يا أخي أنت أنا فمن أنا؟

هذه القولة تنسب إلى هَبَنقة وهو شخص تضرب به الأمثال في الحُمق. تقول الحكاية إنه وضع في عنقه قلادة ليستدل بها على نفسه؛ وكان يقول: «أخشى أن أُضِل نفسي، ففعلتُ ذلك لأعرفها بها». فلما كان نائما ذات ليلة وُضعت القلادة في عنق أخيه «فلما أصبح قال: يَا أَخي ، أنْت أنا فمن أنا؟» (ابن الجوزي «أخبار الحمقى والمغفلين»).
تذكر هذه القولة عادة في سياق التندر والإضحاك، وهي إن قرئت كذلك كانت القراءة موجهة، لأنها تربط القول بقائله؛ فمادام قائلها رمزا للحمق فإنها ستقرأ على أنه حماقة مضحكة أكثر، ضحك الناس على من يعدونهم حمقى هو فرحة بأنهم مختلفون عنهم في درجة سلامة العقل.
إن قرأنا جملة هبنقة قراءة سيميائية مجردة من التقليل من شأنها، كان لنا موقف مختلف تماما. وإن قرأناها قراءة عرفانية وصلنا إلى موقف ثالث؛ وإلى هاتين القراءتين سوف نوجه عنايتنا في هذا المقال.
الأحمق من جهة طب النفوس والأذهان هو كائن يشكو من نقص في القدرات العقلية والعاطفية. وفي مقال بالفرنسية يعود إلى عام 1905 عنوانه «أصناف النقص العقلي ودرجاته» يتحدث عالم النفــــس الإيطـــالي سانتي دي سانكتيس Sante de Sanctis (1862-1935) عن ضربين من النقص العقلي هما البلاهة والغباء. ويعتقد دي سانكتيس، أن من الواجب أن نميز بين أصناف من النقص العقلي. ويرى أن عيب الحُكماء الذين يعالجون المجاذيب قديما، أنهم لم يميزوا بين أصناف الذكاء عند ضعاف العقول؛ حتى إنهم لم يفصلوا بين ضعف الذكاء من النشأة، وضعفه المكتسب من الطفولة أو الكهولة؛ ولم يميزوا بين ضعف يقبل العلاج وضعف لا يقبله. وينقل دي سانكتيس عن فيليب بينال (1745ـ 1826) Philippe Pinnel أنه ميز بين الحمق والجنون، إذ كان يرى المجانين كالأغنياء الذين فُقروا بينما يرى الحمقى فقراء دام فقرهم.
الافتقار إلى العقل، يجعل الوعي بالذات يمرّ من طرق أخرى غير التي يمرّ بها عند من لم يكن لديه نقص ما في المدارك العقلية. مَن مِن القراء الآن يحتاج علامات يعرف بها أنه هو الآن وليس غيره، هذا أمر لا يطرح، لأننا لا نفكر في أننا سنتغير ذات مرة، أو أننا سنجد ذوات ثانية بعد أن ننام أو نسافر. ذواتنا المرجعية هي هي؛ وحتى إن أدركنا تغيرنا بعد مرض مثلا، فإن ذلك التغير لا يمكن أن يكون دليلا على أننا لم نصبح أنفسنا. حين وضع هبنقة القلادة في عنقه كان قد وضع علامة لشيء لا يضع له عامة الناس علامة: هي ذواتهم. ذوو المدارك العقلية غير الناقصة، يمكن أن يضيعوا في المدن الكبيرة ويمكن أن ينسوا طريق العودة إلى مكان ما، لكنهم لا يمكن أن ينسوا طريق العودة إلى ذواتهم. من فرّط في عقله قليلا أو كثيرا يمكن أن يشعر بأن علاقته بذاته المرجعية هي علاقة وجود أو عدم وجود، وعندئذ يكون السؤال هل أنا الساعة نفسي؟ هذا سؤال شرعي لمن لهم درجات في النقص العقلي؛ ففي هذه الحالة يمكن أن تكون العَلامة على الإحالة الذاتية واجبة، نعني ستكون أمارة يستعملها الإنسان ليعرف بها أنه هو، الأمارة عند هبنقة كانت قلادة.

إن الجملة التي بدت لنا حمقاء، لم تكن كذلك إلا لمن قرأها بمحيطها الأحمق، ولكن قراءتها بما هي خطاب معقول، أوصلنا إلى نتائج أخرى أبسطها أننا اليوم لسنا أنفسنا، وأعمقها أننا لسنا أنفسنا في كل يوم.

كان من الممكن أن يعتمد هبنقة وبشيء من التعقل المختلف على علامة في جسده بدلا من علامة خارجية هي القلادة. يمكن أن يمس أنفه ليتأكد أنه هو، أو يمكن أن يرى وجهه على صفحة الماء فيطمئن إلى أن الذي في الصورة هو نفسه. الدخول إلى إدراك ناقصي العقل هو مغامرة غير مضمونة العواقب، لكننا سنجرب الدخول إليه من بوابة ما يمكن لا غير، وليس من بوابة حكيم يبحث عن نقص ليعالجه. إننا نمارس حق القراءة ولا ندعي أننا نفكر أفضل أو أسوأ.
قد يكون هبنقة استعمل دليلا خارجيا لأنه يربط وجوده ككل بوجود جسده ككل. هذه طريقتنا نحن العاديين أيضا في إدراك أجسادنا. سيكون من الصعب على هبنقة وعلى أي واحد منا أن يستدل على جسده الكلي بشيء من جزء منه كالأنف والوجه وغيره. العلامة لا تعطيك الإحساس بأنك موجود، بل تعطيك الدليل المادي بأنك أنت. القلادة دليل مرجعي لا على وجود هبنقة، بل على هويته، هي دليل على أن الموجود الملموس المحسوس بتمامه وكماله هو هبنقة الجسد. فإن وضعت القلادة على رقبة شخص آخر، ظل الدليل يعمل مدلوله السابق، ولكن تسقط الهوية لذلك سأل: يا أخي أنت أنا، فمن أنا؟ تلك هي القولة المناسبة لإدراك هبنقة، أن هويته التي تقوم العلامة دليلا عليها صارت في أخيه، وإذن من يكون الجسد الذي يصطلح عليه في اللغة أنا؟ يوحي السؤال بحدوث تدافع بين العلامة الإشارية، التي هي مصداق الهوية، والعلامة اللغوية التي هي شيء يحيط بالكينونة ولا يحيط بالهوية. إلى حد الآن حللنا قولة هبنقة بنظامه الإدراكي المفترض، ولم نشأ أن نحمل النص رمزيات تتعلق بالوعي بالذات، أو بانفراط الهوية لانعدام علاماتها؛ غير أنه من الممكن أن نحمل قول هبنقة على الجادة بأن ندعي إن كلامه «عين العقل» كما نقول في العامية، دعنا إذن نسلك مسارات العرفانيين من اللسانيين.
استعمل أستاذ اللسانيات العرفانية الأمريكي جورج لايكوف مثالا أعتبره غير بعيد من القولة في العنوان، لإثبات مبدأ من مبادئ اللسانيات العرفانية: إن الإحالة المشتركة Co-Referentiality بين الضمير (أنا) والمركب (نفسي) ليست إحالة على الشيء نفسه، مثلما يسود الاعتقاد في التقاليد اللسانية القديمة، وبعض الحديثة كالتوليدية. في مقال له عنوانه Sorry I’m not Myself today (عذرا فأنا لست نفسي اليوم) استعمل لايكوف هذا المثال لمناقشة فكرة الإحالة المشتركة في التقليد النحوي، أن الضمير أنا والمركب الإضافي «نفسي» يحيلان على شيء واحد فهما متطابقان في الإحالة.
بيّن اللساني، بناء على المثال السابق، أن جريان الإحالة في اللفظين على الحقيقة نفسها سيسقطنا في الغموض، أو في الفهم الفاسد أو اللامعنى. وليس في الجملة تضاد أو تضارب، لكنها تدل على أن المتكلم يشعر وكأنه شخص مختلف عن المألوف، أي أن حالته أو ذهنه الراهن يختلف عن حالته وذهنه المألوف. وهذا يعني أن العبارات ذات الإحالة الذاتية المشتركة من نوع «أنا» و«نفسي» لا تحيل على الشيء نفسه. ويميز لايكوف بين الذات (Subject) والنفس ( Self ).
نقول بالعامية التونسية (أنا قعدت نتفرج في الفيلم للي نسيت روحي: أنا جلست أشاهد الفيلم إلى أن نسيت نفسي): (روحي) أو نفسي لا تعني أن المتفرج نسي أن له نفسا، بل أنه فقد الشعور بالوقت والانتباه إلى مشغل آخر. نحن ليس لدينا نفس واحدة بل لدينا كما يقول بل يقصد أن هناك «نفسا مقسومة» فلنا نفس اجتماعية وثقافية ودينية. ومن جهة أخرى فإن لهذا المثال علاقة بما يسمى باستعارة الوعاء التي تجعلنا نرى أنفسنا أوعية، ويمكن أن نجد في عباراتنا اليومية ما يدل على انقسامنا إلى أنفس باطنة، وأنفس ظاهرة أو خارجية من ذلك قول أشقائنا المصريين: «من برة هل هلّا ومن جوة يعلم الله»: ظاهر الشخص ليس نفسه.
إن الجملة التي بدت لنا حمقاء، لم تكن كذلك إلا لمن قرأها بمحيطها الأحمق، ولكن قراءتها بما هي خطاب معقول، أوصلنا إلى نتائج أخرى أبسطها أننا اليوم لسنا أنفسنا، وأعمقها أننا لسنا أنفسنا في كل يوم.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية