أسوأ التعليقات على نتائج يوروفجين (مسابقة الأغنية الأوروبية)، التي احتلت فيها المغنية الإسرائيلية المركز الخامس، جاءت من فرنسا، من بعض برلمانييها على وجه التحديد.
إذ عبّر هؤلاء عن دعمهم للمتسابقة الإسرائيلية بذرائع كُتبت على وسائل التواصل الاجتماعي بأن «الموسيقى والفن سيكونان دائماً أقوى من معاداة السامية»، أو كما كتب برلمانيّ: «ضد الكراهية المعادية للسامية، وضد القطيع، وحتى لا يقع الفن رهينة للرقابة الشمولية الصغيرة، سأصوت لصالح عيدن غولان في مسابقة يوروفيجن»، ولا ندري إن كان برلمانيو فرنسا أولئك، المنطربون بنوع واحد من الموسيقى، سيجدون الوقت الكافي لدعم المتسابقة الإسرائيلية لو لم يكن المتسابق الفرنسي في يورفيجين من أصل جزائري (سليمان نيبش، الذي حلّ في المرتبة الرابعة).
إسرائيل بالذات تعرف كيف تستثمر التفوق بالتفاصيل لتلميع صورتها السياسية. ولطالما كان الأمر على هذا النحو، فسرقة الفلافل، وصحن الحمص، والشكشوكة، والأزياء التراثية الفلسطينية، والألحان،.. ليست مجرد بزنس
هي أسوأ تعليقات لأنها تزوّر المعركة، التي لم يكن فيها الجمهور إلا سلمياً، ولا حيلة له سوى الغناء والهتاف ورفع الأعلام. تزوير المعركة وتصويرها على أنها الفن والموسيقى، التي تمثلها إسرائيل حسب اعتقادهم، أمام حشود الكراهية ومُعادي السامية!
فيما المعادلة مقلوبة تماماً: عصابة قتلت 35 ألف فلسطيني على الأقل، وأصابت أكثر من 70 ألفاً آخرين، ودمرت مدناً بحالها (هذا إذا بدأنا العدّ فقط من السابع من أكتوبر الماضي) ستأتي إلى مالمو، حيث مسابقة الأغنية لتغطي جريمتها التاريخية بالغناء والموسيقى، سنجد أنفسنا فجأة إزاء معركة أحقية المشاركة في مسابقة، فيما تقتل في كل ساعة أرواح في غزة، وتدمر بيوت، ويعتقل ناس، أو أنهم يهجّرون، مرة تلو المرة.
فجأة يتحدث داعمو المتسابقة الإسرائيلية عن ضرورة استبعاد السياسة، وإتاحة المجال للفن والموسيقا وحسب، إذ يقول مشجع: «من الواضح أن النتيجة متحيّزة لأسباب سياسية».، ليضيف: «كانت عيدن (المغنية) مذهلة. لكنّنا مكروهون من البعض». وقال آخر: لم تنل إسرائيل تصويتاً كبيراً من الدول، ومن الواضح أن الموضوع أخذ أبعاداً سياسية. لا أحد يريد دعمنا».
فانظروا أي ثقل سياسي وُضع في ظهر مغنيّتهم، لقد تدخّلَ الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ وصار مشرفاً شخصياً على الموضوع، وكذلك رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، بل إن رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي كان شخصياً في السويد، خلال المسابقة، كما لو أن تل أبيب تخوض معركة حربية.
وإثر إعلان النتائج سارع الرئيس الإسرائيلي بالاتصال بالمغنية: «لقد منحتِنا الكثير من الشرف والشجاعة عندما وقفت بفخر أمام الحشود الحاضرة المعادية لإسرائيل والمعادية للسامية. لقد كانت مهمة وطنية معقدة، وأنا أعرب لك عن تهنئتي وامتناني».
أما نتنياهو فقد قال لمغنّيته: «يا له من نجاح، ويا له من شرف، هذا شيء عظيم، أحسنت» .
وأضاف: «لقد صرخوا بصيحات الاستهجان، وصرخنا اثني عشر، اثني عشر نقطة» .
في الأساس كانت الجهة المنظمة قد رفضت النسخة الأولى المقدمة من المغنية الإسرائيلية، وجاءت تحت عنوان «مطر أكتوبر» (هذه سياسة أم ماذا!)، وكذلك الثانية التي جاءت تحت عنوان «رقص للأبد»، وكلاهما تتحدثان مباشرة عن هجوم السابع من أكتوبر. وهكذا إلى أن جاءت المغنية بالنسخة الأخيرة تحت عنوان «إعصار»، وقد أهدتها بعد احتلال الموقع الخامس، الذي جاء بالتصويت، لا عبر لجنة التحكيم، لـ «الرهائن المحتجزين من جانب حماس»، وأضافت «شعرت بالفخر والشرف لأنني مثلت بلادنا في مثل هذا الظرف» .
هذا الثقل الإسرائيلي، الرسمي وغير الرسمي، وراء المتسابقة الإسرائيلية يؤكد الحاجة الإسرائيلية لاستثمارها سياسياً، وتل أبيب بالذات تعرف كيف تستثمر التفوق بالتفاصيل لتلميع صورتها السياسية. ولطالما كان الأمر على هذا النحو، فسرقة الفلافل، وصحن الحمص، والشكشوكة، والأزياء التراثية الفلسطينية، والألحان،.. ليست مجرد بزنس.
وكذلك، فإن هذه واحدة من أكثر المرات اضطراراً لإسرائيل لتغطية جريمتها بالفوز بمسابقة، بعد أن باتت، وبحسب توصيف صحافتها وجنرالاتها: «دولة منبوذة»، «العالم يتقيأ إسرائيل».
لنتذكر فيلم «إيكاروس» ، الحائز على أوسكار أفضل فيلم وثائقي العام 2018، والذي يوثق فضيحة المنشطات الروسية، إذ يلاحظ رودشينكوف، مدير الوكالة الروسية لمكافحة المنشطات، والشاهد الأبرز في هذا الملف، أنه بعد حصول روسيا على 13 ميدالية ذهبية في أولمبياد سوتشي (2014)، ارتفعت شعبية بوتين، بعد أن كانت في انخفاض مستمر.
ارتكب نتنياهو ودولته المجزرة مقدماً، ويستنفرون الآن لتغطيتها، أو غسلها بالموسيقى
كان بوتين قد شنّ الحرب على أوكرانيا بعد أولمبياد سوتشي مباشرة، وهنا يقول رودشينكوف، وهو قد ساهم بالحصول على تلك الميداليات بفضل حقن الرياضيين الروس بالمنشطات: «شعرت بذنب شخصي لحدوث ذلك. لو حصلت روسيا على عدد أقل من الميداليات لما كان بوتين عدائياً لهذه الدرجة».
وهنا، ارتكب نتنياهو ودولته المجزرة مقدماً، ويستنفرون الآن لتغطيتها، أو غسلها بالموسيقى، ولكن، وعلى ما تقول ليدي ماكبث، في المسرحية الشكسبيرية الشهيرة: رائحة الدم على يدي لم تزل، وكل عطور الجزيرة العربية لن تستطيع تطييب هذه اليد».
إن كانت المعركة معركة موسيقى بحق فهي هذه الموسيقى بالغة اللطف، التي عمّت أرجاء العالم، ترفع الأقمشة الملونة فقط، الأعلام والكوفيات والصور ولافتات البطيخ، ولحن ولا أعذب: «يا طالعين الجبل»، و»فيفا بالستينا».
ومرة أخرى:
«لهم الشمس،
لهم القدس،
والنصر،
وساحات فلسطين».
٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»