يحيى الفخراني تجليات النصف الثاني من ربيع العُمر والموهبة

كمال القاضي
حجم الخط
0

الحديث عن يحيى الفخراني، ربما يحتاج للرجوع زمناً طويلاً، حيث البدايات الأولى للطبيب الذي غوى الفن والتمثيل ورأى أن وجوده مرهون بتفعيل الموهبة الفنية التي منحها الله إياها. ولأن الفخراني كان حريصاً على أن تظل علاقته بالتمثيل قوية ولا يؤخذ الأمر على أنه مجرد هواية وحسب، فقد تفرغ تماماً للبحث عن فرصة تمكنه من التعبير عن هوايته في الإطار الاحترافي المضمون، فبدأ مشواره بالعمل مع الفنان عبد المنعم مدبولي في مسلسل «أبنائي الأعزاء شكراً» مع فاروق الفيشاوي وصلاح السعدني وآثار الحكيم ومحمود الجندي، وبالفعل برز الوجه الجديد بين المجموعة الشبابية المُختارة وترك أثراً إيجابياً لدى جمهور الشاشة الصغيرة بأدائه التلقائي العفوي وحضوره القوي.
ولأن البداية كانت تلفزيونية بامتياز فلم ينقطع الفنان الذي سارت حياته الفنية على وتيرة هادئة طوال مسيرته المديدة عن التلفزيون، بل توطدت علاقته به لأكثر من أربعين عاماً تقريباً، قدم خلالها عشرات الأعمال الجادة والمتميزة ما بين أفلام تلفزيونية ومسلسلات حملت الكثير من القيم الاجتماعية وناقشت جُل القضايا المهمة بأشكال ومفاهيم مختلفة. ولو جاز أن نذكر أهمها من باب الاختصار ستكون المفاضلة بين عمل وآخر جد صعبة لأن معظم ما قدمه الفخراني جدير بأن يوضع على رأس القائمة، لكن بحسب الأولويات الفنية والزمنية سنحاول أن نُدرج ما تسعف به الذاكرة، ولعل أجمل أفلامه التلفزيونية وأميزها «محاكمة علي بابا» فهو يحمل بالفعل ذكرى غالية، حيث كان هذا الفيلم باكورة اشتراك ابنه شادي بالتمثيل لأول مره وهو لا يزال طفلاً صغيراً قبل أن يكبر ويصير شاباً ويحترف مهنة الإخراج.
الحالة التي قدمها الأب في فيلم «محاكمة علي بابا» لم تكن حالة تقليدية، وإنما كانت مباراة فلسفية في الأداء التمثيلي بينه وبين إسعاد يونس التي شاركته البطولة، فالفيلم يقدم درساً تربوياً مهماً في كيفية التنشئة العلمية والثقافية للأجيال الشابة في سن الطفولة المُبكرة تمهيداً لاستقبال المرحلة العُمرية الأخطر في فترة المراهقة.
وما بين الأدوار والمسؤوليات الأدبية والفنية توزعت اهتمامات النجم الكبير فعمد إلى العناية الفائقة بكل ما يقدمه مهما كان صغيراً أو كبيراً، وبخلاف تميزه الواضح في السينما واقترابه من موضوعات وقضايا غير مطروقة كان الاهتمام بالدراما التلفزيونية قائماً على قدم وساق ومتمثلاً في مشروعات على ذات القدر من القيمة الموضوعية والفنية، وعلى ذكر المهم والمثير والمختلف يأتي فيلم «مبروك وبلبل» للمخرجة ساندرا نشأت أيقونة الأداء الطفولي للنجم الموهوب الذي جسد شخصية رجل توقف نموه العقلي عند سن الثانية عشر، بينما كل شيء فيه يوحي بالبلوغ، وتلك أزمة رأى الفنان أنها موضع دراسة تحليلية ولابد أن تأخذ حقها من العناية الكافية في ضوء العرض الدرامي المدروس، وبالفعل قدم يحيى الفخراني الشخصية من منظور إنساني أثار إعجاب النقاد والجمهور واعتبرت دلال عبد العزيز التي تقاسمت معه البطولة أن دورها كان مقياساً حقيقياً لنجاحها كممثله تمتلك قُدرات خاصة.
وبامتداد العُمر والمشوار وتعدد التجارب والخبرات كان للتنوع الفني أثره الأكبر في تقييم موهبة الطبيب الممثل الذي هوى وغوى وتفرغ للفن ليؤدي دوره ورسالته الثقافية والإنسانية على نطاق أوسع، فقدم أنماطاً متناقضة بذات الكفاءة وبلا أدنى ارتباك، فهو العالم الفذ في فيلم «الكيف» والشرير المُستتر في فيلم «الغيرة القاتلة» مع نور الشريف، وهو الطيب الساذج في «خرج ولم يعد» وهو المُغترب القلق في «عودة مواطن» وهو البسيط حسن النية في مسلسل «صيام – صيام» وهو المرتشي الفاسد في «شرف فتح الباب» وهو العاشق الولهان في «الليل وآخره» والمحامي المناضل في «نصف ربيع الآخر» وهو الفتى المُدلل في مسلسل «يتربى في عزه» وهو المتصوف الواصل مع الله في «الخواجة عبد القادر».
عشرات الأنماط من الأدوار والشخصيات برع في تقديمها يحيى الفخراني منذ اكتشافه وحتى آخر أدواره الحالية «نجيب زاهي زركش» درسه الأخير في فن التمثيل الطبيعي الآخذ في التلقائية والعفوية والإتقان، كأنه التواصل الروحي مع الشخصية والانسجام الكامل مع تفاصيلها بما فيها الانطباعات الداخلية لمكامن الروح والعمق الإنساني الغائر في أقصى منطقة من التكوين البشري بأسراره الخاصة جداً.
في مسلسل «الخواجة عبد القادر» كان التحدي الأكبر للممثل حين ينتقل من منطقة الاتزان والوعي الكامل بالشخصية إلى حالة مغايرة تتغير فيها الأطوار والأحوال ويبدو الاضطراب النفسي والعصبي موحياً بما يُخالف الفكرة، فليس الرجل هاذياً ولا مجنوناً، ولا فاجراً ولا ماجناً، ولكنه يعيش حالة وجد فريدة مع الله، وهو الذي كان بالأمس القريب عاصياً بعيداً عن العالم النوراني الذي صار عائشاً فيه وسابحاً في ضيائه.
مستويات مُعضلة من الأداء المركب للشخصية المزدوجة بأبعادها الثلاثية والرباعية وربما الخماسية، أمسك الفخراني بزمامها فلم تفلت منه تفصيلة بعينها، ذلك لأنه الموهوب المُتسربل بالموهبة والعائش في محنة الخواجة الهائم في عالمه الصوفي الأثير. وبنفس المقياس الفطري جرى تطويع شخصية شيخ العرب همام في واحد من أهم أدواره وأعماله فلم نلمح إلا دلالات التقمص والدخول في التجربة على خلفية الوعي اليقظ بالتفاصيل ودقائق الأشياء التي يوليها الممثل المتمكن اهتماماً خاصاً فترتقي به إلى قمة المعايشة والوصول إلى مُنتهى الإتقان واكتمال الصورة الدرامية بواقعيتها وملامستها لوجدان المُتلقي بغير وساطة أو محسوبية.
إنها الموهبة حين تتجلى تأخذ صاحبها إلى مدارات أخرى يعيش فيها متأملاً ناقداً راصداً مُختزناً كحالة يحيى الفخراني المُمثل والمُثقف والموهوب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية