هي إحدى المنافع القليلة للتعليم المدرسي، أنك قد تضطر لأن تحفظ نصوصاً هي بالصدفة البحتة جميلة عميقة، أي إنها لا تعكس بالضرورة ذائقة رفيعة لأصحاب المناهج أو عمقاً ما في رؤاهم.
أذكر تماماً كم جعلت تلك الكلمات القليلة بدني يقشعر في الابتدائية، وأنا أعيدها مرة بعد مرة: ‘يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمرَ في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته’.
لم يكن مطلوباً منا أن نحفظ حواشي النص، لكن المشهد واضح: محمد يظن عمه قد عاد عن نصرته بعد أن حُمل من ابن أخيه أمام قريش ما كاد لا يطيق، فقال ‘يا عم، والله لو…’ ثم، كما في رواية ابن اسحاق، بكى. بكى، ثم قام ليذهب. ناداه عمه: ‘أقبل يا ابن أخي’، فأقبل فقال ‘اذهب يا ابن أخي، فقُل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبداً’، وفي رواية أخرى ‘لشيء تكرهه أبداً’.
رمزياً، ورمزياً فقط، لن تؤثر قوة الحديث أو ضعفه أو صحة الرواية في أهمية الدلالة، وفي صورة روح غيرت وجه العالم كطوفان. تمرد، عنفوان، إخلاص حد البكاء، وعناد لا يباع: ‘والله يا عم’.
وفد من قريش: ‘يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا…’.
العم (للنبي): ‘قل ما أحببت’.
عشرون عاماً وأكثر منذ القراءة الأولى للنص، والقشعريرةُ حيةٌ والتأثيرُ، رغم ابتعاد التأويل عما تريده كل السلطات المتواطئة على قمع جموحه وجنوحه. على أنني، رغم كل الإحساس والتفكير والتعبير، أعجز كثيراً عن أن أوضح لمن يحاول الدفاع عن نسخته المعاصرة السريعة المستهلكة من الإسلام، كيف بالإمكان، حسب تأويل ما، أن أكون أقرب إلى الأخير منه بل ويمثلني وأمثالي أكثر في الجزئية المتعلقة بتلك الروح الأولى. تكرر المشهد قبل أيام قليلة فكانت فكرة المقال هذا. عجزت باقتدار، شفوياً، أن أشرح كيف أنني أقرب، ثم صمتّ إذ كرهت أن أجد نفسي باستمرار في موقف دفاعي عما ينبغي أن يكون واضحاً لكل من لا يثق بما عُلمَه بقدر ما لا يثق بما توهمه به حواسه المجردة من صغر حجم الشمس والقمر على طريقة أبي حامد الغزالي ولاحقاً ديكارت. كرهت لوهلة عجزي عن الصمت. كرهت أن أنفاسي ما تزال تنبش عن جمرة في الرماد. كرهت العنفوان ومتلازمة أبي الطيب المتنبي ولعنتُ الزمان. حننتُ إلى بغداد وقرطبة والقيروان ومعرة النعمان. كان خطأ فادحاً أني ولدت في القرن العشرين في عمان.
‘وها أنا ‘أسطو’ على ثلاث سنوات من القراءة على المستوى الإنساني، وأكسب ‘الرهان’ كما في القصة المعروفة، وقد سادني شعور بأننا بعيدان، وأننا قادمان من زمنين لا يلتقيان’. لعنتُ أباً تتمناه كل بنات الدنيا، لعنت هذا الوشم الذي بخطه على مسودة كتابي الذي لم تسمح به بعد مدينة كانت لتبقى مستعمرة رومانية لولا تلك الروح في ‘والله يا عم’. لعنتُ هشاشتي أمام ما حملني إياه: ‘أحاول أن أحلم بكتابة جديدة لكن ذلك غير ممكن، لذلك ‘أسطو’ مرة أخرى على حُلمكِ وأرى كتاباً آخر في الحرية، وثالثاً في الموت…’. حملته كثيرا ما كاد لا يطيق، وما تجاوز عتابه لي عتاب أبي طالب لابن أخيه. لعنت هذا الحب، وحبا آخر أفسدته روحي المخلصة للفكرة في ‘والله لو وضعوا’، رغم كل البكاء.
هدأت العاصفة، والحاجة إلى العاطفة، وبقيت لي كما دائماً الكتابة لا سواها، تعويضاً عن إحباط يومي لا يريد أن ينتهي.
‘يا عم، والله لو وضعوا..’ إلى تلك الكلمات أنا، ‘والله يا عم’، أقرب. أقربُ، لأنني أحاول أن أفعل ما فعلَت تلك الروح العربية المبكرة أمام السائد الراسخ المقدس المفضل لدى السلطة في زمانها: رفضَت منطق التقليد، كسرت آلهة كثيرة، حاولت تطوير مفهوم جديد للعدالة، أتت بأفكار جديدة أو أعادت صياغة بعضها الموجود حسب الممكن في زمانها، عاندت، أصرت، قالت ما أحبت، حاربَت وما تراجعت، ولو وضعوا بين يديها الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا وأكثر: ‘والله يا عم…’.
قد تبدو وجهة النظر هذه غريبة متطرفة، أعني أن يكون من يرفض المقدس الديني في بعضه أو معظمه، ميتافيزيقياً وتشريعياً وسياسياً، أقرب إلى روح هذا المقدس مِمن يدافعون عنه. لم نعد نعيش في القرن السابع، ولم تعد مناهج المعرفة الممكنة كما كانت، ولم يعد بالإمكان تجاهل حقيقة أن ما بدأ ثوريا انتهى بأن يكون مادة للاستبداد الفكري والسياسي والاجتماعي والذكوري، حسب تطور الفهم البشري لمفاهيم أساسية في نظريات المعرفة وفلسفة السياسة والأخلاق. لا بد إذن، إخلاصا للبداية الثائرة، من رفض شمس وقمر جديدين، خلقتهما نهايات البدايات، وهو رفض باسم المسميات ذاتها: الحقيقة والعدالة، وإن اختلفت المضامين إلى حد كبير كبير.
كيف تصبح نصوص خالدة كهذه حِكراً على فئة ما، تأويلاً وتأثيراً، رغم أن الفئة ذاتها تتحدث باسم السلطة السائدة، باسم المقدس، فتكون بذلك أشبه بمشركي مكة لا بمحمد؟ لا أفهم، بصدق، كيف أصبح الأذان بكل جمالياته حكراً على المؤمنين إيماناً لا يرقى في مبرراته لمستوى المبررات التي قدمها الفكر العربي قبل ألف عام وأكثر؟ كيف أصبح عبد الباسط حكراً على المصلين، وأصبحت الوظيفة الجمالية لطقوس المقدس غير مدرَكة حقاً في أمة كتبت في بلاغة نصها المقدس ما لم تكتبه أمة أخرى؟ كيف تصبح السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي المتنوع المتعدد بالغ التعقيد، حكراً على من لم يقرأ عُشره ويدعي أنه من أمة ‘اقرأ’؟ قد لا يكون احتُكر فعلاً، بقدر ما يكون قد نُبذ من الأطراف الأخرى، التي تدعي تنوراً وخروجاً عن القطيع. بصراحة لا أفهم لماذا يبذل كثير من دعاة التنوير والعقلانية واللادينية والعلمانية وقتهم وجهدهم في محاولة الخروج خارج هذا التاريخ بكل مكوناته، أو الركون إلى جزء منه، بدل أن يدافعوا عن حقهم في أن يبقى جميعه جزءاً من هويتهم مهما كانت أفكارهم حول حقيقة النصوص التأسيسية مرفوضة مرعوبة. المزعج أن مجموعة كتب معروفة حول ‘المفكرين الأحرار’ في الإسلام تصر على أن ترسخ تصورا واحداً عن ‘التحرر’، مبنياً في معظمه على النتائج المشابهة للحداثة بمفهومها الغربي، ومسكوناً ببعد واحد للحرية هو مخالفة السائد. ليس المنحى التأصيلي أو المقارن مرفوضاً أبداً، وما فعله أركون مثلاً من تأصيل للأنسنة من جهة التوحيدي ومِسكَويه، هو على قدر كبير من الأهمية بلا شك. على أنه لا ينبغي أن يشوب محاولات التأصيل انحياز أساسه استلاب. من وجهة نظري، فإن ‘الثابت والمتحول’ لأدونيس، و’المفكرون الأحرار’ لسارا سترومزا والعنوان ذاته لدومينيك أورفوا، وغيرها الكثير هي، رغم أهمية ما فيها، فإن منطقها لا يكفي لحل الإشكال الأساسي: كيف بالإمكان التعامل مع تاريخ يضج بالتنوع ليدخل الثابت والمتحول كلاهما في متحول جديد بلا انتقاء سريع يحمل العقل العربي في القرون الوسطى ما لم يكن ممكناً احتماله أو التفكير فيه (بتعبير فوكو وتبعه أركون)؟ والسؤال الأهم، ماذا بالإمكان أن يقدمه أي فكر علماني، أو عقلاني، أو تنويري، أو لاديني، إلى آخر المسميات التي ما تزال تحوم حول حِمى الأزمات وتهرب من الإجابة نحو المزيد من السؤال، ونحو النفي بلا نية إثبات؛ ماذا بإمكانها أن تقدمه، إذا كان لها أن تدعي التجديد، بخصوص كيفية التعامل مع تراثها الإسلامي الطويل، بلا قَطعٍ كسول أو وصلٍ توفيقي مُفتعل؟ هل تكفي المحاولات الفردية أصلاً، على طريقة الجابري مثلاً وما شابه خطوطه العريضة للـ’عقل’ العربي: البيان والبرهان والعرفان، أم إن الأمر بات يحتاج إلى جهد مؤسسي غير خاضع لرغبة أي سلطة أو رأس مال، نفطي أو سواه، في تجميل صورته بالثقافة وخدمة الإسلام؟
‘والله يا عم…’
هنالك، حتى الآن، سوء فهم سافر وإصرار على الاختزال؛ الاختزال الذي يفترض أن عليك كي تكون مسلماً أن تعتقد بما كانت حدوده معطيات المعرفة قبل ألف عام وخمسمئة، وألا ‘تقتصر’ هويتك الإسلامية على معنى حضاري تاريخي وجداني فكري وإلا أُقصيت تماماً وإن كانت معانيك هذه أوسع وأجمل، وإن كنت ترى نفسك أقرب إلى روح التمرد الأولى من كل من اختاروا التمرد على التمرد. الاختزال المقابل يرى أن عليك، كي تكون ‘تنويرياً’ ‘علمانياً’ ‘مجدداً’ ‘مفكراً’ ألا تقر باقتراب روحك من سورة الرحمن ومريم ويوسف والنجم، اقترابا بالدرجة نفسها التي كان فيها أبو طالب المشرك، قريبا من روح ابن أخيه الموحد المتمرد المجدد بمعايير ذاك الزمان: ‘والله يا عم..’
لكن، ما الذي يمكن أو ينبغي أن يقوله لسان حال مخلصة لتلك البداية، والدنيا قد تغيرت علينا بسبب خيانات فجة لتلك الروح جعلتنا بَرَعة محترفين في التقليد جائعين إلى مرجع سريع نحاكيه؟ ماذا نقول الآن بعد ‘لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري’؟ أي ‘أمر’ أو جملة أمور لا ينبغي تركها، بل الإخلاص لها بكل العنفوان الذي في ‘والله يا عم’؟ العالم ما يزال قبيحا، وإن بدا أن الأسياد قد ماتوا فبُعث العبيد. عالمنا على الأقل، ما يزال بعيدا جدا عن الإخلاص للحقيقة بمعناها العلمي- الفلسفي ويبدو حلماً أو يوتوبيا أن تصبح مؤسسات التعليم معنية بها قبل حماية السائد وخدمة السلطة. عالمنا كذلك ما يزال بعيداً جداً عن تحقيق العدالة لأنواع مختلفة من المستضعفين: من يرزحون تحت احتلال ما، تحت استبداد، تحت فوضى صراع القوى، تحت الفقر، تحت القهر، تحت أي نوع من التمييز العنصري أو الإقليمي أو الديني أو المذهبي أو الطبقي أو الجنسوي، تحت كبت فكري أو كلامي، مَوؤودين تحت تراب ما، أحياء، على الطريقة الجاهلية، بالمعنى المجازي المؤلم كالحقيقي، آملين أحيانا، يائسين أحيانا أكثر، من أن ينصفهم العالم كما أنصف يوماً بلالاً الحبشي، راجين ألا يدثر خوفاً من السلطة من قدِرَ على أن يُنذر.
وإذا كانت ‘يا عم، والله لو وضعوا’ صرخة في وجه مجتمع رأى صاحبها فيه جملة من الأخطاء، فإن استعادة الروح هذه باتت ملحة، وإن اختلف الآن ما توجبه المعرفة وتطور ما يريده الإنسان. أما نموذج أبي طالب، أي السلطة التي تقدر على أن تقول للاختلاف عنها ‘قل ما أحببت’ بل وقد تحميك من حلفائها، فقد غاب تماماً لتستبدَل به نصيحة بأن لا تقول كل ما أحببت، فلست تواجه منطقا قبلياً وحسب، بل دولة، وإفتاء دينيا، ومجتمعا أبويا، ومؤخرا رأس مال نفطيا أخشى أن يتحول إلى مقدس جديد ينافس السلطات الأخرى على قمع الفكر والحقيقة ويسرق، كما فعل سواها، حقوق الملكية الفكرية والوجدانية لتلك الروح الأولى: ‘والله يا عم…’.
كاتبة أردنية