ليست مصادفة تزامن زيارة وفد أنصار الله إلى طهران مع التطورات المثيرة في عدن التي تتجه بعموم الجنوب اليمني نحو الانفصال، وأنها جاءت بعد فتح الإمارات العربية المتحدة، قناة خلفية مع الإيرانيين الذين كما هو واضح، ينقلون إلى العلن، دعمهم للجماعة التي يقودها عبد الملك الحوثي وتحكم سيطرتها على الشمال اليمني، ما يعطي انطباعاً أولياً أن هناك تفاهماً ما على تقاسم اليمن وتكريس الانفصال…ولو بعد حين.
وإذ حظيت زيارة الوفد اليمني وكان برئاسة المتحدث الرسمي باسم حركة أنصار الله محمد عبد السلام، باهتمام ملحوظ من القيادة الإيرانية، في الشكل وفي المضمون، فإن الاتصالات السرية بين طهران وعواصم خليجية حول التطورات الخطيرة التي عاشتها المنطقة على وقع ما سمي بأزمة الناقلات، خرجت هي أيضاً إلى العلن، وقام وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بزيارة لافتة إلى الدوحة ليسلم أميرها رسالة خطية من الرئيس حسن روحاني حول مقترحه بشأن إيجاد نظام أمن إقليمي باركته موسكو حتى قبل إعلانه ودفعت باتجاهه من خلال الإعلان عن خطوة ضغط على المنافس الأكبر واشنطن وحلفائها، وهي إجراء مناورات عسكرية مشتركة في محيط مضيق هرمز.
ظريف الذي وصف لقاءه بالشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالناجح، قال إن محادثاته ركزت على ايجاد تفاهمات تشمل الأزمة اليمنية لمنع التقسيم وتفادي الانزلاق بالمنطقة إلى حرب “أكون أو لا أكون” وذلك قبل أن يقوم بزيارة الكويت لتسليم أميرها الشيخ صباح الأحمد رسالة مماثلة من روحاني سلطت الضوء بشكل خاص على اليمن ورغبة عبد الملك الحوثي في إجراء حوار مباشر مع السعودية للتحضير إلى مؤتمر حوار وطني مع كافة أطراف الصراع في اليمن باستثناء القاعدة ومشتقاتها.
ويبدو من الحفاوة التي حرصت طهران على إظهارها للوفد الحوثي واستقبال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي لرئيسه بالجنبية اليمانية وهي رمز وعلم اليمن الذي أثار اختفائه من اللقاء (وهو إجراء بروتوكولي) حفيظة خصوم الحوثيين، وما ينطوي ذلك على رسائل عن طبيعة العلاقة بين الطرفين، أن طهران حريصة هذه المرة على الدخول بعلاقتها مع أنصار الله وزعيمها الحوثي، مرحلة جديدة فيها الكثير من الإصرار والتحدي والانخراط المباشر في الأزمة اليمنية على غرار ما حصل في سوريا التي يشعر الإيرانيون أن مهمتهم حماية النظام من الانهيار وسوريا من التقسيم، قد أنجزت.
وكان لافتاً في زيارة وفد الحوثيين أن المرشد الأعلى قال مخاطباً اليمنيين رافضاً التقسيم ومشدداً على وحدة اليمن إن “الشعب اليمني سيتمكن بعون الله من بناء دولة قوية”.
وفي الشكل أيضاً فإن خامنئي الذي كان قد رفض استلام رسالة خطية من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حملها معه رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، حرص على قراءة رسالة عبد الملك الحوثي له وأكملها وكانت بصفحتين والسرور كان بادياً على وجهه.
أم الأزمات
لم يكن الإفراج عن ناقلة النفط الايرانية غريس1 في مضيق هرمز بعيداً عن التطورات في اليمن، وقد تم ذلك بوساطة بارزة قام بها العراق الذي ستستضيف عاصمته اجتماعاً إقليمياً من دول مجلس التعاون الخليجي وإيران، لبحث آلية فض النزاعات في المنطقة وضمان أمن الملاحة البحرية بعيداً عن التدخلات الأجنبية.
لقد جاءت الوساطة العراقية بطلب مباشر من الحكومة البريطانية (السابقة) وقام رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بزيارة خاطفة إلى طهران جدد فيها اقتراحاً كان قدمه لإنهاء النزاع الإيراني الأمريكي حول المسألة النووية، لكن طهران ربطت حل كل هذه الأزمات بإنهاء الحرب في اليمن، وأطلقت تهديدات أن تحريض دول محددة في المنطقة على الحرب معها يعني أن كل المنطقة ستشتعل مرة واحدة من العراق إلى اليمن ففلسطين ولبنان وحتى أفغانستان وشبه القارة الهندية وآسيا الوسطى والقوقاز وآذربيجان وكل مكان فيه قواعد أمريكية. وكانت الرسالة الإيرانية واضحة نحو التحالف العربي الذي يقود الحرب في اليمن باستهداف حليفها اليمني (وقيل الحليف العراقي) مضختين في العمق السعودي لأرامكو بطائرتين مسيرتين، سرعان ما أكمله صاروخ الدمام الباليستي الذي قطع 1360 كلم عابراً الرياض إلى ما بعدها ليقول (بعد صاروخ منصة العرض العسكري في عدن): أنا هنا جاهز مع طائرات مسيرة لإكمال المسيرة إذا لم ينفذ على الأرض ما تم التفاهم بشأنه بين الإمارات وإيران.
هكذا تقول طهران، وهكذا كان محمد عبد السلام رئيس وفد أنصار الله قال حين أعلن قبل الزيارة عن تجميد قصف الإمارات، وكرر ذلك عبد الملك الحوثي إن القرار هو تجميد لا إيقاف وهو ما كان يلمح له روحاني بقوله قبل إنهاء أزمة الناقلات إن الحرب مع إيران تعني “أم الحروب”.
ترافق ذلك مع قيام حزب الله بنشر أول فيديو لمشاهد تعرض للمرة الأولى عن عملية استهداف البارجة العسكرية الإسرائيلية “ساعر5” خلال حرب تموز/يوليو عام 2006 وسط أنباء تروجها إسرائيل أنها تشارك في تحالف عسكري تقوده الولايات المتحدة بادعاء “حماية” أمن الملاحة البحرية في منطقة الخليج الفارسي؛ وذلك حسب ما جاء في تصريحات صدرت عن وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس، خلال اجتماع لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست.
ورفض العراق مشاركة إسرائيل، وقال وزير الخارجية محمد علي الحكيم – في تغريدة على صفحته بموقع تويتر- إن الدول الخليجية (إيران ودول مجلس التعاون واليمن) مجتمعة، قادرة على تأمين مرور السفن بالخليج، مشدداً على أن العراق يسعى لخفض التوتر في المنطقة من خلال المفاوضات. واعتبر الحكيم في تغريدته أن وجود قوات غربية في المنطقة سوف يزيد من التوتر.
ومن هنا يجري هذه الأيام في بغداد التحضير على قدم وساق لترتيب زيارة وفد يمني يمثل الحوثيين ومحاولة يقوم بها رئيس الوزراء العراقي لعقد لقاء بين ممثل عن الحوثي ومسؤول سعودي رفيع تمهيداً لإجراء مفاوضات مباشرة تساعد إذا ما أكملت الإمارات استدارتها وانسحبت بالكامل من التحالف، لينطلق بعده الحوار اليمني اليمني.
وبين هذا وذاك، وبينما غادر محمد عبد السلام طهران، ترك وراءه خبراء فنيين يجرون تدريبات عسكرية على مستوى عال تشمل الدفاع الجوي والحرب الالكترونية، وأشياء للطرفين فيها مآرب أخرى.