تستدعي الذكرى الثالثة عشرة لوفاة المخرج يوسف شاهين، العودة مُجدداً لسيرته ومشواره الفني الطويل، فالشاب الذي بدأ حياته بدراسة المسرح في الولايات المُتحدة الأمريكية، لم يُسجل له التاريخ إنجازاً يُذكر في هذا المجال، حيث وجه كل طاقته الإبداعية للعمل في السينما، ولم يكن على علم بيّن بطبيعتها، وليس له خبرات سابقة فيها، اللهم غير حُبه للتمثيل وغوايته للوقوف أمام الكاميرا، لاستعراض قدراته الفنية وموهبته، وربما الحُلم الذي تحقق جزئياً في قيامة بتجسيد شخصية «قناوي» في فيلم «باب الحديد» كان دافعاً لارتباط شاهين بالإخراج، كحل لأزمته كممثل باحث عن دور.
في تجربته السينمائية الأولى قدم الفتى الموهوب فيلم «بابا أمين» بطولة فاتن حمامة وكمال الشناوي، وباكورة إبداعه على الشاشة الكبيرة وليس على خشبة المسرح، وهي الفرصة التي ظل ينتظرها كي يُثبت أنه خُلق ليكون سينمائياً بعد عودته من أمريكا، وإنهاء دراسته في المعهد المسرحي المُتخصص الذي قضى فيه عامين دراسيين كاملين وتخرج فيه بتفوق.
وبعد نجاح فيلم «بابا أمين» قدم يوسف شاهين تجربته الثانية الأوضح في فيلم «ابن النيل» مع فاتن حمامه وشكري سرحان، لتتبلور رؤيته ويزداد قناعة بأن السينما هي مستقبلة الحقيقي، وبالفعل استمر المخرج الناشئ في تأكيد موهبته إلى أن جاء فيلم «صراع في الوادي» ليضع النقاط على الحروف، حيث يتم اكتشاف الممثل الشاب عمر الشريف فتُسند إليه أول بطولة أمام فاتن حمامة أيضاً، التي كانت آنذاك نجمة ملء السمع والبصر، ولم يكن نجاح الفيلم فارقاً في حياة البطل الجديد فقط، وإنما كان فارقاً في حياة كل من فاتن ويوسف شاهين على حد سواء.
لقد تزوج عمر الشريف من البطلة التي وقف أمامها وشاطرها النجاح والشهرة، فصار زواجه منها بداية مرحلة مُختلفة من حياته في ما بعد، وقد كان عمر أكثر المستفيدين من هذا الارتباط العاطفي والعائلي والفني، غير أن شاهين استفاد بلا شك من وجود النجمة الكبيرة كبطلة لعدد غير قليل من أفلامه المهمة.
بعد فيلم «صراع في الوادي» انطلقت مسيرة المخرج النابه بلا توقف فقدم سلسلة من أفلام مُعتبره اتسمت بالواقعية الشديدة، وارتبطت بهموم المواطن المصري البسيط فارتفعت أسهمه، وأصبح في زمن قياسي لسان حال الفقراء الآملين في مُستقبل آمن وحياة كريمة، فقد تأثر الجمهور تأثراً بالغاً بمجموعة الأفلام التي ناقشت قضاياه الحيوية وواقعه المُعاش، كـ«باب الحديد» و«الأرض» و«صراع في الميناء» فهذه الرؤى السينمائية بتفاصيلها الاجتماعية والإنسانية، كانت الأكثر قُرباً من الفئات الشعبية التي عوّلت في طموحاتها على صوت السينما كموصل جيد لرسالاتهم، وإن كانت تلك الطموحات محض خيال، لكنها ظلت أملاً يراود البعض.
ورغم الجدل الذي أثارته مجموعة الأفلام سالفة الذكر والتي غلب عليها الخطاب الفلسفي المُتعالي، إلا أنها ظلت علامات في أرشيف المخرج الراحل ونقاطا إيجابية في حسابات السينما العربية.
في مُنتصف الرحلة السينمائية الطويلة تغيرت قناعات ورؤى المخرج الشعبي المُعتمد لدى الطبقات الفقيرة، فقد غير يوسف شاهين من مساراته ومضى يبحث عن ضالته في مدار آخر، رأى أنه ذو صلة وطيدة بقضيته الأساسية التي هي قضية كل الناس، على حد تعبيره، فقد عمد إلى توسيع دائرة نضاله الثوري لتشمل قضايا الحريات واستقلال الشعوب، فاختار من هذا الملف الشائك قضية المناضلة الجزائرية جميلة بوحريد المُناهضة لسياسات الاحتلال الفرنسي، إبان فترة احتلاله للجزائر، فقدم فيلمه الاستثنائي المهم واضعاً اسم جميلة في الصدارة كعنوان للأحداث، وبموجب هذا الطرح السينمائي السياسي، صارت البطلة التي جسدت دورها الفنانة ماجدة الصباحي من أشهر الشخصيات في الدوائر العربية والعالمية وأصبحت بعد ذلك أيقونة البطولة والفداء والنموذج الأمثل لنضال المرأة العربية وتضحيتها. وبالنجاح المُبهر للفيلم المذكور والأصداء المدوية له، أضيفت لرصيد يوسف شاهين أسهم مُضاعفة، فبات واحداً من المخرجين العرب المعدودين العابرين بإبداعهم للحدود المحلية، وقد زاد من حضوره الفني القوي قيامه بإخراج فيلم «الناصر صلاح الدين» وهو العمل التاريخي المهم الذي شارك فيه حشد كبير من النجوم ذوي الخبرة العالية في التمثيل والتأثير، حمدي غيث ونادية لطفي وأحمد مظهر وصلاح ذو الفقار وأحمد لوكسر وزكي طليمات وتوفيق الدقن وليلى فوزي وآخرين كانت لهم بصمات قوية في الملحمة السينمائية التاريخية التي رأى شاهين نفسه أنها الأهم في مشواره على الإطلاق.
وبمرور الوقت ونضوج الموهبة واكتمال الرؤية الفنية والثقافية والسياسية، أخذ المخرج المصري العربي العالمي يطرق أبواباً مُختلفة في دروب الإبداع بالبحث عن الجديد والمُغاير فجنح إلى إعمال العنصر الفلسفي في طرح القضايا التي رأى أنها جديرة بالمناقشة، فقدم في هذا الإطار مجموعة من الأفلام كان أشهرها «العصفور» و«عودة الابن الضال» و«الاختيار» و«بياع الخواتم» وهي مقدمة للدخول إلى مستوى آخر من أفكار أكثر حداثة وتجريداً في تناولها وطرحها، كفيلم «وداعاً بونابرت» و«حدوتة مصرية» و«إسكندرية ليه؟» و«إسكندرية كمان وكمان» و«إسكندرية نيويورك» و«اليوم السادس» و«المُهاجر» و«المصير» و«الآخر» وصولاً إلى فيلم «هي فوضى» الذي اختتم به رحلته واختلف فيه أسلوبه الإخراجي إلى حد بعيد، حيث مثل عودة مفاجئة للمدرسة الواقعية التي بدأ منها مشواره ورحلته، وقد أعتُبر هذا الفيلم محاولة لتصحيح أخطاء التجارب السابقة التي أحدثت فجوة بين يوسف شاهين وجمهوره استمرت سنوات.
ورغم الجدل الذي أثارته مجموعة الأفلام سالفة الذكر والتي غلب عليها الخطاب الفلسفي المُتعالي، إلا أنها ظلت علامات في أرشيف المخرج الراحل ونقاطا إيجابية في حسابات السينما العربية، كونها نماذج لثقافات سينمائية تنويرية حاملة للغة تعبيرية غير تقليدية، تقبل التأويل والتفسير على أوجه مُتعددة ويُحتمل أن تكون صيغة من صيغ التفاهم بين الثقافة المصرية والعربية والثقافات العالمية الأخرى، حسب تصور يوسف شاهين ذاته الذي ظل يراهن طوال الوقت على هذا الوعي.
كاتب مصري