طبع قبلاته «غير المقبولة» على لوحة «الأحصنة الحمراء» للفنان الألماني ماكس إرنست، غير أنَّ مادةً ثانويةً استخدمها في التزوير خانَتْهُ ولم تُكمل ضجيج الأدرنالين السعيد في قلبه، ولا سيما تلك النقاط البيضاء الصغيرة التي نَقَّط فيها رسم الكلب «الشخصية الثانوية» في العمل الفني المتأرجح بين الدادائية والسريالية. لم يُعِرْ بيلتراكي اهتماماً لانتقاء تلك الدرجة اللونية الشعاعية المتعلقة باللون الأبيض التي استخدمها ولم تكن ضمن قائمة الدرجات اللونية المستخدمة في ذلك العصر، الأمر الذي حدا بالمخبر المتخصص بالفحص كتابة تقريره بأن اللوحة مُزَوّرة! قبضت عليه الشرطة سنة 2010 وبقي بعد ذلك محتجزاً مدة أربعة عشر شهراً اعترف بعدها بتزوير الكثير من اللوحات العالمية. حوكم وولفغانغ بيلتراكي في كولن- ألمانيا سنة 2011 بعد أن أثبتت التحقيقات تهمة التزوير وسُجن هناك لأقل من أربع سنوات، مع أن الحكم نصَّ على أن يقضي ست سنوات!
بعد صدور الحكم، صرَّحَ جيمس راندويل العضو البارز في جمعية لندن لصفقات الفن: «شخص مثله كان من المفترض أن يوضع بالسجن من عشرة إلى أحد عشرة عاماً». فيما كان رأي صوفيا كورماروفا التي تمتلك معرضاً للفن مُلفتاً: «إنه طمَّاع، فقد حصل على ملايين اليوروات، لكن لا يجب أن نُنكر بأنه موهوب وحساس».
مما لا شك فيه فقد زوَّر بيلتراكي تاريخ وجغرافية الفن وباع اللوحات المزورة لوسطاء علموا أن تلك الأعمال الفنية مزورة، وبما أن الوسطاء لا يهمهم سوى جني المال فقد وثقوا به وبما زَوّرهُ. وهذا ما دفع الناقد نيكولاس ماك بأن يصفه بشكل سينمائي: «كان واضحاً أنه استطاع بحرفية قلَّ نظيرها اجتياز كل نقاط التفتيش! لقد تجاوز كل الحدود، وأنا معجَبٌ بقدراته ودقته الشديدة على نسخ أعقد وأعظم اللوحات العالمية، يستحق بيلتراكي أن يُمَثِّل دور كاوبوي، يقتل شريفاً تِلو الآخر!».
وولفغانغ مزوِّر مُبهِر يشيد به الجميع، ففي مقابلة مع رينيه ألانجيه رئيس مركز جرائم الفن لم يُخفِ إعجابه به: «إنه من الصعوبة بمكان أن نبرهن بأية طريقة بأنه زَوَّر لوحات عالمية، وهذا يعني أنه قام بعمل بارع». يضاف إلى ذلك أن بيلتراكي لم يعمل بالتزوير لوحده وهو الأمر الذي لم يتم تسليط الضوء عليه بشكل كافٍ إعلامياً: موضوع شراكته منتصف الثمانينيات مع المليونير الألماني المحتال أوتو شولت كلينغهاوس الذي أصبح لاحقاً مسؤولاً عن لعب دور مهم في مخطط وولفغانغ الإجرامي، ومن هناك انتقل أسلوب عمله إلى أماكن جديدة. ربما كانت لعبة ديابوليك، تعكس الكثير من يوميات العالم وذاكرته الجمعية التي تدفع المرء للسؤال الثابت: من يُزَوِّرُ مَنْ؟ أو من يسرق مَنْ؟
الإجابة على ذلك تلخصه مسيرة وولفغانغ بيلتراكي الذي استضافته الكاتبة السويسرية جانيت فيشر مع زوجته هيلين بيلتراكي على مسرح صالة أكسيونس هاليه – روت فابريك – زيوريخ – مساء السادس من أيار/مايو2022. في ذلك التاريخ عُرِضَتْ صورٌ كبيرة عن مسيرته في التزوير مع محطات مهمة من تجاربه في مرسمه المخفي واستخداماته الدقيقة لتقنيات التزوير والتي أدهش وأضحك بها الحضور عدة مرات.
لقد فكر بيلتراكي بكيفية استطاعة الفنانين العيش فيما مضى، ومن خلال المعرفة التي جمعها عن الحربين العالميتين الأولى والثانية، أراد أن يعيش ظروف الحرب والفوضى العارمة التي تزامنت مع فقدان الكثير من الأعمال الفنية، وتقمص أفكار رسّامي تلك الفترة، فاشترى قماشاً قديماً وأُطُر لوحات قديمة تتناسب مع تلك الفترة. واستخدم ألوان تيتانوم وايت التي تُصَنع في الولايات المتحدة والتي تنتج إكريليك غولدن الرقيق للغاية بكثافة تشبه الحِبر وتوفر استخداماتٍ لا تُصَدَّقْ، وتعمل بشكل رائع في الرسم وغسل الألوان، وهو ما مَكَّنَ وولفغانغ من الحصول على ألوان تحتوي على درجات اللون التي كان يحتاجها في عمله، فعندما كان يدرس درجات الأصفر كان مستمتعاً بتوصل عينه الخبيرة إلى درجة الأصفر التي احتاجها للتزوير: «الأصفر لذيذ، أستطيع الآن أن ألعقَهُ». لماذا الأصفر؟ ببساطة كان يشير إلى اللوحة التي زوَّرَها، تلك التي كان الفنان الفرنسي أوتون فريز أنجزها في لاسيوتا القرية الفرنسية الواقعة على بعد 25 كيلومتراً شرق مارسيليا وتحمل عنوان «منظر طبيعي في لاسيوتا». كانت اللوحة باهضة الثمن لغناها باللون يعكس موضوعها جمال الجنوب الفرنسي وشمسه الساطعة وهو ما أكَّدهُ في جملته: «استطعتُ أن أضع نفسي في ذلك الجو!» اعتمد بيلتراكي على عاملَي الزمان والمكان لأنهما مهمان جداً، فبذات المكان كان أوتون فريز والفنان الفرنسي الشهير جورج براك يستمدان مواضيع لوحاتهما وهو ما ساعده كثيراً في عدم اكتشاف تزويرها، يضاف إلى ذلك أنه عندما كان يشتري أطر اللوحات وأقمشتها القديمة كان يقيِّم ويدرس أشكال الأُطر والأقمشة من الخلف ويركز على شكل ختم باعة الفن خلف اللوحة، كما بحث في غوغل واستطاع الوصول إلى نوعية الأقمشة والأطر التي كانت مستخدمةً سنة 1920 في برشلونة. الأمر بالغ الأهمية الذي ساعده في التزوير هو التاريخ، فقد كان يبحث في صور كتالوغات الفن عن اللوحات الفنية الحداثية أيضاً والتي فُقِدَ الكثير منها خلال ثلاثينيات القرن العشرين بعد اعتبار هتلر أن الفن الحداثي بدعةٌ لا أساس لها ولابد من مصادرتها أو إتلافها، مما سهَّلّ مهمته في التزوير.
من هو وولفغانغ بيلتراكي؟
بيلتراكي ليس اسم عائلته بل اسم عائلة زوجته هيلين بيلتراكي وقد «زوَّر» حتى اسم عائلته الحقيقي ليختبئ خلف اسم عائلة زوجته ويتخذه اسماً فنياً. اسمه الحقيقي وولفغانغ فيشر، والده فيلهلم فيشر مرمم لوحات في كنائس بلدة هوكستر الواقعة في ولاية ويستفاليا-ألمانيا وكان نشيطاً يعمل بطاقة قَلَّ نظيرها وهو ما ألهم وولفغانغ، يقول مؤرخ الفن هنري كيزور عن نشأة وولفغانغ بيلتراكي: «باستثناء أخيه الأكبر، نشأ بيلتراكي محاطاً بعائلة تهوى الرسم، إنهم معتادون على الرسم كما لو أنهم يفرشون أسنانهم».
عندما كان صغيراً قلَّد لوحات رامبرانت، بيكاسو وسيزان وكان يراقب والده بصمت، بعدها لمعت الفكرة في رأسه، ليبدأ بنسخ أول عمل فني عندما كان في الرابعة عشرة، وهو ما أدهش والده لأنه لم ينسخ اللوحة فقط بل أظهرها بشكل أجمل وبتفاصيل ملفتة. مع أن فيلهلم فيشر كان يعتقد أنه أسطورة بالترميم إلا أنه كان مقتنعاً بأن وولفغانغ تجاوزه بالدقة والحرفية! يقول فيليب بروسار المحرر الثقافي في مجلة L`Express الفرنسية: «لا أعرف مدى دقة أن نعتقد بأن والده كان يدرك بأن وولفغانغ سيكون أسطورةً عالميةً في الرسم».
في ستينيات القرن العشرين والتي شهدت ثورةً ثقافية عارمة، كان وولفغانغ مراهقاً مأخوذاً بموسيقى البوب وحفلاتها، وفي عمر السابعة عشرة تأثر بكثير من الظواهر التي رافقت نهاية الستينيات وبداية السبعينيات وخصوصاً الهِبيّة. كتاب «قضية بيلتراكي» توبياس تيم.
بعد بضع سنوات وبسبب الملل الذي أصابه خلال تعليمه الجامعي، ترك وولفغانغ الجامعة وبقي دون أي مؤهل وقرر السفر ليذهب لقضاء العطلة مع صديقته وينطلق بالجو الهِبِّي وبدأ بتعاطي المخدرات التي ميَّزتْ الهبيين في تلك الفترة. يؤكد ذلك توبياس تيم أيضاً: «لقد دخن الأوبيوم ذو الرائحة الثقيلة والمستخلص من عصير حشيش الأفيون». قام الشاب المزاجي وولفغانغ بجولة أوروبية برفقة صديقته في بلدته هوكستر متنقلاً بين لندن، باريس، برلين، أمستردام ومايوركا، عمل خلالها من حين لآخر، ولكنه حصل مؤقتاً على بعض المال من نَسخِ أعمال فنية متفرقة. وفي عام 1978 نسخ ثلاثة أعمال وافق متحف ميونيخ على عرضها، وكانت أعمالاً فنيةً سريالية (إكريليك على قماش). ما لبث بعدها أن تعاقد معه أحد المعارض وباع إحدى لوحاته بحوالي خمسة عشر ألف مارك، لكنه فضَّل الحياة البسيطة وقرر مؤقتاً أن يسلك الطريقة السوية بأن يرسم أعماله الفنية لعدة سنوات وشيئاً فشيئاً يصبح مشهوراً، لكنه قرر أخيراً أن يختصر الطريق بتزوير اللوحات لأنه أحب لعبة الأدرينالين والقفز إلى الصفوف الأمامية فتلك الطريقة أسهل بكثير من أن يفكر ويبدع وهو ما لن يتقاطع مع حلمه في الثروة والحياة الرغيدة. عندما كان في التاسعة والعشرين استقر في دوسلدورف وهناك بالضبط بدأت (مسيرة التزوير) كان يعتقد أن ذلك هو الوقت المناسب لكسب الكثير من المال فزوَّرَ الأعمال الفنية العالمية وباعها في المزادات المتخصصة، تلك الأعمال التي اختارها بدقة والتي تتقاطع في أسلوب إبداعها مع قدرته الهائلة على تزويرها.
في مرسمه في كولن – ألمانيا سأله مؤرخ الفن هنري كياتسور: «متى تبدأ عملية التزوير؟ فأجابه: «عندما أزوِّر التوقيع… ليس التزوير بتقليد اللوحة وإنما بتقليد التوقيع… هل تريد أن تعرف كيف أفعل ذلك؟ إذاً يجب عليك أن تغلق عينيك تماماً!».
إنه يستطيع أن يوقع أي لوحة بشكل عفوي لأنه حفظ تواقيع كل الفنانين العالميين الذين زوَّرَ لوحاتهم.
يسأله كياتسور مرةً أخرى: ماذا عن رامبرانت، ليوناردو دافينشي أو أي فنان آخر؟ يجيب بيلتراكي: «أستطيع تقليد كل التواقيع بسهولة». من أبرز الفنانين الذين زوَّر لوحاتهم: بابلو بيكاسو، بول غوغان، هاينريش كامبيندونك، جورج براك، ماكس إرنست، يوهانس مولزان وماكس بيشستين. في ميتز- فرنسا التي أحبها كثيراً لأنها شهدت أجمل ذكرياته العائلية والتي سافر منها إلى جزر هاواي بعد أن جنى الكثير من الأموال وارتبط وجوده فيها بأجمل الأوقات والذكريات في المرسم الكبير الذي اشتراه هناك، كان الفرنسيون يعتقدون أنه تاجر لأن مهنته كانت ملتبسة، وبعد القبض عليه خاطبه أحد جيرانه: «سمعتُ بأنك تستثمر في أمريكا وتتاجر بالنظارات الطبية». في حين تفاوتت ردود أفعال جيرانه الآخرين، فالبعض أنكر معرفته به، بينما وصفه آخر بأنه روبن هود الفن وأنه فنان خارق للعادة وغير اعتيادي بينما غالطه آخر: «لا ليس روبن هود بل فنان اصطناعي». لكن كل جيرانه أجمعوا على أنه شخص ودود ومهذب، ذكي ومثير للإعجاب.
ومع التصاق التزوير باسمه والقبض عليه فإنه لم يجنِ سوى خمسة ملايين يورو استطاع ذلك السبعيني من خلالها أن يعيش طقسه الهبِّي ويلون يومه بشعره الأشقر البوهيمي وابتسامته الهادئة ساخراً من وسائل الإعلام ومكرراً إجابته لصحافي سأله أثناء اقتياده إلى السجن «هل سترسم في السجن؟» فأجاب: «نعم بالتأكيد، لأنني أريد أن أرسم السجناء!».