«يقامرُ شعرَه» والرهان على القصيدة العمودية

تخاف وأنت تطالع مجموعة شعرية تعتمد قصيدة العمود أو التفعيلة، في هذا العصر الذي طغى فيه النثر على كل مفاصل الحياة، ألا تجد فيها ما يسترعي انتباهك، أو يحرك وجدانك، لذا باتت الكتابة عن هذا الشكل الشعري شبه منقرضة، فضلا عن الشعور العام بأن قصيدة العمود وصلت إلى طريق مسدودة، إذ من الصعب نوعا ما أن يستطيع شاعر تأطير الحدث اليومي المتغير والثائر على الرتابة، برتابة البيت الشعري وقافيته ورويه، لكن وللأمانة يحدث أن يتصدى أحد ما لتغيير تلك النظرة، ويغامر أو يقامر شاعر بطرح نصوصه العمودية في الرهان، على أن هذا الشكل الشعري ما يزال يستطيع تقديم نفسه كمادة صالحة للتداول في ميدان الشعر العربي.
وعليه فإن مجموعة «يقامر شعرَه» للشاعر المصري سيد عبد الرازق مقامرة حميدة، تتخذ من القصيدة العمودية ورقة الرهان التي يزاوج الشاعر من خلالها بين العصري والتقليدي في جسد واحد.
تمتاز نصوص المجموعة بالدرامية، فالشاعر يجيد تشكيل النص على شكل قصة متناغمة تتآلف في ما بينها الجمل الشعرية بخفة بدون أن تترك «غالبًا» للمتلقي الشعور بعدم انسيابية الأبيات، فضلا عن أن الشاعر في هذه المجموعة يستمد من الواقع أو المتداول الكثير من المفردات التي استطاع خلق تواشج مقبول في أغلب الأحيان بينها وبين بنية البيت الشعري. ولأن الشعر خلق يبدو مدروسا، وأفضّل أن يكون كذلك، بين المبنى والمعنى، فنصوص «يقامر شعره» استطاعت أن تصل في أكثرها إلى تناسق رشيق بين هذين المعيارين؛
«نساؤُك يشتهينكَ كلَّ دمعٍ/ فكتفُكَ حائطٌ والحضنُ مبكى»
غير أنه لا مناص يبدو مع نصوص العمود من اللجوء إلى الحشو أحيانا لإتمام تفعيلات البيت، وهذا ما لم يستطع الشاعر تجاوزه بعض الأحيان،
يساهم في ذلك طول بعض القصائد، بينما جاءت نصوص التفعلية في المجموعة خالية من هذا المأخذ.
يقسّم الشاعر مجموعته هذه إلى خمسة أبواب يأخذ كل منها وحدة موضوعه، من خلال نصوص افتتاحية لكل منها تحت عناوين تؤسس للمواضيع وهي:
الرهان الأول: السماء
وفي هذا الباب يحاول الشاعر إظهار العلاقة الروحية بين السماويّ والأرضيّ.
الرهان الثاني: المرأة
وتحت هذه المفردة يظهر الشاعر عشقه وعلاقته بالمرأة، وتأكيده على المعنوي فيها على حساب الحسي.
الرهان الثالث: القصيدة
وفي هذا الباب يبين الشاعر علاقته بالشعر ورؤيته الشعرية، وما للشعر من مكانة في الحياة عموما، وفي حياته بشكل خاص.
الرهان الرابع: الحرب
وهنا تظهر الحالة الإنسانية، ومدى تأثير الحرب على الحياة ، وعلى الشعر، من حيث ما تنتجه من خراب.
الرهان الخامس: الوطن
يتحدث الشاعر في هذا الباب عن ماهية الوطن وعلاقة الإنسان بوطنه وبقضايا الوطن المعاصرة.
إضافة للإهداء والورقة الأخيرة، والواضح من هذا التأسيس كعتبة نصية للباب والموضوع تلاحمه وتوافقه مع العنوان الرئيس للمجموعة، فالرهانات هذه هي أس المقامرة الشعرية التي انتهجها الشاعر، محافظا بذلك على الوحدة الموضوعية لكامل المجموعة.
اللغة في النصوص تدمج بين السهولة والجزالة، مما يمنح القارئ متعة التلقّي والتواصل مع المفردة التي تؤدي غرضها في النص دون تكلّف، كما تُظهر قدرة الشاعر وتمكّنه من الاستخدام الجيد لأدواته اللغوية.
كما أن النصوص جميعها تقريبا تم ترويسها بمقولات، ومقاطع من الأدب العربي والعالمي، مما يمنحها فضاءً أوسع، حيث أن تلك المقدمات تؤثث لقراءة ثانية أكثر رحابة مما لو جاءت النصوص خالية منها، وربما كانت تلك وسيلة الشاعر ليتغلب على النظرة الأولية تجاه القصيدة الخليلية، كما تبدي اتصال الشاعر مع المحيط النثري الطاغي على المشهد الأدبي عموما، مع بقائه مخلصا للوزن والقافية.
إن «سيد عبد الرازق» بصفته شاعرا محافظا من حيث الشكل، ومعاصرا من حيث الموضوع، استطاع في «يقامر شعرَه» الولوج في عمق القضايا المعاصرة وطرحها من خلال نصوصه، كما حافظ على كونه شاعرا ملتزما، في طرحه الشعري لقضايا المرأة، والوطن، والشعر، والحرب، وتدوين رؤيته لكل من تلك القضايا في قالب شعري سائرا على خطى شعراء مصر الملتزمين.
يبقى أن نذكّر بأن مجموعة الشاعر الحائز على جائزة البردة لدورتين متتاليتين، والمشتغل في حقل المسرح، صدرت ضمن سلسلة «الفائزون»، عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بمناسبة فوز الديوان بجائزة المسابقة المركزية، وبالمركز الأول على مستوى جمهورية مصر في شعر الفصحى عن عام 2019.

٭ كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية