صورة من الأرشيف- قرب حاجز إسرائيلي في مدينة الخليل في 30 أكتوبر 2022- ا ف ب
أول دروس السابع من أكتوبر/تشرين الأول في قطاع غزة أن الظلم، حتى لو استتبّ ودام لعقود، فلا بد أن ينفجر في وقت ما، وفي مكان ما.
كان كثير من الفلسطينيين قد سلّم أمره للأيام والأجيال، وربما للأقدار، فإسرائيل هذه، لم تقدر عليها دولٌ بحالها، فهل سنقدر عليها، فيما نحن مقسمون «فتح» و«حماس» «جبهة» و«صاعقة» حزباً و«مبادرة»؟! وربما ساهمت موجات الهجرة واللجوء في العقد الأخير في تعزيز استحالة تحقيق حلم العودة. أو لعل هذا الهجيج جاء أساساً يأساً، أو من حلاوة الروح.
ربما ساهمت موجات الهجرة واللجوء في العقد الأخير في تعزيز استحالة تحقيق حلم العودة. أو لعل هذا الهجيج جاء أساساً يأساً، أو من حلاوة الروح
فكرتُ بهذا الدرس الغزي (لا شك أن هناك دروساً أخرى كثيرة غيره) فيما نقرأ في الصحافة العبرية تحقيقات عن مدينة الخليل (جنوب الضفة الغربية المحتلة) تحديداً عمّا تعانيه نساؤها من حواجز الاحتلال. تعاني المدينة من كل الظروف التي تعانيها مدن وقرى ومخيمات الضفة ويضاف، فوق كل ذلك، التحرش والتعدي والأذى الجنسي من قبل الجنود.
سبب التحقيق الصحافي، وتتالي بعض الشهادات والشكاوى، أن فلسطينية من سكان الخليل قالت إن أحد الجنود تحرّشَ بها على الحاجز الذي يقيمه الجيش الإسرائيلي في المدينة، عندما خلع بنطاله وكشف نفسه أمامها، ثم جاءت شهادات من شاهدات أخريات بشأن معاملة مهينة. من إجبار على خلع الحجاب، أو فتح الموبايلات واستعراض الصور والفيديوهات الشخصية دون سبب سوى اقتحام الخصوصية، إلى توجيه كلمات نابية.
السيدة الخليلية أفضت بالانتهاك، الصفعة كما تسميها، إلى بعض المقرّبين، وعندما وصل الأمر إلى أحد القادة المجتمعيين أوصلَ الشكوى، فما كان من ضابط الإدارة المدنية، وهو المسؤول عن الاستيطان اليهودي في الخليل، حين التقاه على مفترق طرق قريب، ومعه ثمانية جنود يطوقونه من كل جهة، ما كان منه إلا أن هدّدَ، وكذّب الرواية برمتها. متوعداً: سأريكم وجهي الآخر.
يشبه تتالي روايات النساء الخليليات حركة «مي تو» التي بدأت من الولايات المتحدة وعمّت أرجاء العالم، ووصلت إلى فرنسا مثلاً باسم «افضحي خنزيرك» لكن، وكما تشير الناشطة والباحثة الإسرائيلية المختصة بالقضاء والدراسات النسوية أوريت كامير، الزيادة هنا، على النسخة الأمريكية والفرنسية، أن الاعتداء أو التحرش يأتي على خلفية قومية، وهنا تذكّر الباحثة بأن تغييراً طال القوانين الإسرائيلية التي تعتبر أن التحرش الجنسي على خلفية قومية (أي في اعتداءات رجال غير يهود على يهوديات) أخطر من التحرش الجنسي الآخر، وهذا هو الحال مع اعتداءات الجنود الإسرائيليين على فلسطينيات الخليل.
هناك سياسة إسرائيلية منهجية، على ما يبدو، بالأذى الجنسي كطريقة لإزعاج الفلسطينيين وإذلالهم «لاستعادة الكرامة القومية» على ما تشير صحيفة إسرائيلية، وهناك حادثة موثقة في سجن إسرائيلي لمجموعة من الجنود يعتدون جنسياً على معتقل، ومباركة موثقة بالفيديو لحاخام إسرائيلي يبارك ويدعم الجنود الإسرائيليين المتهمين بالاعتداء، معتبراً أنه يجب تكريمهم.
عندما سمعنا خبر عملية حاجز ترقوميا قرب الخليل في الأول من أيلول سبتمبر الجاري، وصرع فيها ثلاثة من عناصر الشرطة الإسرائيلية، بعملية نموذجية (لجهة نوعية الهدف، وغياب أي ضحية مدني، إلى جانب براعة التنفيذ) قلنا إن هذا، لا شك، جزءٌ من الرد عمّا يجري على حواجز الخليل، مع أن المدينة لا تحتاج إلى أسباب جديدة، هي الأكثر عرضة لتنمّر المستوطنين، وهنا، على ما يعرف العالم بأجمعه، أطلق الطبيب اليهودي المتطرف باروخ غولدشتاين نار حقده ورصاصه على المصلّين في الحرم الإبراهيمي ذات فجر جمعة، في منتصف رمضان، من عام 1994، فأردى 29 مصلياً وجرحَ 150 آخرين.
الاستباحة المستمرة يستحيل أن تمرّ بصمت، وهي بالفعل لم تمرّ، ولا يشترط أن يكون بطل عملية ترقوميا مهند العسود قد تعرّض لإذلال مباشر حتى يضحي بنفسه
لا تحتاج الخليل إلى أسباب، حيث تشهد المدينة المحتلة منذ العام 1967 الاحتكاكات الأشد بين الأهالي والمستوطنين، والمضايقات تصل إلى الجميع، الذين غالباً ما يكونون حبيسي بيوتهم في ضوء أقل تدهور في الأحوال الأمنية، وخصوصاً بعد اندلاع الحرب على غزة.
المدينة مقسمة، والشوارع والأسواق مغلقة، اعتقالات ومداهمات يومية، مصادرة الأراضي، إعمار الحواجز والمزيد من المستوطنات، العنف ضد الطلبة والأطفال،.. وأخيراً التحرش بنساء المدينة، ثم إنكاره. ويضاف إلى هذا الأذى اليومي الخاص الارتكابات الوحشية الإسرائيلية في قطاع غزة، والارتكابات الموازية في مختلف أنحاء الضفة الغربية، حيث بات الجنود يتصرفون إزاءها بوحي من الصمت على مذابح القطاع.
هذه الاستباحة المستمرة يستحيل أن تمرّ بصمت، وهي بالفعل لم تمرّ، ولا يشترط أن يكون بطل عملية ترقوميا مهند العسود قد تعرّض أو شهد الإذلال المباشر حتى يضحي بنفسه، ما دام منفذ «عملية الكرامة» النشمي الأردني ماهر الجازي، بعيداً عن ساحة المعركة إلى هذا الحد، ولم يطق الصمت على المشهد الدموي الوحشي الذي لا ينتهي.
* كاتب من أسرة «القدس العربي»