يوسف السباعي.. وزير الثقافة الذي يختلف حوله المثقفون المصريون

مع كل احتفال بذكرى وفاة الأديب المصري يوسف السباعي، تتجدد الاشتباكات بين المثقفين حول هويته الثقافية ومرجعيته الفكرية وموهبته التي يرى البعض أنها كانت أقل بكثير مما حصل عليه من امتيازات، ورغم مرور نحو أربعين عاماً على وفاته في نوفمبر/تشرين الثاني 1978، إلا أن هذه الإشكالية لم تنته، بل إنها تزداد حدة كلما احتفت وسائل الإعلام بذكراه، وأمعنت في تبجيله ككاتب وقاص، وأفردت القنوات التلفزيونية مساحات واسعة لعرض الأفلام المأخوذة عن بعض رواياته.
وتتلخص وجهة نظر المتحزبين ضد السباعي في مواقفه السياسية الموالية للسُلطة إبان فترة حُكم الرئيس السادات، حسب وجهة نظرهم، وهي المرحلة التي تولى فيها المسؤولية وزيرا للثقافة، وانصبت عليه جراء اختياره للمنصب المهم العديد من الاتهامات، كان أبسطها أنه أديب متواضع يتحرك في منطقة الأدب الرومانسي بشكل سطحي يدغدغ مشاعر المراهقين والمراهقات، ولا يعدو كونه سلعة قليلة التكلفة تتاجر فيها السينما بشكل استثماري محض، بعيداً عن العمق الإنساني والثقافي والسياسي المتوافر في روايات المنافسين له أمثال، إحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ ويوسف إدريس ومحمد عبد الحليم عبد الله وغيرهم من رموز الأدب وصُناع الكلمة والصورة على صفحات الكتب وشاشة السينما.
وظلت المقارنة تُعقد بينه وبين هؤلاء كنوع من الاستفزاز في محاولات دؤوبة لتعطيله وتسفيه إنتاجه الأدبي الغزير. وقد انتقل السباعي الذي أمضى وقتاً طويلاً وأفنى جهداً أطول، إلى اتجاه آخر في كتاباته الروائية، مُطلقاً لخياله العنان كي يُمسك بتلابيب الفكرة الفلسفية التي انطلق منها، في محاولة للبحث عن تفسير منطقي للغز الوجود والعدم في رواية «السقا مات»، وهي الأكثر تميزاً في إنتاجه الأدبي قاطبة، باعتباره خرج عن أطواره التقليدية وبات يوغل في عمق الحالات الإنسانية، في مغايرة لرواياته الرومانسية، التي اكتسبت شهرة واسعة بفعل تحويلها إلى أفلام سينمائية، وكان من بينها «بين الأطلال، و«رد قلبي»، و«إني راحلة»، و«نحن لا نزرع الشوك»، و«طريق العودة»، و«آثار في الرمال»، و«أرض النفاق» وغيرها، ولما نجحت رواية «السقا مات» كعمل أدبي له اعتبار مختلف تهافتت عليها السينما فصارت فيلماً مهماً للمخرج صلاح أبو سيف، فعادت عاصفة النقد تتجدد ضد الكاتب، ووصفت الرواية في حينها بأنها مجرد استثناء لا يغفر له نزواته الأدبية الأخرى، التي كادت تُشكل تياراً ضعيفاً ينال من ذائقة القارئ، ويفرض نمطاً استهلاكياً من الكتابة الروائية الخفيفة التي تحتمي بالسينما كأداة دعم وترويج خطيرة ومؤثرة.

ظل الكاتب يوسف السباعي مؤرقاً بهذا التقييم السلبي وبذل محاولات لتأكيد قدرته على التنوع الروائي والقصصي في تجارب متعددة يبرز منها عملان مهمان هما، «نائب عزرائيل»، و«أرض النفاق».

وقد ظل الكاتب الروائي يوسف السباعي مؤرقاً بهذا التقييم السلبي وبذل محاولات لتأكيد قدرته على التنوع الروائي والقصصي في تجارب متعددة يبرز منها عملان مهمان هما، «نائب عزرائيل»، و«أرض النفاق»، حيث اقترب فيهما من الصيغ الفلسفية بتطويع الحالة الروائية الدرامية لخدمة الفكرة الأبعد، عن مفهوم الحياة والموت وحتمية القدر، كما في «نائب عزرائيل»، كذلك ذهب السباعي إلى مناقشة قضية أخرى ذات بُعد فانتازي افتراضي أوجده ليكون خيطاً فلسفياً رفيعاً يطرح من خلاله خفايا ومكامن النفس البشرية وسجاياها، ويصل الرؤية الخيالية بالواقع المعاش عبر شخصية البطل المسالم الذي يعجز عن التكيف مع تركيبة الحياة الاجتماعية بتكويناتها المختلفة التي تستلزم اللؤم والدهاء والمكر والإحاطة، أكثر ما تستلزم الطيبة والبراءة والنقاء وحُسن النية، فجعل بطله يستعيض عن ضعفه واستكانته بما افترض وفق السياق الروائي الخيالي إنها حبوب شجاعة أو حبوب جرأه أو غير ذلك.
وفي واقع الحال مثلت هذه الرواية نقلة نوعية في المنهج الإبداعي لدى الكاتب وحصلت على صك التميز السينمائي، كأحد الأفلام الكوميدية المهمة في مسيرة الفنان فؤاد المهندس، إلا أنها لم تنل ما تستحق من الثناء لإصرار الحركة النقدية الأدبية آنذاك على تصنيف السباعي موهبة محدودة، كونه محسوبا ضمن فئة المثقفين الرسميين، وهي الفئة التي كان مغضوباً عليها من كبار النقاد المعارضين، لاعتبارات غير منبتة الصلة بالأدب، ولكنها تتعلق باقترابه من السُلطة ومنصبة كوزير ثقافة، فضلاً عن أن المناخ السياسي الشعبي والجماهيري في فترة السبعينيات لم يكن في صالح التوجهات الثقافية الرسمية للدولة، لاسيما بعد اتفاقية كامب ديفيد، التي أحدثت فجوة شاسعة بين المؤسسات الحكومية والقطاع الأكبر من الشعب، وفي مقدمته النخب والطلائع الثقافية التي رفضت الاتفاقية شكلاً ومضموناً، وخلقت حالة من الاستياء العام تجاه أصحاب القرار على كل المستويات، ولهذا ظل الكاتب والأديب الشهير طوال حياته وبعد وفاته مُختلفاً عليه.

٭ كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية