وَصْفات سرديّة

زرت بيروت في العام الماضي وشاهدت البحر. كنت رأيته مرات في السابق، ولا أعرف السّبب الذي جعلني أراه الآن في غبار مرمريّ فاتر، كما يحدث لنا في الحلم. المياه شديدة الهدوء، مفضّضة كأنها قدّت من زئبق، والرمل والماء يتشبّعان بوهج الشّمس، يشعّان. كنت أجلس على الشّاطئ منذ الغُبشة حتى آخر المساء، وفي الليل أرقبه من شرفة الفندق.
في النوم يهتزّ فراشي على الموج، ويدور البحر في دمي، وكنت أفزّ من نومي وأجد ذراعيّ ممدّدتين كما في عمليّة الغوص، أو السّباحة في الأعماق. وفي محاولة للبرء من هذه العادة التي صارت تتشبّه بالداء قطعتُ سفرتي إلى لبنان وعدتُ إلى بغداد، محلّ سكني. لم تقدّم لي العلاج بلدة الرّشيد، وكان أن ازداد توقي إلى البحر، إلى روائحه العفنة، إلى أمواجه التي تموت وتحيا وتموت.
ما الحلّ؟
شددتُ الرّحال إلى مدينة العمارة، مدينتي. في بساتينها التي تسقيها أمواه دجلة تهبّ الرّياح رخيّة مثلما في الجنة. كنت أتجوّل في الفجر وأسمع الأمواج تغسل صخور البحر، وشذى الملح اللّيّن يفغم الهواء. كما كنت أتملّى خطوط يدي وأرى الأمواج تندفع فيها، وتتكسر على شاطئي.
ما الذي جرى لي؟ النّخل وأمواج السّعف الخضراء تدنيني من البحر أكثر وتزيد من لوعتي، والبحر يغور فيّ، يشارفني، ويهتاج عندها موج دمي. للبحر رائحة الثّياب القديمة، والأشياء القديمة، والحياة القديمة. أنام، وأرى في الحلم القمر يتبلّل في البحر فتبدو هالته ناراً مقدّسة مثلّثة الألوان.
ما الحلّ؟
كتبت، نوعًا من العلاج لحالتي الغريبة، بيَدٍ ساخنة وفي أقلّ من أسبوع، هذه الوصفات على صفحة واحدة، هي صفحة البحر. لا أميل إلى أن أعدّها قصصاً قصيرة جدًّا، ولا قصائد نثر، رغم أنّ فيها شيئاً من الاثنين. ربما كان أدبنا القصصيّ كلّه وصفة سرديّة نعوّض فيها توقنا الشّديد وحنيننا إلى الحياة، ذلك أنها تهرب منّا في كلّ لحظة، وتفرّ.
1
وفي أكثر الغرف سرّيّةً شممتُ رائحة طحلبٍ اسفنجيّ ترابيّ اللون رماهُ القدرُ في طريقي وأنا أتجوّلُ على الساحل، أناقش في داخلي أكثر أفكار بني البشر براءةً.
2
وسرعان ما هوت بنا العاصفةُ الهوجاء إلى عمق عشرة آلاف قامة إلى القرار، ورأينا الموت في هيئة سمكة قرشٍ تقرأ في كتابٍ أسماءَنا بحروف مائيّة مصوِّتة غريبة.
3
وكان حسناً أنّي رأيتُ في قعرِ المرآة صورةً شبيهةً للبحر الهادئ وافر الأمواج والحيّ، البحرِ التعبِ من تطلّعات روحه الفتيّة.
4
ثم اختار الرّجلُ الشّرفةَ يتطلع إلى البحر لواذاً من زوجته، التي تُعْمِلُ في زينتها منذ ساعةٍ، وأكثر. وكانت الرّيحُ طليقة تنفخ نايها، والزّوج يحسبُ عدد الأشرعة التي تتدحرجُ إلى عرض البحر وتغوص على غير هدىً.
5
لكنّ البطل منّا في السباحة سرعان ما انماثت جرأتُه وهو يرى الموج مثل ثيران هائجة، والعاصف يسوطها.
6
وكانَ ظلّ الشّراع يمسح سطحَ البحر ويحرّك الأعماقَ بمعجزةٍ غامضةٍ، وكانت ألوانُ السّماء باهتةً مثل السّماء ذاتها.
7
ثم سكنَ البحرُ الرّحيب، وكان لونُ الجزيرة التي تقترب ضاربًا في الحمرة، وكان كلّ شيء حقيقياً جداً عدا زرقة السّماء الخفيفة التي تبدّتْ بعيدةً وواهية ونحن نرى سرب السّمك الأحمر يشقّه الحيزوم ويتقدّم خفيفاً بين ورودٍ حُمْرٍ لاحمةٍ والشّمس كانت قامساً يهبط.
8
بينا يجري الشّراع بلطف أمام الرّيح اكتست الأمواجُ لوناً رصاصياً وشابهت الدّروع.
9
ومع الرّيح نشرنا الشّراعَ واندفعنا ومضى القارب بجنون وكانت الأمواجُ تتجعّد وتصرصر، خلال غشاوة واسعة منشورة من الضّباب، وفي تلك الوهلة كنّا نواجه الفجرَ المنحوت وسْط العاصف لدن طلوعه.
10
واصطفقَ الشّراعُ وهو مطويّ على مدى الدوقل بخطفة ريح قبل رفع المرساة وثارت المياه منفجّرة وترامت فوق القيدوم، وكان في السّماء زوجا عقبان، وقال أحد الملاحين: «هذا فألٌ حسنٌ أيها الرّفاق» وكان ذلك صباحاً والمُكْلَأ مزدحمٌ بالمراكب والسّفن.
11
وكان اللّيلُ مديداً والمركبُ يتقلّبُ لأن الرّيحَ كانت سادرةً هائجةً ونمتُ في القمَرة عند الفجرِ، وكانت أسماكٌ فضّيّةٌ تسبح هادئةً في أحلامي ومن لا جهةٍ يخفقُ طير.
12
وهبطنا إلى العنابر وكنّا نخوض وسط الأسلحة والدّم الأسود، بعد أن رمينا جميعَ القتلى طعاماً للأسماك، ثمّ حرّرنا الخيول وتوجّهتُ مباشرةً عند ذاك إلى الربّان الجبان الذي توارى خلف الصّناديق. صحتُ به:
«لا يليقُ بك أن تقفَ عاطلاً عن القتال وأنت كامل السّلاح».
وضربتُ عنقه فتمرّغ رأسُه في قذارة العنبر، بينما كان لا يزال يهذي حائراً في الجواب.
13
خطف القرصان امرأة سوداء الجديلة، عسليّة العينين، وكان يجبرها كلّ صباح أن تتطلع إلى مصيرها، وتقبّل سيفه. في الليل كانت تحرق بخور زينتها أدخنة سوداء، والقرصان يسكر، ويرشّ المرأة بالخمرة المرّة. ثم يعلو غناؤه، ويأمر أحد تابعيه مصاحبة المرأة في الرقص. القرصان يتجّه نحو البحر بسيفه، ويغني مثل الوحش.
14
وارتفع الرّذاذُ عالياً، فقد أثارته خيول البحر التي تحدث دويًّا عالياً وهي تجوب الآفاق، تطأ الشّواطئ والأعماق في الوقت ذاته ولا يصدّق بوجودها إلاّ منْ خَبِرَ الحياةَ في عرضِ البحر منقطعاً عن الأهل أعواماً وأعواماً.
15
فسرتْ في جسده آلامٌ رهيبةٌ وهو يبصر خيط الشّاطئ، وكان قلبه المهموم يحدّثهُ أنّ فضيحةً كبرى في انتظاره: «ولكن لماذا يحدّثني قلبي بهذه الأشياء، فلم أفعل شيئاً غير أني أُمِرتُ بعدم إغلاق عيون الأعداء القتلى قبل رميهم في البحر. يا إلهي الحبيب، كيف تغفر لي هذه الزلّة؟».
16
بينما تساقطت النّجومُ عند الأفق، أشعل السَّحَرُ مشاعله، وفقدَ اللّيلُ العاطر رونقَهُ، وكانت نجمة الفجر ترسلُ أشعّتها الخضراء تضرب بها جنبات السّفين وسْط البحرِ الخضمّ.
17
ومضت السّفينة مندفعة وسْطَ الصّمت الفضّيّ للقمر التِمِّ، الرّيحُ الرّخيّةُ عبّأت الأشرعة الملوكيّة والأشرعة العليا النّبيلة تريد أن تسمو بنا، تقلّل من غلوائها الأشرعة الخفيفة الجانبيّة، الأشرعةُ الخلفيةُ مطويّة
18
وأظلمَ طلاء الصّاري الأزرق، وصاحَ منْ كان واقفاً أعلى الدّفّة، وكان العاصفُ يشتدّ: «تثبّتْ! إنّ حبلاً يغسلُهُ زبدُ البحرِ سنيناً هو حبلٌ لا يعرف الوَهْيَ».
19
وكان الهرّ ذو الوبر الرّماديّ النّظيف، يلحسُ كفَّ حبيبتي، وتوهّجت النّار بشدّةٍ حين ضربَ الموجُ بقوّة جدار القمَرة الوضيئة، وماء الهرّ.
20
بيناً تنطفئ نيران السّماء حطّ سربٌ من الغربان فوق بساط الموج الأزرق، وكان السّكونُ شاملاً إلى حدّ أننا سمعنا حفيف أجنحة الإوزّ المهاجر في السّماء البعيدة. وقال أحد الملاّحين:
– لا تسكت الغربان حتى يعمّ الظّلام.
21
والحرّ الشّديدُ مع القيظ والشّمس القويّة في هذا النّهار الذي لم يرَ أحدٌ مثله جعل موجَ البحر الهامد مثل لهب نيران تتحرّك. سماء شاحبة ودخان في كلّ مكان يظلّل المراكب الملوّنة التي بدت من الشّاطئ، كما لو أنها تحترق في النار الزّرقاء العميقة، النار الصافية الجميلة.
22
ورأيتُ الحربةَ تستقرّ في كبدي، أسفل القلب مباشرة والدم الأسود يتدفق من جرحي المؤلم، وتشبّثتُ بعارضة الدّوقل بشدّة كي أتجنّب سهام الصّفوف الأولى، وكانت مراكب العدوّ تمرق أمامي مسرعة. واهاً لي وواهاً لي ثم واهاً… فما سيجري عليّ لا أستطيع احتماله. مَنْ لي بكأسي المرصّعة بالذهب تسقيني بها زوجتي الجميلة شراب الجعة أطفئ به نيران ظمئي الشّديد، وأذوق بطعم شفاهها الشّفاء على الفور.
23
بين طيّات الضّباب الكثيف، وكان النّادل يقدّم لي طبق السّلمون فوق خاصرة لحم العجل، ولصديقتي جبن الكويل على الدّجاج، شاهدنا معاً من النّافذة ضوءًا أخضرَ ينتشرُ في سماء البحر البيضاء، واستدعيتُ المديرَ وسألته وأجابني أنها ظاهرةً فلكيّةً تحدث في أيّ بقعةٍ عندما يتساوى جذب قطبيْ الأرض المغناطيسيين، ثم سمعنا عقب ذلك مباشرةً انفجار الصّاعقة، وبدأت الأمواج في النّوافذ ترعد.
24
وكان الشّيخُ مرهون سيّد الجميع ذو اللّحية التي ببياض القطن يكلّم البحّارة قبل رفع المرساة: «الشّجاعة وحدها ليست كافية، بل رباطة الجأش وثبات الجنان وصبر الرّوح على المتاعب وتجرّع الألم وأقسى أنواع العذاب، والمزيد المزيد من الحرص والطّاعة، كما أن ركوب البحر يحتاجُ أكثرَ ما يحتاج إلى الحظّ»، وفي دخيلة نفسه كان الشّيخ يعترف ألاّ أحد بمقدوره تجنّبَ سوء حظّه، وكان وجه أحد الملاّحين لم يحظَ بالهوى في نفس الشّيخ فقرّر استبعاده على الفور وإن كان هذا الرّجل قويًّا وفي شرخ الشّباب. كان اسم هذا الشابّ خمّاس، وهو الوحيد الذي نجا من بين إخوانه وأبناء عمومته وأخواله الذين كان قبَرَهم اليمُّ، في تلك الرحلة المشؤومة التي كان الشيخ مرهون راعيها.
25
واستمرّ سقوط الثّلج حتى بعد أن هدأت الرّيح، غطّى الأشرعة الملكيّة والنّبيلة وغطّى مساحة شاسعة من البحر، كما غطّى الميناء والشّاطئ، وكان الموج يزيله، لكنه كان يمسح كلّ شيء بمهارة وفنّ، وقرّر القبطان تأجيل السّفر حتى تهدأ ثائرة الثّلج.
26
ومن ثنايا النّعاس، والدّفّة بين يديه، خُيّل إلى الربّان أنه يرى أفاعِيَ وثعابينَ تتلاقى، وتتعانق، وتذكر عندها الحكمة التي مفادها أن على الرجل الحكيم أن يؤمن قبل كلّ شيء بنبوءة القدر، وهكذا كان على الجميع في السّفين أن يطيعوا ربّاناً يرى في أحلامه ثعابينَ وأفاعيَ تتلاقى، وتتعانق، ذكوراً وإناثاً.
27
وبني عكيل أناس لا يرحمون، وكان الذي اعتدى على ابنهم شابًّا نزقاً، بينما كان يروم العبورَ من قارَبه إلى الشّاطئ رفس مقدّمة مركبهم بقدمه، وهجم بني عكيل في تلك اللّيلة على بني كعب، عشيرة الشّابّ منكود الحظّ. كان على بني عكيل أن يتّقوا الله، فبعدَ أن رفض بنو كعبٍ أداء الدّيّة – ما يعادل ألف ثور- تربّصوا للشابّ في ليلة قمرها البدر لم يكتمل، وكان اليوم ثلاثاء، أفرغوا في جسد الشّاب ثمانينَ طلقةً كلّ طلقة تتشظّى داخل الجسد.
28
وبأقدامٍ عارية كانت الفتيات يرقصنَ على الشّاطئ على موسيقى النّاي للحبّ والوفاء، والسّفينة كانت تغادر، وكان الغسق يغرق وجه الأفق. لكنّ الحبّ ومشاريعه المزمعة أضحت بعدئذ رماداً حين غاض الحبّ من قلوب البحارة عندما امتصّت نساء الجزر عسلَ فحولتهم، وكانت الأجمل بينهن تعزف على الكيتار، تغني: «كي تتخفّفوا أيها الشّبّان من الأحجار الثّقال. أيها الشّبان». أيتها الفتيات منكودات الحظّ، لا تنتظرن شباباً ينامون الآن في أحضان عاهرات الموانئ.
29
وكان الرّجل الذي التقيتُه في الحانة في ميناء العقبة خبيراً محنّكاً عركه الدّهر، كما أنه خاضَ البحارَ مرّات، الدّماء التي تجري في عروقه كرديّةً رغم أنّه يحفظ قصائدَ شعراء بني هذيل جميعاً مع المعلّقات وأشعار طرفة بن العبد. كان ذكياً وماهراً في إلقاء الشّعر وسريع البديهة. انتبهتُ إلى السّحر في نظراته عندما راح يتكلّم بعد الكأس الرّابعة بصوت خفيض، كأنه يسرّ في أذنيّ: «إذا أردتَ ركوب البحر عليك أن تتحلّى بالشّجاعة وألاّ تكون ممن يقيمون وزناً للمال. خيرٌ للبحّار أن يأكله القرشُ مرات من أن يتّهمه الرّجال بالجبن أو البخل ويفعلون به عند ذاك الفِعال».
30
وطار مركب القرصان فوق لجّة البحر، وشاهدوا الكهف السّحيق في الأسفل، وكان فرس البحر الأشقرُ ذو الحافر البرونزيّ والعرف الذهبيّ يخبّ، وسمعوا في الأثناء صخباً شديداً وصراخاً مخيفاً يبعثُ الرّعبَ في أكثر القلوب شجاعة، وأطلق البحّارة صيحات الرّعب المدوّية، وقال القرصان: «لا ترتاعوا! إنه صهيل فرس البحر وقد طال شوقه إلى أكل اللّجام».
ثم ذهبَ بنفسه إلى الدّفّة وتولّى قيادة المركب المندفع مثل السّهم إلى هدفٍ.

*»وصْفة» اسم مرّة من الفعل وصف. الجمع: وصفات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية