يتحمّس للأفلام الإنسانية ذات المشاعر الداخلية وأسئلة ما بين السموات والأرض المخرج روي عريضة: أتعايش مع متلازمة الشتات والغربة حاضرة في أفلامي

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: من البديهي طرح السؤال لماذا يُقدم منتج لبناني على التعاون مع مخرجين فرنسيين رغبا بتقديم فيلم وثائقي عن لبنان؟ الجواب بحوزة روي عريضة الذي أنتج فيلم «خمسين» للمخرجين غريغوار كوفرت وغريغوار اوريو، والذي حكى حالنا وحال منطقتنا العربية مُعرّجاً على الاستعمار وسايكس بيكو دون تسميات مباشرة.

روي عريضة عضو مؤسس في شركة «ستانك» إلى جانب 3 فرنسيين. تلك الشركة أنتجت فيلم «برونو ريدال» عرض في أسبوع النقاد في مهرجان كان بدورته الـ60.
الفيلم الروائي الأول لروي عريضة «تحت السموات والأرض» نال جائزة سعد الدين وهبة لأحسن فيلم عربي. خلال مشاركته في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في 2021. وهو يستعد لتقديم فيلمه الروائي الثاني الذي أنجز تصويره مؤخراً في بيروت.
مع روي عريضة هذا الحوار:
○ فيلم «خمسين»عُرض في ختام مهرجان سينما الواقع الـ17 في لبنان لمخرجين فرنسيين ماذا عن دورك كمنتج؟
•من البديهي أن يكون دور المنتج البحث عن التمويل، ومساعدة صنّاع الفيلم للوصول إلى النتيجة التي يطمحون لها كائناً من كانت جنسيتهم. ثانياً، ومهما كان نوع الفيلم وثائقي أم روائي، فمن مهماتي مساعدة المخرج بلوغ حقيقته لجهة البحث والكتابة وتحقيق الفكرة، وأخيراً أخذ الفكرة وتجسيدها في فيلم متكامل، حتى وإن كان هذا الجانب يقع على عاتق المخرج، لكني كمنتج لي دور المساعدة قدر المتاح في سلوك الطريق التي نتفق عليها وصولاً إلى النتيجة المتفق عليها كمخرجين ومنتجين. في فيلم «خمسين» كان صعباً أن أبقى كمنتج ممولاً وحسب. أنا لبناني أعرف أرضي ووطني ومشاكله الاجتماعية وتاريخه، بخلاف حال المخرجين الفرنسيين. بالنهاية هما كمخرجين كانا في رحلة اكتشاف، والفيلم يُعبر عن تجربة عاشاها في لبنان. لم يكونا مطلقاً في موقع الفلسفة علينا وإخبارنا بوضع بلدنا ومجتمعنا، بل أرادا أن يحكيا من خلال الفيلم مشاهداتهما في لبنان خلال إقامات متتالية بين 2015 2016 و2017. وكان دوري لفت نظرهما إلى المواضيع الحسّاسة في وطننا وإخبارهما عن الحرب الأهلية، مع الحذر بعدم التأثير عليهما ليبقى الفيلم خاصاً بهما وليس بي. كنت أجد صعوبة في تحقيق هذا التوازن بين أن أتدخّل وبين أن أبقى بعيداً. لكني وجدت ضرورة لمساعدتهما في الإطلاع والتعرّف إلى مناطق لبنانية أخرى بعد أن وجدتهما عالقين داخل بيروت وفي محيط محدد منها. وهكذا توسعت تجربة عيشهما في لبنان، وبقي الفيلم يحكي تجربتهما، فيما تدخلت في تصويب بعض الأخطاء الخاصة بالتاريخ.
○ لماذا ألحّ فيلم عن لبنان على مخرجين فرنسيين بحسب معرفتك بهما؟
•بالأساس قصد المخرجان لبنان كعضوين ضمن فرقة موسيقية فرنسية اسمها «وازو تانبيت». إنها فرقة متخصصة بالروك التجريبي، ولها أسلوبها المميز في العمل. فهي تعتمد الإقامة الفنية في بلد تختاره، وفي نهايتها تُصدر «ديسك» متضمناً هذه التجربة. أول عمل موسيقي لهما ولد بعد إقامة لأشهر في اليونان كانا خلالها على تواصل مع الناس العاديين في هذا البلد، وكذلك اجتمعا بموسيقيين. الإقامة الثانية كانت في تركيا، ومن بعدها لبنان حيث تواصلا مع موسيقيين مقيمين هنا، من بينهم شربل هبر، وشريف صحناوي، وعلي الحوت، وعبد قبيسي، وفادي طبال وآخرين. في التواصل مع هؤلاء الفنانين أخبروهم أنهم سيأتون للإقامة ستة أشهر في مدينة بيروت بهدف الإنغماس بها وبناسها وموسيقييها. وأخبروهم أنهم سينجزون معهم ألبوماً موسيقياً. بداية كانت الفكرة أن يوثِّق الفيلم تجربة الإقامة الفنية في لبنان، لكنه راح باتجاه آخر. بقي المشهد الموسيقي اللبناني موجوداً. هما مخرجان لا يعرفان مشاكل وأزمات منطقتنا، ولا تاريخ لبنان بشكل خاص، فشكّل الفيلم لقاءات لهما مع بيروت ولبنان عبر الموسيقيين اللبنانيين وغيرهم ممن تحدّثوا معهم. إنها جذور المشروع.
○ لو كان المنتج فرنسيا ما الذي كان سيتبدّل؟
•نعم. لو لم يقف إلى جانبهم شخص لبناني في التصوير والمونتاج لكان الأمر مختلفاً. صدف أني منتج الفيلم ولبناني. بدوني كانت تجربتهم مكتفية بمحيط ضيق عاشوا ضمنه في بيروت ويقع بين مار مخايل والجميزة. للأسف الأجانب يجدون ذاتهم في بيئة مماثلة، خاصة وأنها تفتح لهم الأفق على الموسيقى التي تشكّل مشروعهم الأساس في لبنان. فالموسيقيون موجودون في هذه المناطق وليس في الأطراف شمالاً أو جنوباً، أو بقاعاً ولا حتى في المتن. بالنهاية أخبرتهم بضرورة توسيع دائرة التواصل مع مناطق لبنانية مختلفة، فكانت زيارات للبقاع وقلعة بعلبك، للشمال، وللنبطية ومعلم مليتا في الجنوب. الصدق هو الأهم في الفيلم، فهؤلاء ليسوا بصدد الكذب على أحد، حكوا مشاهداتهم واكتشافاتهم.


○ لماذا ومن اختار شعر محمود درويش مؤداً بالإنكليزية؟
•المخرجان غريغوار كوفرت وغريغوار أوريو هما من أختارا الشعر. ما أعرفه أن حماسهما كبير للشعر بشكل عام ولشعر محمود درويش بشكل خاص. عملهما الموسيقي يعتمد على المزج بين موسيقى من تأليفهما وأخرى من الكنائس، أو من الحياة العامة في المدينة. أعرف أنهما وخلال مظاهرة في بيروت سجلا أغنية لفيروز، ولاحقاً مزجاها مع جديد موسيقي من تأليفهما. هما يسعيان لتضمين أعمالهما الفنية بعضاً من ثقافة المنطقة. محمود درويش من فلسطين وشعره مرتبط بقضية شعبه، لكنه يمثل العالم العربي جميعه. شكل محمود درويش بالنسبة لهما مدخلاً إلى الثقافة العربية. ومن ألقى شعر درويش شاعر أحب الشعر الذي قرأه فرتّله بإحساس لافت. شخصياً أحببت هذه الفقرة في الفيلم، وليس لي تفسير السبب. ففي الفن لا حسابات ولا رياضيات، نحن حيال مشاعر.
○ لماذا عنوان خمسين؟
•اقتباس من رياح الخماسين التي تهب على لبنان في فصل الربيع. قرأت أن اسم هذه الرياح يعود لكونها تستمر 50 يوماً. وجد المخرجان أن مدينة بيروت شبيهة بأجواء رياح الخماسين، إنها التركيبة اللبنانية المعقدة بين الحب والعنف، وبين الموت والحياة، وبين السماء والأرض. أحببت العنوان كصورة، وأرى أن طاقة الفيلم كما قدّمها المخرجان من خلال المونتاج شبيهة بالعاصفة، فتطابق العنوان والمضمون.
○ تقول أن شركة «ستانك» تسعى لإنجاز أفلام بقياس إنساني ماذا تعني بذلك؟
•من الصعب أن أتحدث كمنتج ومخرج عن الأفكار التي أرغب بإنجازها. منذ أكثر من عشر سنوات أعمل في السينما كمنتج ومخرج ومساعد مخرج، فهدفي مشاركة الآخرين. لاحظت أن المشاريع التي أتحمس لها وأهتم بها تلك التي لا صلة لها بالأسئلة الاجتماعية. المواضيع التي تجذبني هي تلك المتعلقة بحياة الإنسان بشكل عام، وكيفية ارتباطه ما بين السموات والأرض. إذاً الفيلم الذي يجذبني هو الذي يترك المُشاهد يعيش مشاعر داخلية سواء تركه الفيلم فرحاً أو مكتئباً. هي العلاقة العميقة جداً التي يعيشها الإنسان مع الحياة. والمشاعر التي أتحدث عنها ليست فقط حباً وغراماً، بل أهتمّ بأن يشعر المشاهد من خلال السينما أنه جزء صغير من هذه الكرة الأرضية، ومسجون بين السماء والأرض. والأهم أن يشعر أحدنا مهما كان نوع حياته أن حوله قوة أكبر منه. وهنا لست بصدد الحديث عن الله والإيمان.
○ وانفجار المرفأ كان أكبر من الجميع؟
•صحيح، وهذا قد يؤدي إلى الكوميديا أو الدراما، أو فيلم روائي أو وثائقي، وأهتم بعدم ارتباط القصة بزمن معين، وأن تكون الكتابة أوسع منّا كبشر على الكرة الأرضية، وأن تخلق مشاهدة الفيلم بعد 50 سنة مشاعر ما لدى المتلقي. وإن كنت بصدد فيلم عن جائحة كورونا فمعالجتي له ستكون أوسع بكثير مما عايشناه في سنوات 2020 و2021. في السينما أهتم بالتعبير بعيداً عن المرحلة الزمنية التي نعيشها أو نعرفها. وأبحث عن عمر مديد للفيلم وأثره في المتلقي.
○ ولهذا كان فيلمك الروائي الأول «تحت السموات والأرض» الذي لم يُعرض بعد في لبنان؟
•للأسف لم يُعرض في لبنان، وهو متوفر على شاهد ونتفليكس. عُرض في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي وفاز بجائزة سعد الدين وهبة. كتبت الفيلم وأخرجته وأنتجته، ولي دور صغير أيضاً. وهو يقدّم إجابات عن أسئلة تراودني خاصة بالإنسان والسموات والأرض. إنها قصة شاب مهووس بالغطس ويشعر أحياناً بالضياع. يحاول السيطرة على حياته، وفي الوقت نفسه يعيش قصة حب مع فتاة فرنسية يفكر بكيفية الإتيان بها إلى لبنان. هوسه الغطس بحثاً عن مجهول في أعماق تصل 300م. ماذا سيجد في الأعماق؟ لن يجد سوى السكوت والأسماك وذاته وحيداً. والسكوت سيعطي إجابات عن أسئلة طرحها. إنه فيلم مُعبأ بالأسئلة الوجودية.
○ ما هي حسنات أن تكون شريكاً في شركة إنتاج؟
•لا أهتم بالعمل منفرداً. تجذبني الأعمال والتجارب المشتركة. يتكرر العمل مع مجموعة من العاملين في السينما، ودائماً جميعنا في بحث عن أفراد جدد نعيش معهم تجارب مهنية. رغبتي كبيرة بتكرار العمل مع شباب وشابات، وهذا أصبح نسقاً في حياتي المهنية. بعضهم عملت معهم قبل 15 سنة، ونلتقي مجدداً عندما نكون بصدد عمل سينمائي جديد. وفي أحيان تشدني رغبة دفينة بكتابة فيلم لأعود وألتقي بهؤلاء الناس. أهتم بالعمل ضمن جماعة.
○ هل تشعرك شركة الإنتاج بالحرية؟
•لا أحد في الحياة حر بالكامل، لكن شركة الإنتاج تساعدني بالمباشرة بأي مشروع سينمائي والبحث عن تمويل. ولست مضطراً لإقناع منتج والوقوف بالصف عنده لأنه يعمل لتمويل 15 مشروعاً سينمائياً قبلي. أن نستيقظ ونتمكن من المباشرة بفيلم دون الحاجة لآخرين أمر مهم جداً في مصلحتنا.
○ هل من فيلم جديد خاص بك؟
•مؤخراً أمضيت ثلاثة أشهر في لبنان وأنجزت تصوير فيلم روائي يحكي قصة عائلة حيث توفيت الأم. الأب وولداه يعملان لبناء النعش على سطح البيت الذي يسكنونه، وسيعملون لنقلها إلى مدافن العائلة في قرية مهجورة منذ 25 سنة. إنها رحلة عائلة، وثقافة الأسرار في العائلات اللبنانية، والتي نورثها لأبنائنا حتى وإن لم نتكلم عنها. ثقافة الأسرار وما تخلّفه من مشاكل.
○ متلازمة الشتات بين قلبك اللبناني وجسدك البعيد عن جذوره العاطفية هل هي أبدية أم تتخفف منها مع الأيام؟
•هي متلازمة حقاً، يمكن السيطرة عليها لكنها لا تزول. هذا الصراع سيبقى موجوداً، والعلاج ليس بالشفاء من المتلازمة بل بوقف الصراع معها. صراع نتعايش معه حتى نهاية الحياة، والمهم إقامة سلام معه، فمحاربته تعني مزيداً من العذاب. هذا مصيري، قررت أن لا أحزن ولا اكتئب ولا أبكي. إرتضيت حياتي هكذا. إنها المساكنة مع مشاعر متعبة ومؤذية. أوروبا فتحت لي الكثير من الآفاق غير الموجودة في وطني، إنما قلبي أحياناً يعتصر.
○ حالة الغربة التي يعيشها الملايين في الكرة الأرضية هل تلح عليك لتكون فيلماً في المستقبل؟
•حتى الآن لم تظهر في بالي قصة تجيب على هذا السؤال. إنما متابعة أفلامي كمخرج وهي 11 تقول بأن الجواب موجود بشكل أو بآخر فيها. دائماً السؤال مطروح عن مكاني كشخص على هذا الكوكب. سؤال المنفى دائم. الغربة حاضرة لكنها ليست الموضوع المباشر لأفلامي.
○ ماذا عن «علي هاشم خالد» عمّال المرفأ؟ هل هم أحياء يرزقون؟
•أحب هذا الفيلم كثيراً. «علي هاشم خالد» ثلاثة أشخاص كنت أعرفهم وصورتهم فيما مضى. شكل الثلاثة سبباً كي أصور شوارع بيروت بعد التفجير بأسبوعين تقريباُ. الفيلم بسيط جداً، نبحث عن هؤلاء الأشخاص، ونصوّر المدينة بعد الانفجار. النقطة المركزية للفيلم هي حياة «علي هاشم خالد». لا بكاء ولا دراما في الفيلم. هو بحث على مستوى الإنسان على مدى أسبوع في بيروت حيث صورنا مشاهداتنا. شاهدنا الحياة. بحثنا عن نبض، ووجدناه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية