هذا عنوان كتاب صدر منذ شهرين عن المركز القومي للترجمة في مصر. هو عن حياة رائدة النشاط النسائي في مصر هدى شعراوي كتبته حفيدتها سنية شعراوي وقامت بترجمته من الإنكليزية نشوى الأزهري وراجعه وقدم له طارق النعمان. العنوان الأصلي للكتاب هو «إسقاط النقاب»، والعنوان الحالي من اختيار المترجمة، وقد شغل هذا الاختلاف في العنوان جزءا من المقدمة، التي كتبها الصديق طارق النعمان الأستاذ المتخصص في النقد والبلاغة، الذي ناقش العنوانين وناقش كتبا مختلفة تناولت حياة هدى شعراوي.
بعد قراءة الكتاب تكتشف أن الموضوع أكبر من النقاب وخلعه، لكنه كشف الوجه الذي كان يمكن أن تختفي حاملته في مقر الحريم، كشف الوجه معادل للعمل والنشاط السياسي والاجتماعي، الذي يمكن أن تفعله المرأة في الأوطان، فحياة هدى شعراوي، من زواجها، أو تزويجها وهي في الثالثة عشرة من عمرها، هي حياة امرأة تريد تغيير وجه الحياة المصرية. ورثت ثقافتها عن أبيها محمد سلطان باشا، الذي كان مثقفا وقارئا ولديه مكتبة رائعة ويقيم صالونا أدبيا. موضوع الحجاب والنقاب لم يشغل صفحات كثيرة من الكتاب. الذي شغله وشغل هدى شعراوي في حياتها، هو النضال في ثورة 1919 وقيادتها للنساء، وخلافها مع زوجها علي شعراوي ابن عمها والوصي عليها، الذي طلبت منه أمها زواجها هربا من عرض بالزواج من قبل الخديوي نفسه لأحد ربائبه. وكان علي شعراوي أكبر منها بستة وعشرين عاما. لقد تباعدا منذ ليلة الزواج الأولى، حين جلست تبكي بعد انتهاء الفرح لأنهم قطعوا أشجار البيت من أجل عمل خيمة للزفاف والحضور. احتاجت إلى سبع سنوات حتى تقتنع بالزواج. الذي يشغلها هو سعد زغلول ودوره وأخطاؤه القليلة قياسا بوطنيته ودوره. الذي يشغلها هو المؤتمرات العالمية التي تسافر إليها في إيطاليا وفرنسا وغيرها، هو تأسيس أول اتحاد نسائي في مصر، هو العمل الأهلي والأعمال الحرفية الصغيرة التي تتيحها مع غيرها من النساء والفنانين للناس، ومن عائد بيعها يتم بناء مدارس وتسويق هذه المنتجات في أمريكا، حين صار زوج ابنتها سفيرا لمصر هناك وسافرت ابنتها معه.
الذي يشغلها هو إصدار مجلة «لاجيبسيان» بالفرنسية في مصر، تنشر فيها قضايا المرأة وقضايا الوطن، وأن تنشر مجلة أخرى هي «المصرية» باللغة العربية، وأن تنشر مجلة ثالثة هي «المرأة العربية». أن ترسل على نفقتها فتيات للدراسة بالخارج مثل أمينة وكريمة السعيد، وسهير القلماوي. إقامة عيادات ومستوصفات في الأحياء الشعبية. أن ترسل حشود الفتيات لرعاية الفقراء في بيوتهم. أن تنشئ حضانات للاطفال ومدرسة للموسيقي التي تعشقها. أن تشجع طلعت حرب على إنشاء أول بنك مصري هو بنك مصر، وغير ذلك من الأعمال الأهلية الرائعة. ولم تكن في رحلتها مشقة النضال فقط، وهي دائما مشقة جميلة، لكن كانت فيها مشقة فقد الأحباء، ابتداء من فقد أبيها سلطان باشا، ثم أمها الشركسية الأصل إقبال هانم، ثم زوجها علي شعراوي، الذي مات كمدا بعد خلافه مع سعد زغلول في فرنسا في مؤتمر السلام في باريس، بعد أن أطلق سراح سعد زغلول ورفاقه من المنفى، وبدا أن الإنكليز يماطلون في كل شيء، وأن الدول الأخري لا تعنى بالقضية المصرية ولا معنى للبقاء في نظر علي شعراوي، الذي كان قد تبرع بثلاثة آلاف جنيه لمصاريف الوفد، وفوجئ بسعد زغلول يقول له «أنت معنا فقط لأنك غني».
أراد سلطان باشا أن يحصل على موافقة مكتوبة فقال له الخديوي توفيق إن الإنكليز كلمتهم واحدة لا يخدعون. وانخدع سلطان باشا، وبعد عامين من الاحتلال أصابه الحزن ومات كمدا 1884.
فعاد تاركا الوفد ولم يشأ أن يدخل في خلاف مع سعد زغلول، أو ينضم إلى من ينشقون عنها. أسرّها في نفسه واعتزل الحياة السياسية ومات كمدا عام 1922 بعد ثلاث سنوات. ولم يكن هذا الفقد كافيا ففقدت كثير ممن عرفتهم وأحبتهم مثل باحثة البادية الأديبة ملك حفني ناصف والفرنسية راعية مصطفى كامل من قبل جولييت آدم وغيرهما كثير، حتى كان الفقد الأكبر لزوج ابنتها محمود سامي باشا سفير مصر السابق في أمريكا وفشل زيجة ابنها محمد وطلاقه لزوجته بعد أن أنجب منها سبع أطفال، وكم كانت تحب زوجته.
وفي هذا الكتاب مواقف لم تذكر كثيرا في كتب التاريخ، تعطي أصحابها شيئا من البراءة. تبدأ بحكاية الأب محمد سلطان باشا الذي كان في صف أحمد عرابي، ثم انقلب عليه، وكل الكتب تذكر خيانته له. الكتاب يذكر معلومة أنه في لحظة أدرك عدم قدرة عرابي على الإنكليز، وكان هناك خوف من مذبحة مع وجود السفن البريطانية على ساحل الإسكندرية، فقابل وآخرون من ملاك الأراضي الأثرياء سير إدوارد ماليت القنصل البريطاني، الذي وعده بأن الإنكليز لا يوافقون فقط على أن يحل الجيش محل الخديوي، وسيسحبون قواتهم مع انتهاء الأزمة.
وأراد سلطان باشا أن يحصل على موافقة مكتوبة فقال له الخديوي توفيق إن الإنكليز كلمتهم واحدة لا يخدعون. وانخدع سلطان باشا، وبعد عامين من الاحتلال أصابه الحزن ومات كمدا 1884. وفي الكتاب توضيح لموقف مصطفى النحاس، وحزب الوفد، حين وافق النحاس باشا على تولي الوزارة عام 1942 في ما سمي بحادث 4 فبراير/شباط الشهير. كل الكتب التي ناقشت هذا الحادث باعتبار الأمر كان مؤامرة على الملك. ولقد تصادف منذ سنوات أن قرأت أنا مذكرات سير مايلز لامبسون المندوب السامي البريطاني، ذلك الوقت وكيف كشف فيها أن الإنكليز طلبوا ذلك من الملك لهزائمهم في الصحراء الغربية أمام روميل، وفرح فريق من المصريين بذلك، وأن تولي الوفد كحزب شعبي كبير سيخفف من هذا الفرح، وأن الملك انصاع للإنكليز وطلب من النحاس باشا ذلك واعتذر النحاس باشا، وحاول الملك أن يؤلف وزارة أخري فغضب الإنكليز وأغصبوا الملك على إقناع النحاس باشا، ووافق النحاس لأن رفضه يعني خلع الإنكليز للملك.
نادرا ما يذكر دارسو هذا الحدث هذه التفاصيل، وما قرأته أنا في مذكرات لامبسون وجدته في الكتاب. وبعيدا عن الحياة المصرية ونضال هدى شعراوي العظيم من أجل مصر والمصريين، أخذت القضية الفلسطينية مساحة كبيرة من نشاطها، وأقامت في مصر أول مؤتمر نسائي عام من أجل فلسطين، وكان رائجا عن هجرة اليهود إليها أنهم يهربون مما يحدث لهم في أوروبا، ثم اكتشفت وغيرها أنهم يتوحشون ويقيمون المستعمرات على الطريقة الشيوعية، ويهاجمون المواطنين وإنكلترا تساعدهم وتسجن المناضلين العرب في فلسطين وساهمت مساهمات عظيمة في نصرة القضية الفلسطينية، في كتابات أو رسائل إلى العالم أو مؤتمرات عالمية. الكتاب حافل بالأحداث حتى وفاتها في السابع من ديسمبر/كانون الأول عام 1947 ولغة الكتاب وترجمته تنسيك ما حولك ورغم أن هذا ماض يفخر به كل مصري ومصرية إلا أنه كثيرا ما كان يتملكني الغيظ حين تتحدث عن باشوات أو حكام مدن وسياسيين، وتجد أنهم يجيدون لغات عديدة ويحبون الأدب والأدباء والفن والفنانين وثقافتهم رائعةـ ويقيمون مشروعات للناس ويساهمون في بناء المدارس والمستشفيات والمصانع، مما يغيظك مما تراه حولك من مسؤولين لا علاقة لهم بالفنون والآداب، بل يقومون بهدم تراثنا المعماري وردموا بحيراتنا العظمى ولا تسمع أنهم يدعمون النشاط الأهلي، ويعتبرون الآداب والفنون لهوا. وتسأل نفسك أين ذهب هؤلاء الناس الذين كانوا يقيمون الصالونات الأدبية في بيوتهم وينشؤون الصحف والمجلات يختارون لها أهم الكتاب والمفكرين. هدى شعراوي كشفت عن وجه مصر العظيم.
٭ روائي مصري