القاهرة ـ ‘القدس العربي’ صحف أمس الأربعاء 22 كانون الثاني/يناير امتلأت بالأخبار ذات الدلالات السياسية التي ارسلتها الدولة في كل الاتجاهات، أولها كان قيام وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي على رأس وفد عسكري بزيارة لوزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم في مكتبه لتهنئة الشرطة بعيدها في الخامس والعشرين من الشهر الحالي، وتأكيده على ان الشرطة والجيش سيحميان الاحتفالات بالذكرى الثالثة للثورة التي أطاحت بنظام مبارك. كما أكد اللواء إبراهيم ان الشرطة ستوفر الحماية الكاملة للاحتفالات، وتوعد الإخوان برد عنيف إذا لجأوا إلى أي شكل من أشكال العنف لإفساد الاحتفالات في الميادين، كما دعاهم الى ان يجربوا حظهم مرة أخرى في مهاجمة أقسام الشرطة، وهذه الإشارة من السيسي وإبراهيم رسالة واضحة لأنصار نظام مبارك الا يعلقوا أي آمال للعودة للواجهة والانتقام من ثورة يناير، وإشارة ايضا الى رد الاعتبار الى جهاز الشرطة واعتباره حامياً للشعب مثل الجيش. أما الحدث الثاني فكان استقبال الرئيس عدلي منصور لممثلين عن جميع تجمعات الشباب والاستماع الى ملاحظاتهم وانتقاداتهم ومطالباتهم وشكاواهم من الحملات التي يتم شنها ضد شباب الثورة، من بعض أنصار نظام مبارك، فأكد لهم ألا عودة بالمرة لأي ممارسات سواء كانت أيام مبارك أو الإخوان، وعليهم تقديم الأدلة على أي اتهامات لهم، وأن أي قضايا امام النيابة العامة او القضاء لا يمكن التدخل فيها. والحدث الثالث في صحف امس، كان المؤتمر الصحافي الذي عقده المستشار السياسي والاستراتيجي للرئيس الدكتور مصطفي حجازي، وأكد فيه الا عودة بالمرة لنظام مبارك أو الإخوان، بل اتهم مبارك بالتحالف معهم.
وإلى بعض مما عندنا:
نظام مبارك ما زال يحكم مع
بعض التغييرات الطفيفة في التفاصيل
نبدأ من صحيفة ‘التحرير’ وزميلنا نبيل عمر وقوله:
‘هل يمكن أن يعود نظام مبارك؟ الإجابة: قطعاً لا ومستحيل لسبب بسيط وساذج جداً وهو أن نظام مبارك لم يرحل أصلاً، فكيف يعود ما لم يذهب، فقط تخلصنا من قياداته في الرئاسة والبرلمان والمحليات وبعض الأجهزة التنفيذية وأيضاً من الوجود الرسمي للحزب الوطني، وهو هيكل سلطوي هش ارتبط بالرئيس، ومع غياب الرئيس يذوب تلقائياً كما يذوب الجليد مع شمس الربيع، لكن النظام نفسه لم يصب ولا بطلقة خرطوش واحدة، ولا حتى بلكمة قاضية في ذقنه تفقده وعيه.
فقد حصلت له خضة وضربت ركبه في بعضها وبعدها استقام عوده وحاول الإخوان الاستعانة به والاستحواذ على امتيازاته، وفي النهاية مازال يحكمنا مع بعض التغييرات الطفيفة في التفاصيل التي لا تمس جوهره، فالنظام هو مجموعة ‘القواعد’ التي تدير حياة المصريين وثرواتهم في كل الأنشطة اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية ورياضية وفنية، وهذه القواعد كما هي تدير نظاماً فاسداً جائراً.
ودورنا الآن هو تأسيس نظام عام جديد سواء جاء عبدالفتاح السيسي رئيساً بإلحاح المصريين أو ظل على رأس المؤسسة العسكرية لأسباب هو يقدرها’.
برهامي: ما بيننا وبين الإخوان
مجرد خلاف في وجهات النظر
اما الشيخ ياسر برهامي نائب رئيس جمعية الدعوة السلفية التي انطلق منها حزب النور، فقال في حديث نشرته له جريدة ‘الصباح’ الاسبوعية المستقلة، وأجرته معه زميلتنا الجميلة نجواي مهدي:
‘لابد للجماعة من مراجعة أفكارها وتغيير قياداتها حتى لا تخسر مزيداً من الشعبية في ظل أحداث العنف لن يحصد إلا العنف والكراهية، لذا فلو كان الإخوان عقلاء فلابد لقيادتهم أن تنظر إلى شباب الجماعة بعين الخوف والعمل على مصلحتهم، لا دفعهم الى التهلكة لتحقيق مصالح القيادات، ولا بد من إعادة دمج هؤلاء الشباب في المجتمع بأفكار جديدة وثقافة تتكامل مع فكر وثقافة المجتمع، ولا تتصادم معه، لأن تكفير المخالفين منهج خاطئ يعود على صاحبه، لم يكن هناك تحالف مع الإخوان كما يظن البعض إلا من خلال وجود مواقف سياسية معينة يتفق عليها الطرفان، ولم نقم بخيانة جماعة الإخوان كما يرددون ولم نقفز من السفينة الإخوانية وهي تغرق، لكننا فضلنا الوقوف إلى جانب استقرار الوطن، فمواقفنا تنبع من مبادئنا ونحن نؤيد أي مبادرة للإصلاح لمنع تدمير الدولة أو تقسيم الجيش أو تدويل الأزمة الداخلية ونرفض تماماً أي تدخل خارجي في الأزمة السياسية الداخلية في مصر، ولابد أن أؤكد أن ما بيننا وبين الإخوان مجرد خلاف في وجهات النظر، وما يروجه قادة الجماعة من اتهامنا بالخداع كذب وتضليل، فنحن نحب ديننا ووطننا ونحب المواطنين الذين نشترك معهم في الوطن، لم نكن حلفاء للإخوان ثم صرنا أعداء، إنما نحن ناصحون ومحبون للخير لكل الناس’.
مصداقية التطبيق الشعار الأولى بالرعاية
ظاهرة فقدان الإخوان لمواقعهم، واحدا تلو الآخر عالجها يوم الاثنين في ‘الوطن’ صديقنا المحامي الكبير وعضو مكتب الارشاد السابق، وعضو مجلس نقابة المحامين الاسبق، مختار نوح بقوله:
‘التيارات الإسلامية أو التي اختارت لنفسها ذلك الاسم بدأت تفقد بريقها وصدقها لدى الجماهير بأسرع مما تتصور، وقد ظهر ذلك على مستوى النخب وعلى مستوى طبقة الكادحين على السواء، فلم يعد شعار الإسلام جاذباً للآلاف والملايين وانما اصبحت مصداقية التطبيق هي الشعار الأولى بالرعاية، ففي النقابات المهنية فقد من أطلقوا على أنفسهم اسم التيار الإسلامي ثقة أبناء المهنة، وفقد هؤلاء مقاعدهم في اتحادات الطلاب، ثم نقابة الصيادلة ثم نقابة الأطباء، ثم هاهم أيضا يفقدون نقابة المهندسين فلم يكن أحد يتصور أن يحتشد الناس لسحب الثقة من مجلس تم انتخابه، ذلك ان سحب الثقة بمثابة اتهام في الكفاءة أو الأمانة أو الاثنين معاً، ويكون التصويت بـ’نعم’ في سحب الثقة حكما قضائياً غير قابل للطعن فيه، ذلك ان الذي يحكم هنا هو الجمعية العمومية، وبنفس الدرجة سحبت الطبقتان المتوسطة والفقيرة من التيار الذي أطلق على نفسه اسم الإسلامي الثقة وذلك في استفتاء 14 كانون الثاني/يناير 2014 فسحب الناس الثقة تماماً من أصحاب ذلك الشعار، وكان احتشاد الناس احتشاداً مركباً بين تأييد الدستور وبين رفض الذين ملأوا حياتنا بالشعارات ثم ها هم يملأونها بالرعب، فرفض الناس أن يحشدهم أحد فحشدوا هم أنفسهم وجاءوا من كل فج عميق، ومن هنا فإن على إدارة الإخوان المسلمين أن تراجع نفسها، وعلى إدارة حزب النور أيضاً أن تراجع علاقتها بالجماهير’.
متهمون يرفعون شعار
‘لا أسمع… لا أرى… لا أتكلم’
وننتقل الى جريدة ‘المصريون’ عدد امس الثلاثاء ومقال الكاتب حسام فتحي الذي عنونه بـ’ما خدتش.. ما قلتش’:
‘طبعاً.. ‘المتهم بريء حتى تثبت إدانته’.. لكن أيضاً من حق هذا المتهم أن يتكلم يوضح.. يزيل اللبس.. يصرخ.. يدافع عن نفسه أمام أهله ومحبيه ومؤيديه ومناصريه ومن رفعوه يوماً فوق الأعناق والرؤوس، ورددوا كلماته المكتوبة أو المنطوقة كأنها ‘الدرر’ الوطنية المنحوتة بحروف النور.
قضيتان مطروحتان على الرأي العام، وعلى الرغم من خطورة الاتهامات المذكورة فيهما، إلا أن ‘المتهمين’ رفعوا شعار الحكمة ‘لا أسمع.. لا أرى.. لا أتكلم’، وتركوا الناس تتخبط في لجج الآراء المتلاطمة بين مصدق ومكذب، ومدافع ومهاجم.
الأولى: حملة التشهير و’التجريس’ الشرسة التي يشنها الأشقاء ‘الإخوان’ في تونس الخضراء على مجموعة من الإعلاميين العرب، مصريين ولبنانيين وغيرهما، بينهم 20 صحافياً مصرياً، فيهم رؤساء تحرير سابقون، وأسماء لامعة في عالم صاحبة الجلالة، بعضهم انتقل إلى الرفيق الأعلى، وأغلبهم تركوا مواقعهم القيادية في الصحف المصرية، والتهمة التي وجهها لهم ‘الإخوان’ في تونس الشقيقة، هي الحصول على أموال من ‘المخلوع التونسي’ زين العابدين بن علي مقابل ‘تلميع’ صورته إعلامياً.
ولم يحدد ‘إخوان تونس’ طبيعة العمل الإعلامي الذي قام به هؤلاء الصحافيون، وهل ذهبت هذه ‘الأموال’ المزعومة إلى جيوبهم، أم إلى خزائن مؤسساتهم القومية والحزبية والخاصة مقابل إعلانات مباشرة أو موضوعات تحريرية؟.. ما علينا، المهم انه مقابل حملة ‘التجريس’ التونسية لم يتفضل إعلامي واحد من المتهمين بمواجهة الاتهام، وتوضيح الحقائق، ودرء الشبهات، حتى يحتفظ بصورته أمام الناس، خاصة أن ‘المُجَرِسِين’ ادعوا أنهم بعد أن يئسوا من استرداد أموال الشعب التونسي اضطروا إلى اللجوء للقضاء.
القضية الثانية: حملة ‘الصندوق الأسود’ والتسجيلات الشهيرة التي يذيعها الإعلامي عبدالرحيم علي، والتي تلقى نسب مشاهدة عالية، وفيها يتم أيضاً ‘تجريس’ رموز ‘ثورية’ مصرية، وبث للدنيا أصوات مكالماتهم مع صورهم، وهم يتحدثون عن ‘أموال’ خارجية، ورشاوى وخيانة وبلاوي سودة.
ما علينا من الاتهامات والمكالمات.. الغريب أن ‘الرموز الثورية’ التي تم فضحها واتهامها بالخيانة والعمالة والتآمر والـ’بلاوي’ جعلت الناس تستقبل احد هذه الرموز في لجنة الاستفتاء بـ’علقة ساخنة’، هذه الرموز لجأت ‘قلة’ منهم إلى القضاء وقلة منهم طالبت ‘الرئيس’ بالتدخل ووقف البرنامج.
لكن أحداً من الإعلاميين الذين تم ‘تجريسهم’ أو الناشطين الذين جرى ‘فضحهم’ لم يواجه الناس مكذباً الاتهامات، لا أحد هؤلاء قال ‘ما خدتش’ ولا أحد أولئك قال ‘ما قلتش’.
أرجوكم قليلاً من الصدق مع الناس، والشفافية مع المصريين حتى لا نفقد ثقتنا بـ’رموز’ إعلامية وسياسية.. نحترمها حتى الآن.
وحفظ الله مصر وشعبها من كل سوء’.
الاعتراف بالخطأ هو مفتاح الطريق الصحيح
أما رئيس تحرير ‘المصريون’ الكاتب جمال سلطان فنقرأ له رأيه الذي عنونه بـ’اعتذار الاخوان المسلمين’ يقول فيه:’ البيان الذي أطلقته جماعة الإخوان المسلمين أمس بمناسبة استقبال الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير التاريخية والمجيدة، هو بيان نادر وأعتقد أنه غير مسبوق في تاريخ جماعة الإخوان، لأنه للمرة الأولى يحمل اعتذارا واضحا للشعب المصري عن أخطاء ارتكبتها الجماعة وأدت بنا إلى ما نحن فيه الآن، أيا كان توصيفه أو فهمه، لم يسبق للجماعة أن أعلنت مثل هذا الاعتذار العلني عن سياسات وإجراءات ومواقف اتخذتها، دائما كانت الجماعة تراوغ وترفض الاعتذار، وتكتفي بالأحاديث الهروبية الفضفاضة من مثل ‘كلنا بشر وكل البشر يخطئون’، لكنها لم تذكر ـ بشكل رسمي ـ أبدا موقفا واحدا محددا أخطأت فيه، اليوم نحن أمام تحول جديد، ينبغي التعامل معه بشيء من الجدية، كما أني أتصور أنه في المجمل تطور إيجابي في سلوك الجماعة، لأن الاعتراف بالخطأ هو مفتاح الطريق لكي تصلح من مسارك ومواقفك، وطالما لم تعترف بخطئك فمن المستحيل أن تصلح أو أن تقنع الآخرين بأنك جدير بالشراكة والثقة .
هذا التطور كان ثقيلا للغاية على الجماعة، وحتى صيغة البيان تحمل الإحساس بثقل الكلمات وتأخير مواطن الاعتذار إلى آخره، وحشوه بالكلام العاطفي عن الثورة والتوحد والذوبان وإنكار الذات من أجل الوطن، ولا يقلل من قيمة البيان أنه يأتي في ظروف تجد الجماعة فيها نفسها تحت وطأة الآلة الأمنية القاسية، والإجراءات القضائية والسياسية التي تشدد الحصار عليها بصورة غير مسبوقة، ولكني كنت أتمنى ألا يكون أول شرح للأخطاء التي وقعت فيها الجماعة هي ثقتها في المجلس العسكري، أو كما قال البيان بنصه: (وإذا كان الجميع قد أخطأوا فلا نبرئ أنفسنا من الخطأ الذي وقعنا فيه، حينما أحسنا الظن بالمجلس العسكري)، لأننا إذا كنا أمناء مع أنفسنا ومع الدعوة إلى المصالحة فينبغي أن نضع الخطأ في سياقه الحقيقي والصحيح، فالخطأ ليس في وضع الثقة بالمجلس العسكري، ولكن في التحالف مع المجلس العسكري على حساب بقية قوى الثورة، الخطأ كان في تصور أنك تملك دعم الجيش وبالتالي يمكنك أن ‘تدوس’ على كل شركاء الثورة أو مؤسسات الوطن الأخرى، بما فيها القضاء ، وبعد أن خسرت كل هؤلاء واستعديتهم اكتشفت في النهاية أن ‘الركن الشديد’ الذي كنت تتصور أنك تستند إليه تلاعب بك، واستخدمك بذكاء لحشد الجميع ضدك وارتمائهم في حضنه، وتوسعة الطريق أمامه…. لقد قال البيان في ختامه ما نصه : (ولا ريب أننا جميعا قد وعينا الدرس، واقتنعنا بحكمة أن الوطن للشعب كله بكل أفراده وفصائله وقواه، نديره عبر مشاركة حقيقية من كل أطيافه، لا تستثني أحدا، ولا تقصي أحدا، ولا تحتكر الحقيقة، ولا تتحكم في توزيع صكوك الوطنية بالهوى)…
البيان تحول إيجابي كما قلت، وأتمنى أن يكون له صداه العملي في السلوك السياسي للجماعة وأنصارها، وإعادة صياغة كثير من المفاهيم عن تصور معنى الشراكة السياسية ومعنى القبول السياسي بالآخر واحترام التعددية وحمايتها، وهي أمور تحتاج تصحيحا في الوعي والفكر والثقافة السياسية قبل الممارسة العملية، وإن كنت أتصور أن البيان لن يكون كافيا ـ الآن ـ لإقناع القوى الوطنية والثورية الأخرى للثقة من جديد بالجماعة أو التصالح معها، فضلا عن الشراكة السياسية، ولكنه ربما يكون عاملا مساعدا في جهود احتواء أزمة الوطن الحالية والانسداد السياسي الذي غيب اليقين بصورة المستقبل’ .
حملة غربية تدعو الناس
إلى أسلوب وتقاليد الماضي
وننتقل الى جريدة ‘الشروق’ عدد امس الاربعاء ومقال الكاتب جميل مطر الذي ينصحنا بان نعد للعشرة اولا:’ نصيحة سمعتها مرارا من الكبار في بيت عائلتي، وسمعتها مرارا من أستاذ تعامل معي وزملاء آخرين كصديق. كان يدرس لنا الفلسفة السياسية في آخر سنوات الدراسة الجامعية. كان يعتقد أن المسافة الزمنية التي تفصل بين الانتهاء من تشكيل الفكرة والنطق بها يجب أن تكون كافية لتبريد درجة الانفعال في القلب وزيادة الأكسجين في الصدر واكتمال الحكمة في العقل. ‘أنت لا تخدم الفكرة ولا توفيها حقها إذا تركتها تخرج من فمك وأنت منفعل أو بنفس متقطع أو بنقص في الاقتناع’. عادت النصيحة ترن في أذنى وأنا أقرأ تقريرا صحافيا عن حملة تدعو الناس في الغرب إلى إبطاء حركتهم وعدم التعجل في الرد على أفعال الآخرين. تدعو الحملة أيضا للتخلي عن استهلاك الوجبات السريعة والعودة إلى أسلوب وتقاليد الوجبات البطيئة، خاصة بعد أن تأكد أن تناول الطعام بسرعة، والإقبال المتزايد على استهلاك الوجبات جاهزة الطبخ، يتسببان في أمراض كثيرة ليس أقلها تهديدا للحياة السمنة المفرطة.
وفي موقع آخر وقعت على تقرير عن الدور الذى يلعبه ‘التغريد’ tweeting في تغيير مفاهيم وممارسات مهنة الصحافة. عهدنا بالصحافيين كمخبرين أو معلقين ومحللين، أنهم يختلطون بالناس حيث يعملون ويتسلون ويتنقلون، هذا هو عهدنا بهم في الماضي. تغيرت أمور وتبدلت عهود وكان نصيب مهنة الصحافة لا يقل عن نصيب مهن أخرى. خرج منذ أيام أحد كبار ملاك الصحف الجدد في أمريكا بزعم أن نوع الصحافيين الذين يختلطون بالناس في كل مرافق الحياة يكاد ينقرض، بعد أن كادت تنتفي الحاجة إليه. قال المالك الجديد، ‘نحن الآن لسنا في حاجة لمخبرين يجوبون الطرقات ويركبون الباصات ويختلطون بأهل الضواحي الفقيرة ليكتبوا لنا عما يرون ويسمعون. هناك، كما في كل مكان، يوجد أفراد يرون ويسمعون ثم يغردون ولا يكلفوننا شيئا. هؤلاء وفروا علينا مرتبات صحافيين ونفقات تدريبهم وتنقلاتهم وأعباء رعايتهم الاجتماعية وأجرة مساحات يشغلونها وكلفة استهلاك مفروشات وأجهزة واستخدام اتصالات عندما يوجدون في مبنى الصحيفة.
‘المغردون حلوا محل معظم الصحافيين منذ أن زاد الاعتماد عليهم وتضاءل الاعتماد على أهل المهنة’…
صديق مهتم بدراسة برامج الكلام التلفزيونية أسر لي بأنه قارن بين الحوارات التي كانت تجري قبل سنوات عديدة والحوارات التي تجري الآن في عصر التويتر والفيسبوك، أي في عصر السرعة. اكتشف أن عددا متزايدا من المحاورين صار يتعامل مع أمثاله من المتحاورين على أن كلا منهم، جاهل أو متعصب أو أبله أو مدعٍ أو عميل أو خائن أو شرير أو فاسد. اكتشف أيضا أن الحوارات في أغلبها تبدأ تربصا فصراخا يتحول إلى عراك تنقله الكابلات والأثير إلى ملايين المشاهدين في بيوتهم وبين عائلاتهم. أصبح التوتر مرضا شائعا وأصبحت قواعد النقاش الإلكتروني زاعق الصوت ومتدني الألفاظ قواعد ثابتة في النقاش العائلي. أصبح الرأي يأتي قبل السؤال والخبر، والسرعة معيار النجاح والفصاحة وليس الحجة والمنطق….’.
أخيرا فهمت لماذا راح بعضنا يلجأ أكثر من أي وقت مضى إلى كلاسيكيات السينما المصرية والعالمية، حيث البطء الناعم والرتابة غير المملة، والعواطف غير المصطنعة، والبساطة الأنيقة، وحيث الخير منتصر والتفاؤل سمة كل النهايات. فهمت أيضا، وأدركت، أهمية الاقتراح الداعي لوضع ‘إتيكيت أون لاين’ ينظم العلاقات بين المتعاملين في الفضاء الإلكتروني، ويرتفع بمستوى الكلمات، ويشجع على العودة إلى التفكير مرات قبل إبداء الرأي’.
المطلوب كسب قلوب الناس
بدلا من تخويفهم
ونبقى في العدد نفسه من جريدة ‘الشروق’ واليوم نفسه ومع الكاتب عماد الدين حسين الذي يقول لنا ان هناك طريقين امام الحكومة وهما:’ غالبية الذين خرجوا في ثورة 25 يناير هم أنفسهم الذين صوتوا في استفتاء 19 اذار/مارس 2011، هم أنفسهم الذين لم يصوتوا كثيرا لأحمد شفيق في يونيو 2012، هم أنفسهم الذين خرجوا ضد الإخوان في 30 حزيران/يونيو.
هؤلاء أيضا هم الجمهور الكاسح الذي قال نعم في الاستفتاء الأخير على الدستور الاخير. بعبارة أخرى الذين قالوا نعم للدستور وللدولة وللجيش وللمدنية وللاستقرار هم كل المصريين ما عدا جماعة الإخوان وبعض المتعاطفين معها. وبالتالي وجب على الحكومة وأهل الحكم أن يحاولوا التصرف على هذا الأساس.
أمام أهل الحكم طريقان رئيسيان بعد النسبة الكبيرة لنعم في الدستور الأخير وعليهم ان يختاروا احدهما.
الأول أن يستمعوا إلى نصائح تنظيم ‘العائدون من دولة مبارك’ ويستنسخوا دولته مرة أخرى من دون وجوده شخصيا، لكن بكل سياساته وأفكاره ورموزه.
الثاني أن يفهموا أن هذه النسبة تفويض شعبي لمواجهة الإخوان وكل المتطرفين والظلاميين مع تقديم برنامج عمل للمستقبل وتحقيق أهداف ثورتي 25 يناير و30 يونيو… النقطة الجوهرية في هذا المقال هي حض أهل الحكم على الالتفات إلى نقطة مهمة هي ألا يتركوا قطاعات شعبية واسعة للانصراف عن الدولة او الائتلاف العريض لتيار 30 يونيو، لأي سبب من الأسباب. هذه القطاعات تخشى أن يكون المسار الحالي يعود بالبلاد إلى أجواء ما قبل 25 يناير، وبالتالي تفضل الانزواء جانبا.
والسيناريو الكابوسي أن تتسبب بعض السياسات الحمقاء في تقديم هؤلاء المواطنين المحبطين إلى جماعة الإخوان على طبق من ذهب.
فى كل الأحوال على أهل الحكم والعقلاء داخله أن ينتبهوا إلى خطواتهم المقبلة، عليهم أن يركزوا على إنصاف الفقراء والمحرومين، وعليهم أن يركزوا على قصة التنمية وفرص العمل والاستثمارات، وإيصال رسالة للشعب بأن خروجه في 30 يونيو ثم 14 يناير سوف ينعكس بالخير عليه وعلى حياته وعلى مستقبله. على أهل الحكم البرهنة على أنهم مؤمنون حقا بالحريات خصوصا حرية التعبير. ليس من الحصافة أن يسير الحكم في الطريق الأول، لأن القوة وحدها لم تنجح في تثبيت اركان حكم طول العمر.
لو كانت قوة الامن كافية بمفردها ما سقط اي طاغية ومن لا يصدق عليه ان يقرأ التاريخ البعيد جدا والقريب جدا. مطلوب كسب قلوب الناس بدلا من تخويفهم فقط.
ما زالت الوساطات أساسا
في الترشيح للوظائف
اما عمرو خفاجي الكاتب في جريدة ‘الشروق’ فقد كتب امس مقاله عن وعود حكومة الببلاوي في الحد الاقصى للدخل يقول:’في إطار الوعود العامة التي أطلقتها حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قررت أخيرا تطبيق قانون الحد الأقصى للدخل، الذي تقرر بخمسة وثلاثين مثلا للحد الأدنى، وبحيث لا يتجاوز 42 ألف جنيه، والقرار صدر على اعتبار أنه مكمل لقانون الحد الأدنى للأجور، وكل ذلك في إطار ما سمته الحكومات المتعاقبة والقوى السياسية المختلفة ‘تحقيق العدالة الاجتماعية’، طبعا ليس من الإنصاف تجاهل الأمر أو إهماله أو التقليل من شأنه، فالقرار يضفي حالة من الارتياح عند قطاعات كثيرة من المواطنين، كما أنه يرضي عددا لا بأس به من جماعات الاحتجاج الاجتماعي التي كانت ترى في تفاوت الأجور جريمة وسببا مباشرا لغياب العدالة الاجتماعية، ومع ذلك فما حدث لا يعني أبدا أن تلك هي العدالة الاجتماعية المنشودة، أو أن تطبيق الحدين الأدنى والأقصى، هو علاج ناجع لتفاوت الأجور، وأن ذلك سيعيد ترتيب الخريطة الطبقية في مصر.
ما حدث سيحسن قليلا شروط العمل في المصالح الحكومية، مقابل غضب مكبوت من الذين يرون في ذلك ظلما للذين يعملون أو يعتقدون أنهم أصحاب مهارات خاصة، ويتضاعف هذا الإحساس في ظل هيمنة ثقافة أن الموظفين يحصلون على أجور بلا عمل، وأن السبب في ارتفاع دخول البعض، لأنهم هم من يقومون بالعمل فعليا، وهي ثقافة شائعة منذ سنوات طويلة، وإذا سلمنا ببعضها، فلن يكون مسؤولا عن ذلك سوى الدولة نفسها التي تركت الأمور تصل إلى هذا الحد، وإلى هذه الدرجة من الإهمال الوظيفي الجسيم، الذي هو أيضا إهدار للثروة البشرية في البلاد.
أعتقد أنه مع تطبيق الحدين الأدنى والأقصى للأجور، يجب أن تتدخل الدولة عبر القيادات الحكومية لتعديل تلك الثقافة وتغييرها، وتبدأ في الاستفادة من موظفيها في تحسين الخدمات والإنتــــاج، وإلا سيكون الحد الأدنى بمثابة رشوة لا تليق ببلد يرغب في النهوض ولا بشعب قرر الثورة على أحواله البائسة… كما أن المواطنين يجب أن يشعروا بأن معاملاتهم تنجز بشكل أفضل وان الموظفين يقومون بواجباتهم ومهام وظائفهم بما يحقق صالح الشعب من دون عناء.
إلا أن كل ذلك لا يمكن أن يحدث إذا لم تكن هناك عدالة كاملة سائدة على الجميع، بدءا من تعيين الموظفين الجدد، وانتهاء باختيار القيادات العليا، وأن يكون ذلك متاحا أمام الجميع، حتى يكون أمام الجميع فرص متساوية سواء فى الحصول على الوظيفة أو في الترقي للمناصب العليا، وهو غير الحاصل حاليا، فمازالت الوساطات والأهواء، وأحيانا التقارير الأمنية، فاصلا في ترشيح أي مواطن لوظيفة جديدة، أو ترقي آخر لمنصب قيادي، وهو ما عكس حالة عامة من اليأس، جعلت الأداء الوظيفي في المصالح الحكومية شديد البؤس، فهم لا يخافون عقابا ولا ينتظرون ثوابا، فقط يعيشون بمنطق ‘أيام وبنقضيها’ وهذا ما حطم كفاءة الجهاز الإداري للدولة الذي مازال البعض يعتقد أنه قوى وعميق.. فيا ليته يصبح قويا وعميقا’.
عندما ترسلك موسيقى
موتسارت إلى حتمية أن تغلق عينيك
اما الكاتبة في جريدة ‘الاهالي’ مايسة زكي فتأخذنا في استراحة موسيقية نختتم بها تقاريرنا لهذا اليوم :’أكتب في أعقاب سماعي لموتسارت. في دار الأوبرا المصرية، استمعت إلى عزف أوركسترا الحجرة المصري بقيادة أحمد الصعيدي. السيمفونية رقم 29 في سلم لا الكبير، تصنيف كوخل رقم 201، وقبلها كونشرتو للفيولينة والاوركسترا في سلم لا الكبير، تصنيف كوخل رقم 219، صوليست حسن شرارة. ماذا يمكن أن يقال بعد كل ما قيل؟
حقاً الكلمات عبء على الوجود. عندما ترسلك موسيقى موتسارت إلى حتمية أن تغلق عينيك، تغلقها دون كل ما يفصلك عن استقبال خطابه النغمي. هذا الوصل الباطني. ما وراء ظاهر الوجود وظاهرك. صمت جميل. صمت عميق. قرار النفس وجواب بعيد محلق. خروج مؤقت من تزامن وتدافع كلمات مسعورة متكالبة يحكمها استقطاب يفتقر الى أي شكل من أشكال الصراع الفني، وأصوات منفرة.
تآلف النغمات، تساند الأصوات الموسيقية، ولوج الآلة المحتفي بها وصاحبة الدور الرئيسي، لحظات استحيائها، تسللها، تمكنها، نشوتها المتصاعدة، انسحابها. دقائق ورقائق تلامسات والتفافات قوس الكمان في يد حسن شرارة. أفتح عينيّ بخشية شديدة أن تفلت إحدى النغمات في ضوء المسرح. أخطف تعبير وجه شرارة، وما يفيض به من بهجة الأداء وانسجامه، أو جسد الصعيدي الذي ينبض بالموسيقى، ويدق بقدميه ويوقّع بقفزات ساقيه. ألمح العازفين المهرة، وأطابق التقاطي لمصدر صوت الآلة المتميز بموقع العازف. وأطوف بمرأى احتضانهم العريق للقائد، وحميمية عزف ‘الحجرة ‘، مخفضةً، بحرص لم يبارحني، من نطاق النظر لأعود وأطبق على النور الداخلي الذي يسري مع موتسارت.
فضاء بحق هذا الذي ينشأ من سماع مثل هذه الموسيقى، وبمثل هذا المستوى من رهافة الأداء الذي يقوده الصعيدي. والمعنى ينطلق حراً يوسع من النفْس. غير فضاء فجور الكلمات وفساد التأويل واختلاط الجليل بالتافه. ماذا كان ليعنون محفوظ رائعته: ثرثرة فوق النيل! هل كان يكفي لفظ ثرثرة. تشغلني نسبية التعبير بالكلمة، يشغلني تباطؤها بل ثباتها عن اللحاق بالمتغير وفداحته. لا تشردي عن هذه اللحظة الثمينة. لا تغرنك حرية المعنى الموسيقي وانطلاقه بالخروج من هذا الفضاء الجدير بالسكنى، ولو لبضع دقائق. الزميه. نستحقه جميعاً في خضم ما اعتركناه من سرابات المعنى وضلالاته اللفظية. هدنة تنقي وتخرج سموماً وتعيد تنظيم ملَكات العقل. فضيلة الإنصات في أسمى تجلياتها، وكل الحواس تفسح لها مرضية حزنت عندما انتهى توليه لقيادة أوركسترا القاهرة السيمفوني، لكن يصيبني أحياناً من اطلالات الصعيدي الحرة جانباً، فكان مساء الجمعة، 17 يناير، افتتاحاً للموسم الثاني2013 ـ 2014 للسيمفونييتا المصرية التي هي نتاج تعاون بين الجمعية الفلهارمونية المصرية برئاسته ودار الأوبرا المصرية، كما هي استمرار لنشاط أوركسترا الحجرة الفلهارموني التي أنشأها الصعيدي عام 2003، وهو ذات العام الذي ترك فيه قيادة أوركسترا القاهرة السيمفوني’ .