين مضى على حصارهم حوالي ثلاثة أشهر، بلا طعام ولا دواء ولا ماء»، وطالبت الجهات المعنية في المجتمع الدولي بتكثيف الضغط على حكومة الاحتلال لفتح معابر القطاع على مصراعيها. ويقول المكتب الإعلامي الحكومي، إن الاحتلال يواصل خطة «هندسة تجويع المدنيين في قطاع غزة»، من خلال إغلاق المعابر والتَّحكم بالمساعدات وتنفيذ إبادة جماعية ممنهجة، لافتا إلى تكدس مئات آلاف الأطنان من المساعدات الإغاثية والإنسانية في الخارج، والتي تعرضت للتلف والتعفّن نتيجة منع إدخالها منذ شهور طويلة، بينما يعاني سكان القطاع من مجاعة متفاقمة ووضع إنساني بالغ الخطورة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية