يتحدّر من غمام واحد: شعرنا المغاربي أوروبيا

ما الذي يتبقّى لنا نحن شعراء المغرب العربي وكتّابه، في ظلّ هذه «الأزمة» المستفحلة بين بلدين عزيزين علينا الجزائر والمغرب، والتي قد تتحوّل مع الموقف التونسي «غير المحايد» إلى «فتنة» ـــ لا سمح كتّابنا وشعراؤنا ــ بذلك وهم الذين يدركون أكثر من حكّامنا المنصرفين إلى توطيد دعائم سلطتهم؛ أنّ وحدة المغرب هي من وحدتها بلدانه الترابيّة، وأنّ ما يجمعنا عربا وأمازيغ، إنّما هو «الجوار الروحي» أعني الثقافي بشتّى تجلّياته التاريخيّة والدينيّة، والنضال المشترك ضدّ المستعمر، وهذا الأدب، وقد يكون الشعر خير أمثلته. وأعني في السياق الذي أنا به الشعر المكتوب بالعربيّة، وإن كنّا لا نغفل عن الإشارة إلى قرينه المكتوب بالفرنسيّة خاصّة؛ إذ هو جزء من ثقافة المغاربيّين عامّة.
إذا كانت الآداب المغاربيّة (في تونس والمغرب والجزائر) المكتوبة بالعربيّة ترجع تاريخيّا إلى الحقبة الأولى من الفتح العربي؛ فإنّ قرينتها المكتوبة بالفرنسيّة حديثة الميلاد، إذ نشأت خلال الحقبة الاستعماريّة، وتحديدا في النصف الأوّل من القرن العشرين. بل إنّ الفرنسي جون دايجو، يرجع ظهورها من منظور أدبيّ جماليّ خالص، إلى الخمسينات من القرن الماضي. وهو يعزو ذلك إلى أسباب من أبرزها الدور الذي نهضت به بعض دور النشر في التعريف بهذه الآداب ذات اللسان الفرنسي. ويمكن القول دون تحيّف على هذه الآداب المغاربيّة ذات اللسان الفرنسي أو تنقّصها والتعريض بها، إنّها تنضوي إلى الأدب الفرنسيّ عامّة؛ أو هي تنضوي إلى «الفرنكفونيّة» بالمعنى الثقافي للكلمة. والكتّاب المغاربيّون من ذوي اللسان الفرنسي، يكتبون دون أن يتنصّلوا من هويّتهم الوطنيّة؛ بل هم يلحّون في مؤلّفاتهم وفي حواراتهم؛ على أنّهم جزائريّون ومغربيّون وتونسيّون.
والبلدان الثلاثة وجدت في الفرنسيّة ما يغني ثقافتها العربيّة الإسلاميّة، فهي»نافذة مشرعة على عالم المنطق والعقل والقياس» بتعبير الملك الحسن الثاني، أو»غنيمة حرب» كما قال كاتب ياسين. أو هي «عامل بناء ولقاء وتواصل وإغناء قويّ…» بعبارة الرئيس الحبيب بورقيبة.
استقبل الأوروبيّون إجمالا، هذا الأدب المغاربي ذا اللسان الفرنسي، من شعر ونثر بحفاوة لافتة، ويكفي أن نتمثّل بالأنطولوجيا الصادرة عن دار غاليمار المحترمة ذائعة الصيت، عام 2013 والموسومة بـ«شعراء البحر الأبيض المتوسّط»؛ فقد ضمّ قسمها المخصوص بشعراء المغرب العربي، ليبيا فتونس فالجزائر فالمغرب؛ وأنا أراعي الترتيب كما ورد في الكتاب: شاعرا ليبيّا واحدا هو محمّد الفيتوري الذي يتنازعه السودان وليبيا، وشاعرين تونسيّين يكتبان بالعربيّة هما منصف الوهايبي ومحمّد الصغيّر أولاد أحمد، وشاعرين يكتبان بالفرنسيّة وقلّما كتبا بالعربيّة هما عبد الوهّاب المؤدّب والطاهر البكري. ومن الجزائر شاعرين حبيب تنقور (بالفرنسيّة) وربيعة الجلطي (بالعربيّة)، ومن المغرب عبد اللطيف اللعبي (بالفرنسيّة)، والطاهر بن جلّون (بالفرنسيّة)، ومحمّد بنّيس (بالعربيّة) ومحّمد الأشعري (بالعربيّة)، وحسن نجمي (بالعربيّة). ولنا أن نقيس على ذلك سائر الأنطولوجيّات الصادرة بالفرنسيّة، لنتبيّن كيف تتكرّر فيها الأسماء نفسها؛ وإن بنسب متفاوتة؛ وهي حسب تاريخ صدورها لعبد القادر الجنابي وعبد اللطيف اللعبي وجون أوريزيت وسميرة نقروش. وإذا كان بعضها قد جمع بين الشعر باللسان الفرنسي والشعر باللسان العربي؛ فإنّ أكثرها لم يخصّ إلاّ الشعر المكتوب بالفرنسيّة. وكان الشاعر الفرسي جون أوريزيت أمينا في أنطولوجيّته إذ اعتبر الشعر المغاربي باللسان الفرنسي جزءا لا يتجزّأ من تاريخ الشعر الفرنسي.
والحقّ أنّ الأوروبيّين عامّة حاروا في تصنيف الأدب المغاربي المكتوب بالفرنسيّة؛ وأخفوا حيرتهم بمصطلحات فضفاضة؛ والمصطلح لا يمتلك حياته ولا سلطته المرجعيّة إلاّ إذا أدّى عن «المفهوم» الذي وضع له بدقّة من جهة، واتّصل بأفهام القرّاء من جهة أخرى. وقد باشر الأوروبيّون هذا الصنف من الأدب المغاربي (شعر ونثر) من منظورين اثنين أو بمصطلحين فضفاضين، فثمّة من اعتبره فرنسيّا بملمح عربي، وثمّة من اعتبره عربيّا بلسان فرنسي. فجون سيناك يتكلّم بخصوص الجزائر على «كتابة فرنسيّة» و«تعبير خطّي فرنسي» ولكن بـ«ملمح جزائري». وشاطره آخرون الرأي نفسه، فأشاروا إلى إنّه «أدب جزائري بملمح عربي، ولكن بلغة فرنسيّة». واستعمل آخرون مصطلح «اللغة الناقلة» أي تلك التي تستخدم في الاتصالات بين شعوب ذات لغات أمّ مختلفة، وقالوا إنّه «أدب بلغة فرنسيّة ناقلة»؛ وكأنّ اللغة مجرّد وسيلة نقل للفكر أو للصوت أو للرأي أو للموقف. وأمّا المستعرب الفرنسي المعروف أندريه ميكيل فقال عن أدب المغربي الطاهر بن جلّون إنّه «أدب عربيّ مكتوب بالفرنسيّة» على إقراره بأنّ ما نسمّيه أدبا فرنسيّا هو الأدب المكتوب بالفرنسيّة، وأنّ هناك طريقة في الكتابة بالعربيّة منقولة إلى الفرنسيّة. والإشكال في تقديره يكمن في معرفة الجوانب المتبادلة بين فرنسا والعالم العربي؛ أي تلك التي تكوّن هذا الأدب.
وحاصل الرأي من هذا السجال الذي يكاد لا يتوقّف، أنّ هناك أدبا مغاربيّا بلسان فرنسي وملمح مغاربي، أو «أدبا مغاربيّا عابرا للحدود»، وهو الذي يتنزّل في المشهد العالمي الشعري أو الأدبي عامّة.
على أنّه لا يفوتنا، أن نشير إلى أنّ «التصنيف» يحتاج إلى قدر غير يسير من التأنّي والتثبّت خاصّة أنّ أصحابه لا يشيرون إلى أنّ الأدب العربي الحديث أي المكتوب بالعربيّة من شعر ورواية، يكاد يكون مهمّشا في المشهد الأوروبي؛ إن لم يكن «مهملا» أو من «المسكوت عنه». وربّما يرجع ذلك إلى المشكل السياسي الأخلاقي الذي تثيره الحقبة الاستعماريّة، أو ما يسمّى «الشرخ الاستعماري»، وما يستتبعه من امتناع عن الاعتراف بواقع لا يزال يحول دون التفكير بجلاء ونفاذ بصيرة، ودون تحيّز؛ في «تركات» الاستعمار. وهو ما قد يفسّر انصراف الفرنسيّين مثلا أكثر إلى التعريف بالأدب المغاربي المكتوب بلغتهم؛ وما ينطوي عليه ذلك من نوع من «التواطؤ» الخفيّ بين الماضي الاستعماري والحاضر؛ أو افتقاد القدرة على التحرّر من التبسيطيّة المزدوجة: مقاومة الاستعمار و«علم المقدّسات» وما ينجم عن ذلك من اعتبار تلك الحقبة جزءا من التاريخ الوطني، أو فصل هذا التاريخ عن تاريخ الاستعمار؛ أو نشر «سياسة الذاكرة» وإضفاء حكم قيمة إيجابيّا على تلك الحقبة.
ومن هذا المنظور، يمكن أن نرصد حالة الشعر العربي المغاربي الحديث في المشهد الشعري عالميّا، على ضرورة التنسيب، فالمشهد يكاد يقتصر على الفضاء الأوروبي، وقلّما برحه إلى الفضاء الأنجلو- ساكسوني أو الأمريكي، أو الأمريكي اللاتيني؛ مثلما يقتصر على عدد محدود من الشعراء تطّرد أسماؤهم في منتخبات الشعر الأجنبيّة، وفي دراسات بعض المستشرقين أو الكتّاب والشعراء الأجانب، وهم: من المغرب محمّد بنّيس ومحمّد الأشعري وحسن نجمي. ومن تونس: أبو القاسم الشابي ومنصف الوهايبي ومحمّد الصغيّر أولاد أحمد ومحمّد الغزّي وميلاد فائزة، ومن الجزائر ربيعة الجلطي. وهذا الشعر العربي المغاربي الحديث إنّما ترجع نشأته أو ظهوره إلى الثلث الأوّل من القرن العشرين؛ أي خلال الحقبة الاستعماريّة شأنه شأن قرينه المكتوب بالفرنسيّة. وكان ثمّة ما يشبه رجع الصدى بين أقطاره، من حيث وحدة الموضوع الأدبي الشعري، وطرائق مقاربته وبنيته وصوره وسائر أساليبه. ولعلّ هذا ما يحكم المتخيّر منه في أوروبا، ونعني المنقول من العربيّة إلى الفرنسيّة تحديدا؛ وهو الشعر الذي ننعته بـ«الحديث» في إيقاعاته وبنيته وموضوعاته، على أنّ أكثره موزون: قصيدة البيت عند أبي القاسم الشابّي، و«شعر تفعيلة» عند بنّيس والأشعري والوهايبي والغزّي وأولاد أحمد، وأقلّه «قصيدة نثر» عند حسن نجمي وربيعة الجلطي وميلاد فائزة.
لعلّ أبرز ما نخلص إليه، أنّ الشعر العربي المغاربي الحديث في المشهد العالمي يعاني من حيف مقارنة بقرينه المكتوب بالفرنسيّة؛ على أنّ الاثنين لم يتحوّلا إلى ظاهرة عالميّة، إذ ظلّت الحالة الفرديّة هي الغالبة؛ لأسباب شائكة قد تكون ذاتيّة مردّها إلى الشعراء أنفسهم، وإلى مدى حضورهم في المشهد الشعري العالمي، وعلاقاتهم بدور النشر الأجنبيّة؛ وأخرى موضوعيّة مردّها إلى أنّ هذا الشعر لا يزال محدود الانتشار في بيئته المغاربيّة، أو هو لم يدرس على نحو ما يدرس قرينه العربي المشرقي.
والمنفذ إلى حضوره في المشهد العالمي لا يتسنّى في تقديرنا إلاّ بإعادة ترتيب علاقته بالشعر العربي الحديث عامّة دونما أيّة عقدة من مركز أو هامش. وبالترجمة إلى اللغات الأخرى خاصّة؛ والترجمة «رهان المنافسة العالميّة» والاعتراف الأدبي، وليست مجرّد تغيير للغة؛ ولها سياسة [استراتيجيا] متغيّرة بتغيّر موقع المترجم والنصّ المترجَم. على أن يتّسع المشهد لأدبنا أكان بالعربيّة أم بالفرنسيّة، فهو يتحدّر من غمام واحد بعبارة أبي تمّام؛ فضلا عن أنّه حامي جوارنا الروحي: «إِن يُكدُ مُطَّرَفُ الإِخاءِ فَإِنَّنا/ نَغدو وَنَسري في إِخاءٍ تالِدِ/ أَو يَختَلِف ماءُ الوِصالِ فَماؤُنا/ عَذبٌ تَحَدَّرَ مِن غَمامٍ واحِدِ/ أَو يَفتَرِق نَسَبٌ يُؤَلِّفُ بَينَنا/ أَدَبٌ أَقَمناهُ مُقامَ الوالِدِ.
*كاتب من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية