الأحداث التي جدت في صباي كثيرة ولكنني لا أذكر منها إلا القليل وهذا من حسن حظي. من الأحداث التي أذكرها وكأنها وقعت أمس حدث «وَقْعَة الحمار». الحق أن الحمار يومها كان نائما في مكان ما، والحدث كله صنعته أنثاه الأتان.. الأتان تصنع الأحداث ويعلق السرد بالحمار!
رافقت والدي، أطال الله أنفاسه، إلى منزل جدي، رحمة الله عليه، كان منزلا ككل منازل الريف الحيوان فيه أكثر من الإنسان بقليل؛ وكان الحمار وهو السقاء وحامل الأسفار يعيش معهم ويزوجونهم كما يزوجون أبناءهم: يشترون له أتانا ولا يوصونه بأن يكون مِذْكارا. لست أدري ما الذي دفعني يومها إلى أن أستيقظ باكرا قبل أن يستيقظ أهل الساق والحافر، أردت أن أمتطي الحمار أنا الذي منعت من امتطائه خوفا من أن يُسقطني. كانت الأتان تستلقي إلى جانب جحشها تؤنسه.. ركبت ظهرها وضربت بقدمي الصغيرة أريدها أن تنهض، ولكنها رفضت وضربت بأقوى ما في يديّ الصغيرتين من قوة فنهضت وتحركت بي ففرحتُ ليسر الاستجابة.
سارت الأتان في مسار ضيق متشابك بالتين الشوكي، حاولت أن أعدل مسارها غير أنها تمسكت بمسارها ولم تمض ثوان حتى اشتبك بورقتي شوك غليظتين من التين الشوكي، جاءت كل ورقة من ضفة وتقاطعتا، علق رأسي بهما، وسقطت من على ظهر الأتان. كنت فريسة لشوك التين فبكيت حتى استيقظ النائمون.. كان جدتي تنقي الشوك العالق بجسمي وهي تلعن الأتان، وتقول لوالدي الذي قرعني: إن الأتان خبيثة هي التي مرت به من طريق مسدود عمدا لكي تعود إلى النوم. فعلا عادت الأتان لتستلقي حذو الجحش.. الأكيد أن ما جعلني أتذكر هذا الحدث إلى اليوم ليس لأن حمارا أسقطني وخدعني، فهذا تكرر بعد ذلك في حياتي.. لكن ما جعلني أتذكر هذا الحدث هو قوسٌ داخل الاختصاص أفتحه أحيانا هو ما يسمى «العرفان الحيواني».
صحيح أن دراسة سلوك الحيوان قديمة، فالجاحظ برع في كتاب الحيوان بـ«درس» سلوك حيوانات آهلة أو غير آهلة والعلماء المحدثون أيضا درسوا سلوك الحيوان من أمثال داروين وبافلوف طبعا لأغراض مختلفة. المهم أن «علم سلوك الحيوان» (الإيثولوجيا) لم يكن الوحيد في التركيز على فهم سلوك الحيوان، ولا يمكن عزله عن العرفان وهو عمليات معالجة المعلومة والتمثيلات الذهنية. والعرفان هنا لا يزعم أن الإنسان ما الحيوان البيولوجي الوحيد، بل يعمم نظره إلى النوع الحيواني؛ لأنه من المفترض أن يكون لسلوكه الظاهر «حالات ذهنية» و«تمثيلات» تفسر سلوكه.
سمي هذا التوجه الذي يدمج بين علم سلوك الحيوان (أي الإيثولوجيا) والعرفان بالإيثولوجيا العرفانية التي تنحو منحى ذهنيا في معالجة سلوك الحيوان، لكن هناك اتجاها إلى الانفصال عن التوجه السلوكي إلى الدراسة العرفانية الخالصة.
تستطيع الدواب أن تعالج المواقف غير المسبقة وتعالج على طريقتها طبعا «الخروج من النفق» لتنعم ما أمكن لها أن تنعم بالحياة.
أن تقول إن للحيوان ذهنا قد يبدو خارقا للمعرفة المألوفة؛ لأن المركزية البشرية جعلتنا نذهب في الخُيَلاء أشواطا نقصر فيها استعمال الذهن والتمثيلات وردود الفعل للإنسان. ومن «غير المعقول» في هذا السياق أن أقول إن الحيوان في «وقعة الحمار» قد دبّر لي سلفا تلك المكيدة مثلما أقول عن الإنسان ـ وهو الحيوان العاقل كثر الله عقله- إنه هو الذي دبّر لي سلفا مكيدة وأوقعني فيها؛ لأن قدرة هذا الحيوان العاقل على تدبير المكائد نابع من كونه حيوانا عاقلا، بينما الأتان ليست عاقلا وإن كانت حيوانا. غير أنه لا «يُعقل» أيضا أن نقول إن الأتان تصرفت معي كما تصرفت بالغريزة؛ ففضلا عن كون الغريزة مفهوما غامضا وملبسا، إذ لا يحيل على نوعية واضحة من الإدراك، فإنه شماعة يُعلق عليها كثير من السلوك الذي نرفض أن نجعل له منطقا في المعالجة.
كان غريفين Griffin شجاعا حين سمى كتابه في الإيثولوجيا العرفانية باسم غريب «الفكر الحيواني»، وهذا يعني أن الأتان دبرت لي الوقعة بعد التفكير « تفكيرا حيوانيا» طبعا ليس كتفكير البشر. فمن الممكن أن مرورها من ذلك الطريق الشائك كان لتكون أقرب من جحشها حبيبها؛ وأنها كانت ستعود بي إليه. يا إلهي ما أطيب قلبي: أحنو على أتان أوقعتني وأبعد عنها سوء النية! كان غريفين حذرا في نسبة بعض الخصائص العرفانية إلى الحيوان، فهو على سبيل المثال لم يذكر أن للحيوان تمثيلات ذهنية، لكن اللاحقين كانوا أكثر جرأة منه فنحوا بالبحث العرفاني الحيواني في سياق التنقيب عن حالات ذهنية تجعل الحيوان يقيم علاقات مختلفة مع محيطه الفيزيائي والاجتماعي؛ وأن الحيوان يبحث في محيطه دائما (بحثا بالذهن) عن تجاوز الصعوبات التي يجدها في بيئته حتى يتمكن من العيش والتوالد (نقلا عن كروتزر وفوكلير). هذا القول يشفي غليلي: للأتان نية مبيتة وتعاملت مع محيطها الشائك لكي تحافظ على نسلها حتى وإن كان جحشا.
يقول العرفانيون إن هناك سلوكات غريزية خاصة بالأنواع الحيوانية، وأن السلوكات يمكن أن تنقدح بالحيل الحيوانية وانتقدوا السلوكية في فكرة المثير والاستجابة، بأن قال إدوارد شاس تولمان، بأن الحيوان قد يفعل ويبادر قبل أي مثير، وهذا أيضا يشفي غليلي في تفسير أن الأتان أوقعت بي من غير أن تتعلم بالمثير والاستجابة ككلب بافلوف.
تدرس العرفانية الحيوانية كيف أن الحيوان يتخذ وجهته في المكان وكيف يتحكم في الزمان وتدرس أيضا إن كانت له معرفة بجسده.. كانت وقعة الحمار درسا جميلا لمن أراد أن يعرف هذه الأشياء، صحيح أن في ذهن العرفانيين أمثلة أبسط: كيف يمكن لطائر مهاجر أن يقطع تلك المسافة فلا يخطئ، وأن يعرف متى يقطعها وأن يكون خفيفا حين يريد وثقيلا حين يريد. هذا شيء يتصرف فيه الطائر بحكم العادة فتهون قيمة معالجة المعرفة به، كما تهون نسبة معرفتنا بالمشي الذي نجريه يوميا. قيمة المعالجة عند الأتان في يوم الوقعة، أنها تبينت أني قصدتها في غير وقت عملها فمرت بفضاء لا تمر به في الأصل حين تعالج شغلها اليومي. هل كانت «تعي» أن الفضاء المفاجئ يكون في الزمان المفاجئ؛ وأن جسدها إذ يحمل الأسفار لا بد أن يحملها في أوقاتها، وأن الغريب القادم من بعيد لا يستحق أن يركب ظهرها.
الدواب تفكر بشهادة علماء النفس العرفانيين، وتستطيع أن تخرج من حرج الموقف.. يستطيع الحيوان الذي «قُدر» له اجتماعيا أن يكون ركوبة لحيوان «عاقل» أن يسقطنا متى أراد. تستطيع الدواب أن تعالج المواقف غير المسبقة وتعالج على طريقتها طبعا «الخروج من النفق» لتنعم ما أمكن لها أن تنعم بالحياة.. تستطيع الدواب أن تُعْقَل (تقيد بعقال) وأن تَعْقِل أنها قادرة على النجاة.. هذه القدرة التي للحمار تمنحه هذا الذكاء الحيواني.. لماذا إذن حين سمع الحمار بأني أيقظت الأتان، أنثاه لم يتوعدني ولا اعتدى عليّ من جديد حتى يبدي «رجولته» أمام أنثاه؟ يبدو أن سقطة واحدة تكفي للعقاب: هذه رؤية الحمير للانتقام ولكنها ليست كذلك في عرف غيرهم.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية