يعبران عن أصوات بيروت المتبدلة فالموسيقى هي من ورشة الحياة علي الحوت وعبد قبيسي يشكلان حالة موسيقية وحضورهما في المسرح عفوي ومؤثر

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»:   منذ سنوات ونحن نتابعهما معاً على خشبة المسرح في أعمال مميزة ضمن مسيرة المسرح اللبناني والعربي. عازف الإيقاع علي الحوت، وعازف البزق عبد قبيسي فنانان وصلهما المسرح وقرّب المسافة بينهما، وصارا طقساً أو شخصية حاضرة بقوة ضمن عدد من العروض. منذ مسرحية «قدام باب السفارة الليل شو كان طويل» وهما ينسجان مشروعهما الموسيقي المشترك في العزف واستعمال المؤثرات.

اعتنق الثنائي اسم «التنّين» أو «Two or the Dragon» وأبحرا في تأليف الموسيقى التجريبية المعاصرة. استخدما مؤثرات متعددة في تقديم موسيقاهما، والتي تتسم بكونها من وحي ذاكرتهما السمعية المحتشدة بضجيج المدينة والحياة.
مؤخراً أحيا سهرة في مترو المدينة رعتها «مبادرة دعم الموسيقى في بيروت» قدما خلالها جديدهما معرّفين عنه بـ»موسيقى تجريبية حرّة معاصرة». تلك الموسيقى غير المألوفة في بعض محطاتها سبق وقدّماها في حفلات كثيرة خارج لبنان.
مع علي الحوت وعبد قبيسي هذا الحوار:
○ تعزفان بكافة القوى المتاحة لكما من أصابع، وعيون إلى الأقدام التي تحرّك الأصوات. ماذا تريدان أن تقولا؟
•عبد: التقيت علي للمرة الأولى في عرض مسرحي مع نضال الأشقر بين 2008 و2009 وهو «قدام باب السفارة الليل شو كان طويل». كنا مع موسيقيين آخرين ولعبنا الموسيقى التقليدية والبوب. ومن ثم كانت لقاءات عمل خاصة بالموسيقى التقليدية كما الموشحات والسمعيات والبشارف التي تعود للقرن التاسع عشر. وتواصل المشوار المشترك مع مجموعة أصيل ومصطفى سعيد والموسيقى التقليدية. في سنة 2013 التقينا في عمل مسرحي مشترك بين نضال الأشقر وناجي صوراتي، حيث اكتشفنا أن مساحة الموسيقى التقليدية ستكون محدودة للغاية. إنها مسرحية «الواوية» التي خلقت حاجة لحضورنا على صعيد الصوت وليس اللحن. احتاج العرض لتجسيد صوت المُدُن، أي الصوت المرتبط بالمساحة التي نعيش فيها. فـ«الواوية» لها صلة بالحرب العالمية الأولى، ومعها بدأنا استعمال الآلات بشكل مختلف، وهو ما توصلنا إليه نتيجة البحث. وتابعنا الإنطلاقة في الأعمال المسرحية مع المخرج والسينوغراف علي شحرور.
○ وكيف بنيتما لاحقاً فهمكما المشترك لما تريدانه من الموسيقى؟
•علي: إنها الأصوات التي احتاجتها مسرحية «الواوية» فهي التي أخذتنا إلى مكان آخر. وهكذا بدأنا نستعمل الآلات الموسيقية بغير وجهتها الصحيحة. وأذكر أني ضربت على الغيتار بمضرب الدرامز للوصول إلى صوت يتضمن إيقاعاً ملحناً بنوتا. مع العلم أني لست عازفاً للآلات الوترية. من هنا تبنينا معاً هذه الفكرة، وهي اللعب على الآلة بشكل يختلف عن طريقتها الصحيحة. تبنيناها لإعجابنا بالصوت الذي يمكنه تلبية سمعنا وسمع المشاهد في هذا المكان بالتحديد. وفي المراحل الأولى التي انطلقنا خلالها بالموسيقى الإلكترونية اقتنينا مؤثرات صوتية إلكترونية.
○ هل نقول أنكما بصدد موسيقى إلكترونية أم أصوات تكتشفونها وفق الحاجة؟
•عبد: حضور الإلكترونيات ليس دائماً في موسيقانا. في الواقع غالباً ما نستعمل صوت الكهرباء من دون نوتا، كما الخرير، أو الأزيز الرفيع أو الجهور. من خلال هذه الأصوات نسعى لتقديم صورة عن أصوات المدينة ليلاً. خيارتنا الصوتية هي وليدة الحاجة وليس المزاج.
○ وهل هي حاجة مهنية أم نفسية؟
•علي: عندما نلتقي بهدف العمل، أظن أن الحاجة النفسية تطغى على المهنية. كموسيقي يجب أن استمتع بالصوت قبل عرضه للمتلقي. عندما نُصدر هذه الأصوات خلال التمارين، أو حين يصدر صوت عن طريق الخطأ ويلفت أحدنا نستعيده للبناء عليه. فالتمارين في الغالب مسجّلة لأنها مرجعنا. فيما بعد أصبحت الحاجة مهنية، فنحن نحقق تطوراً. كما ونأخذ المتلقي بالاعتبار، فالعديد من الحفلات في لبنان وخارجه أكدت ذلك. استمعنا لرأي الجمهور، وما تلقاه من موسيقانا، وبدأنا التفكير. لكن البدايات الأولى كانت لإرضاء الذات والرغبة في السلطنة حتى وإن كان ذلك عبر صوت رفيع.
○ غلبت على الموسيقى التي سمعناها منكما حال من التحدي والغضب وسمعنا هدير الحرب. هل من رسالة يتضمنها جديدكما الموسيقي؟
•عبد: انه تفسيرك الخاص لموسيقانا وكيف وصلت إليك. الجزء الثاني من السؤال شكّل حواراً متكرراً بيني وبين علي، ودائماً كان الجواب ليس لموسيقانا رسائل. موسيقانا تقدّم حالة. نرغب فقط أن نترك أثرا من خلال فيلم أو عرض مسرحي. يدور عملنا حول محور ونحاول البناء بتماسك حوله. عندما تخرج قطعة للمتلقين لا نرفقها بتفسيرات، نترك المهمة للصحافيين وقراءاتهم الخاصة.
○ وهل ترضيكم تلك القراءات؟
•عبد: في أغلب الأوقات.
•علي: وفي أحيان تشكل تلك القراءات إضافة لعملنا لم تكن في بالنا.
○ وصلتنا في حفلكم أصوات غير معهودة في الموسسيقى كـ»البارازيت» أو التشويش كما الراديوهات قديماً. لماذا دخول هذا الحيز؟
•علي: مشروعنا الموسيقي مبني على مدينة بيروت وعلاقتنا بها كشخصين. تأثرنا بأصوات هذه المدينة. نركز في حياتنا على استعمال الأذنين، لهذا عملنا الجديد غني بالذاكرة الصوتية، منها الراديو الذي ذكرته والذي نشأنا على صوته. الأصوات التي تتضمنها موسيقانا تأتي من ذاكرتنا وعندما نجسدها واقعياً نعرف أن هذا ما نريده. نحن في مدينة غنية جداً بأصواتها ومفرداتها، نعيش فيها بخرابها وإصلاحها. إنها مدينة ذات أصوات متقلّبة، ولها أن تلد على الدوام أصواتاً جديدة. فيها ورشات العمل، والحرب والصمت.
•عبد: تذكّر أحد الصحافيين خلال سماعه لموسيقانا أصوات المحركات أو المولدات. منها محركات السيارات، ومولدات الكهرباء، ومضخات الماء الموجودة في كافة الأبنية والمتميزة بخرير رفيع. بدون شك هذا حقيقي ومطبوع في ذاكرتي، ومن المنطقي جداً أن تتسرّب هذه الأصوات بدون دراية منا إلى عملنا. هناك موسيقيون في العالم العربي يشتغلون على قضايا مشابهة، إنما الواضح أن العالم يعيش ورشة عمل شاملة باتجاه الموسيقى الملموسة. أي أن مرجعية الأصوات المستعملة مصدرها الحياة. هذا النوع من الموسيقى موجود في العالم منذ السبعينيات، لكنه جديد في العالم العربي.
○ تخلل عزفكما إصرار على إطالة زمن وصلة موسيقية ذكرتني برقص الدراويش. كم هذا الإحساس صائب؟
•عبد: لم نفكر برقص الدراويش، لكن سبق لعلي أن عمل كثيراً على الموسيقى الصوفية. وبشكل عام للموسيقى الشرقية صلة وثيقة جداً بالتكرار. وهذا ما نضعه أيضاً ضمن خانة المخزون أو التأثر بما سمعناه من موسيقى.
•علي: كنا قد أنجزنا ألبوماً في وقت سابق ولم يسوق بسبب الظروف، يعتمد بشكل أساسي على تكرار الجملة، وقد تتغير المعلومة بداخلها بدون شعور من المتلقي بذلك.
○ كان لبعض عزفكما صوت إطلاق نار اخترقته لثوانٍ نغمة من الفلكلور. هل هذا حالنا في لبنان؟
•عبد: لم نكن نقصد إطلاق النار، لكني فهمت تماماً ما تعنيه بالسؤال. فيما يخصّ التكرار فهو أحياناً يصل لحدود التجرد من المشاعر. علي وأنا نستمتع نوعاً ما بخلق موسيقى جافة على الصعيد العاطفي، ومن وقت لآخر نطعّمها بما هو عاطفي جداً كما ذكرت عن سماعك لإطلاق النار متداخلاً مع الفولكلور. وهذا ما تتضمنه أعمالنا بشكل عام.
○ كيف لآلة البزق الرقيقة للغاية أن تتآلف مع الضجيج؟
•عبد: يعود ذلك لكيفية التعامل معها. مهمتنا تطويع الآلة بحسب ما نحتاج منها. وهنا تبرز حرفيتنا، فقد ننجح أو نفشل فيما نريده. وهذا ليس بالمراد السهل بل يشبه حالة أي عازف عليه تدريب أصابعه لثماني ساعات يومياً. نحن كذلك علينا تكثيف التمارين لإجادة التعامل مع آلاتنا ولمعرفة ما نريده بالتحديد. أما انسجام البزق مع الضجيج فهذا متصل بالذوق. منهم من يحب ومنهم من لا يحب. مع هذا النوع من الموسيقى من السهل أن ينقسم الجمهور. حين نعزف موشحاً متقناً سنرضي العدد الأكبر من الجمهور. إنما مع موسيقى ليست على صلة بالموسيقى العربية من الطبيعي أن تحيط بها التجاذبات والتباين في الآراء. وهذا ما نجده صحياً وجيداً.
○ ماذا عن عدد الإيقاعات التي سمعناها منك يا علي؟
•استخدمت آلتين للإيقاع، واحدة من الدرامز الذي لا يربطه شبه بالموسيقى العربية وهو الـ«فلور توم». ومن هذه الآلة أخذت الصوت الذي أريده والذي لم أجده في الآلات الشرقية العربية. كذلك استخدمت الدف الإيراني وهو آلة تقليدية إيرانية. ليس لي تحديد عدد الآلات المستخدمة بل المؤثرات التي استعملتها على الدف الإيراني على سبيل المثال. بالعين المجردة كنا مع الآلة نفسها لكن المؤثرات أدت لإختلاف في صوتها. إذاً على هذا الدف الإيراني استخدمت ثلاثة مؤثرات صوتية، ومؤثر صوتي واحد لـ«فلور توم» مع عدة استخدامات له. بعض الأصوات كانت مُسجلة من آلة كهربائية هي الـ«سينتي تايزر». أحد الأصوات في هذا العرض نتج عن استعمالي لأربعة ملاقط للورق كنت أحركها بيدي مما خلق صوتاً وحالة. فلا قيود على استخدام أي شيء لتحقيق الحالة التي أريد تقديمها.
•عبد: في أحد المقاطع ضربت بخاتمي على البزق وراح الصوت يتكرر، فيما كان علي يعمل لتغيير الإيقاع بين فينة وأخرى. أيقاع الخاتم واحد على أربعة وهو الأبسط في العالم. فنحن لم نكن بصدد استعراض العضلات على المسرح.
○ كيف بات حضوركما في بعض الأعمال المسرحية طقساً دائماً كما مسرح علي شحرور؟ ومؤخراً في «آي ميديا» مع سليمان البسّام؟
•علي: أظنّ أن تكرار حضورنا في الأعمال المسرحية نتج عن حركتنا الطبيعية ضمن الطقس المسرحي. برأي هذا الحضور جذّاب على صعيد الإخراج والدراما معاً. نحن لم نتغير عندما لعبنا ضمن العروض المسرحية، كنّا في حضور عفوي، وهذا ما جذب عين المخرج، ولا أقصد مخرجاً بعينه.
○ ما هو عدد أعمالكما الموسيقية؟
•عبد: أنجزنا عملين موسيقيين متوافرين أونلاين. وبحوزتنا العديد من المقطوعات التي عزفناها خلال حفلاتنا في لبنان والخارج لكنها لم تصدر حتى الآن. كنا بصدد الإعداد لإصدار ألبوم لكنّ التمويل الذي حصلنا عليه لهذا الهدف مُحتجز بعد الأزمة المصرفية فهو بالدولار. ونحن في بحث عن الحل.
•علي: كنا حيال فرصة جميلة مؤخراً حيث أعدنا كتابة موسيقى فيلم «دم الشاعر» للمخرج الفرنسي جون كوكتو. وهذا الفيلم الصامت يعود لسنة 1932. مؤخراً بدأ يسود ما يُعرف بـ»سينيه كونسير» حيث يكتب الموسيقيون المعاصرون موسيقى الأفلام من جديد. موسيقى فيلم «دم الشاعر» لعبناها «لايف» خلال مهرجان الفيلم الأوروبي سنة 2019.
○ وماذا عن حفلاتكما في الخارج؟
•عبد: حفلاتنا في أوروبا وبشكل مُكثّف، وكانت لنا جولة في كندا. كما لعبنا في الأردن. وبرفقة المسرح كانت لنا جولات كثيرة.
○ هل تعيشان من موسيقاكم؟
•علي: نعم، ولا نقوم بعمل آخر.
•عبد: نحن محظوظان لأننا نقدم ما نحب من الأعمال، ولسنا مرغمين على تقديم مشروع لا نحبه فقط لهدف تحصيل المال.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية