يتامى الأثر: تخييل الأندلس في الشعر المغربي

نوستالجيا

بقيت الأندلس، منذ «الـنونيّة» الأشهر لأبي البقاء الرندي (1204 ـ 1285م) إلى العصر الحديث، تخاطب وجدان الشعراء، وتُمثِّل مصدر إلهام ومرآة أحزانهم وأشواقهم؛ كأنّها المكان شبه الأسطوري الذي لم يجدوا نظيره في شفافيّته كما في نصاعة جرحه. استوحاها أحمد شوقي في بعض أندلسياته كتلك التي عارض فيها «نونيّة» ابن زيدون (يا نائح الطّلْح أشباهٌ عوادينا/ نَشْجى لواديك أم نأسى لوادينا)، وأطلق شعراء المهجر في البرازيل على ناديهم الأدبي اسم «العصبة الأندلسية»، مُتغنّين بها ومتجاوبين مع صنيع مُوشّحات شعرائها في سبيل تجديدهم الشعري. واستعاد رموز حركة الشعر الحديث صورة «الفردوس المفقود»، الذي أثار أحزانهم في منفاهم، أو خلال إقامتهم في إسبانيا؛ مثل نزار قباني وعبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف وأدونيس وأحمد عبد المعطي حجازي، مثلما قدح شعورهم بضياع «وطن مستحيل»، بل ذّكرهم بضياع فلسطين كما عند محمود درويش.

«أندلس» الشعراء المغاربة
نتيجة القرب الجغرافي والذاكرة المشتركة وابتعاث «أدب الأندلس» في الفترة الحديثة داخل الوسطين الأكاديمي والثقافي، تحوّل الإرث الأندلسي في المغرب إلى أحد الروافد الأساسية لتشكيل الهوية الوطنية وآدابها وفنونها. وقد انتقل تأثير الحضور الأندلسي، ثقافيّا وجماليّا، إلى المتخيل الشعري المغربي ووجدان شعرائه بشكل واضح، سواء منه القديم أو الحديث والمعاصر. وتظهر ملامح التخييل الأندلسي في هذا الشعر من مَناحٍ متنوّعة؛ من جهة أولى، تحضر طبيعة الأندلس في أشعار المغاربة التي يستعيدونها ويستلهمون منها عناصر الجمال والبوح الذاتي وفتنة الصور بشكلٍ محسوسٍ يُضْفي على المكان رمز السموّ والسخاء الطبيعي، مثلما يوظفون أساليب وصورا وتقنيات، تعكس امتدادا لتقاليد التخييل الأندلسي في طابعه التوشيحي العارم.
وفي الفترة الحديثة، تغلب على أشعارهم لهجة الأسى والحنين إلى ماضٍ بعيد، بحيث باتوا يستحضرون صورة الأندلس بصفتها «فردوسا مفقودا»، فيبكون ضياعها ويتغنّون بمجدها الزائل، وأحيانا يحلمون ببعثها واستعادتها حضاريّا، ويتّخذونها مصدر إلهامٍ للمقاومة والاستنهاض، كما عند شعراء السلفية والإصلاح الوطني؛ من أمثال عبد الله كنون وعلي الصقلي وحسن الطريبق وغيرهم؛ وهو ما كان يخلق تخييلا قائما على مُردّدات بلاغة النوستالجيا. لكن وجدنا عند بعض الشعراء المتأخرين؛ من أمثال عبد الكريم الطبال، ومحمد بنيس، ومحمد الطوبي وغيرهم، كيف خفّتْ هذه اللهجة وأخذت تتلفّعُ بلبوس فلسفي وأنطولوجي، يُحدث في لاوعي الذات وكتابتها الشعرية، شعورا بزوال الحضارات وعبثية الزمن وخذلان الحاضر، مثلما يضفي على استدعاء الرموز التاريخية والحضارية (عبد الرحمن الداخل، المعتمد بن عباد، ابن زيدون، ولّادة بنت المستكفي، لسان الدين بن الخطيب، ابن عربي، ابن حزم، قصر الحمراء، غرناطة، قرطبة..)، بُعْدا لا زمنيّا يعبر عن تخييل رمزي لواقع عربي مأزوم، ولأفق بلا حُرّية. وقد تتجسدن الأندلس بوصفها رغبة في استعادة بهاء اللحظة، وعطشا دائما، وتوقا صوفيّا إلى وصل ما انقطع واغتنامه.

عطش في إثره عطش

في نصٍّ بعنوان «الأندلس مخطوطة عربية نادرة»، تحضر الأندلس بكامل أنوثتها، التي تضجُّ في رَحِمها أبهى معاني الحياة وعَصْبها الحيّ؛ فهي الأنثى المُطْلق التي ما تزال تتزيّى بـ»ألوان البحار والمحار المستحيلة»، وتشرق في كل صباح على أفق الأندلس الحاضر اللانهائي، ومثل المكتبة التي ترقد في سرّ مكتبات العالم، ولا سبيل إلى نسخها ومحاكاتها في كل الأزمنة:
«تنهض، فينهض معها بستان تأريخ، في حفلة فكر، وفن، وغضارة:
براعات تنبجس من خلجة رملة، وشقّ تمرة، ورنة دملج سمراء، هي خلاصة حضارة مسطورة بريشة عرار، في مخطوطة عربية لا أندر ولا أعجب! محفوظة، مضمرة، مبهمة، في سر المكتبات الإسبانية، لا سبيل إلى بهجة نسخها، أو حفظها، أو قراءتها، أو محاكاتها، أو طبعها».
وما زال عبد الكريم الطبال يحلم في قصائده بالأندلس كبستان هائل تخترقه صور الحياة والجمال والموسيقى، ويُلبسها بعدا صوفيا جماليا يُعبّر من خلاله عن جرحه الشخصي، وشوقه الكبير لحضارة عظيمة زالت. لكنها لا تفتأ تنبعث كل مرّةٍ في شعره مثل حلم متواصل يصله بأسلافها المتصوّفة العظام (ابن عربي، ابن سبعين..) ولوركا ونداء الغجر الآسر، ويستعيض عن ضياعها بمدينته شفشاون التي تتحول عنده إلى «غرناطة أخرى» عبر تجربة روحية ترتبط بالسموّ الإلهي، بقدر ما يمنحها بُعدا تأمُّليا يتجاوز الزمان والمكان. يقول في قصيدة «ريف الأندلس»:
«غرناطة أخرى
فردِّدْ يا مُريد الاسم
سَبْعا ثُمّ سَبْعا
اِخْلعِ النّعليْنِ
جَرِّدْ ما عليك
من الطِّباع
ترَ العشيقة مرّة أخرى
مُكلَّلة الجبين
على بساط الماء».
في «كتاب الحبّ»، يقترح محمد بنيس تقاطعات شعرية في ضيافة «طوق الحمامة» لابن حزم، وعبرها يتخيّل الأندلس بوصفها امرأة مستهامة غادرت، أو «قصيدة» لم تكتمل. يقول في «رسالة إلى ابن حزم»:
«وأنا يا ابن حزم
رافقتك في ألفتك ومحبّتك
ورافقنا سواي
لم أخش عزلة مباركة
لأنها مسكني الأخير
لم أضيّع صداقة
وهبت لي ضوءا وغزالة
في عهد عنف
ليس
عهدي»
تتعقّب الكتابة بما هي فعل رغبة وبحث آثارَ المرأة، عبر تجربة سفر رمزي إلى فضاء شاقّ، لا ينفتح إلا على مفازات الحلم والمعاناة والآلام. مثلما يسعى عبر السفر أن يربط بين الأندلس والهوية المغربية، ويُوظّف الرمز الأندلسي لتأمل قضايا الحرية والرغبة والاغتراب والزوال. وفي ديوانه «هوى أندلسي»، يعبر محمد العربي غجو عن عشق أندلسي ثاوٍ بين الضلوع تشي به رغبته في «المشي في شوارع شريش/ والبكاء بين أسوارها العربية»، كما تشي به هشاشته «حين تصدح/ غيتارة فلاح موريسكي/ بوله عاشقين/ في ليل البيازين»، أو تشتعل أوتار الغيتار الغجري على ضوء الأقمار العاشقة لقصر الحمراء. وتعكس قصيدة «كونشيرتو أرانخويث»، التي تستلهم سمفونية «أرانخويث» للموسيقي الإسباني خواكين رودريغو، ذلك التفاعل بين ما هو شعري، وما هو موسيقى على نحو يوقظ أسرار الروح ولغتها الثاوية في «الرسوم البائدة». وتعزف قصيدة «القرى البيضاء» على وتر الحنين الموجع للزمن الأندلسي، حيث يصغي الشاعر في عين المكان إلى وقع حوافر الخيول العربية:
«تلك القرى البيضاء
وهذه الأسوار
صوتُ حَشْرجةٍ
أنينٌ يرحل عميقا
في تجاعيد الشجر
من هنا عبروا
قالت الأرض
من هنا مرّوا
صدحت الكمنجات»
ويلجأ محمد السكتاوي، في ديوانه «أناجيل الأندلس»، إلى تخييل الأندلس عبر دمج قصصها وآثارها (المماشي الظليلة، نافورة الماء على الفسيفساء، أصيص الحبق، سقيفة العشب الأخضر، إلخ) في بنية استعارية كثيفة، تدلّ على ضوئها وجمالها وسماحتها، وعلى غربتها الموجعة وغربة من عاشوا فيها (ابن عباد، اعتماد، ابن عربي، ابن زيدون، ولادة..)، وما يزالون كذلك عطشى في حاضرهم، يلوكون بلا معنى قصص المقاعد الفارغة:
«صباح الخير..
يا حبيبتي قرطبة
كم سنظلّ عطشى
نطرق هذه الأبواب المشرعة
في جحيم هذا القيظ
الذي أشعل الحرائق في الغمام؟
وَشِّحيني بظلال أزهارك الزاهية
وافتحي جناحَك للرِّيح
لنحلق في زرقة الأفق البعيد»
لكن ـ في المقابل- لا يتخذها كفردوس مفقود يستثير البكاء، أو مادّة تستدعي الشكوى وتأنيب الضمير وتمجيد الماضي، بل يصوّرها نهرا يجري بشواهد عظمتها، ويتخذها مرجعا إنسانيّا يحتشد بإحالاته الحضارية والفكرية المضيئة، لقياس أخلاق الحاضر ومدى الانحدار الذي يتجه إليه العالم المعاصر.
وفي هذا المنظور، يرتقي التخييل إلى آليّة ذات اعتبار تضع في المقام الأول إنقاذ الذاكرة الإنسانية واستدامة العمل بها بدل طمسها والصراع على حيازتها في المتحف. حتى إسبانيا الحديثة انقلبت على هذه الذاكرة، ويستعيد الشاعر «غزو» كريستوف كولومبوس وهو يفتح طريق الجحيم الذي قاد إلى «مدن محروقة غدا/ غيرنيكا/ هوريشيما/ غزة..».
يظهر مما قبل أنّ كلّ شاعرٍ يحاول أن يستعيد أَنْدلُسَه الخاصة وشكلَ عبوره الخاصّ إليها، والذي يقوده إلى اجتراح الأفق الممكن على نَحْوٍ يستعيد معه أصداء الزمن الجميل، ويتصالح مع الذاكرة التي خلّدها أسلاف الموريسكي، أو الخيال نفسه، مثلما يعمل على استدامة مصادرهما المضيئة في الحاضر، ليستحقّ مقام النسب والإخلاص لهم، ويحمي ذكراهم في قصائد الحبّ والجمال والثورة على عالم جائر.
من أندلس إلى أندلس، لا تزال لغةُ الشِّعر قادرة على الكشف، وهي تبني طريقة مبتكرة لتخييل الأندلس، مستوحاة في الأصل من حاضرها: أندلس المُوشّحات، والموسيقى والغناء، والزخارف والنقوش، ونداء الأعالي. وكذلك أندلس الوعد الذي تهفو له الذات الشاعرة، فيما هو يضيء، من عطشٍ في إثر عطش، تلك السبل المتعرّجة والممكنة التي تُجاهِدها بِـرُوحٍ صوفيّةٍ لبلوغ الـ»هناك» حالا ومآلا.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية