يوميات إرهاب الدولة المصرية

حجم الخط
1

تعريف الإرهاب في الحالة المصرية لا يستقل بمفاهيمه المتداولة .. بل يستمد معانيه ومغزاه من فعل الإنقلاب الذي قامت به الهيئة العليا للجيش المصري في يوم 3 تموز/يوليو 2013، الذي أسس واستبطن المعنى الحصري للإرهاب واحتكر مجاله بالقدر الذي يحسب كل من الفعل ورد الفعل على السلطة الإنقلابية. فقد استولت الطغمة العسكرية المصرية على مفردات الإرهاب والعنف والتدمير وأدغمت جميعها في مؤسساتها وأجهزتها كأفضل طريقة للاستثمار في القطاع الذي تحتكره وتتقنه وهو السلاح. ومن يوم الإنقلاب ،ذلك اليوم المشؤوم على مصر والمصريين والهيئة الإنقلابية لا تكف على زرع يوميات الدم والدمار والعنف وتبيع صوره للإعلام الموتور الفاسد، كمادة دسمة للتعليق وقتل الوقت .
وعليه، فان التنديد بالعملية المسلحة التي استهدفت عشرات من أفراد الجيش المصري يوم الجمعة 25 تشرين الأول/أكتوبر الماضي ووصفها بالعمل الإرهابي فيه تواطؤ مع الهيئة الإنقلابية التي تحتكر الإرهاب في الفعل ورد الفعل والذي سبق أن استولت عليه يوم الإنقلاب. فالسلطة الإنقلابية الحاكمة هي التي تملك العنف المطلق الذي لا يستند إلى أي شرعية، بل تحارب الشرعية وكل من يناصرها كمس بسلطتها الفاشية التي لا تقبل بالحياة العادية والإستقرار الأمني، بل دائما السعي إلى خلق ظروف الإرهاب وصنعه كأفضل طريقة للاستثمار فيه محليا ودوليا.
يجب التوكيد على أن الهيئة الإنقلابية لا همّ لها إلا البحث عن مسوغات ومبررات استخدام القوة والعنف والإرهاب، وهذا هو مبرر وجودها أصلا بعد أن أقدمت يوم 3 تموز/يوليو 2013، ووضعت نصب اهتمامها الأول والأخير عسكرة الحياة المصرية بكل مرافقها ومؤسساتها وبسط يد الأمن عليها، ولعلّ إصدار رئيس الإنقلاب «لقوانين» يستولي فيها الجيش على المنشآت العامة ومحاكمة المعتدين عليها أمام المحاكم العسكرية ما يوضح مسار الوضع الإنقلابي الذي يصنع يوميات الإرهاب والعنف والتغوّل العسكري. والذين كانوا يأملون في استعادة الأمن والأمان على يد الانقلابيين، يمكنهم الانتظار طويلا لكي يبدأوا في إيهام أنفسهم بذلك، لأن واقع الحال كما جاء في إجراءات الإستيلاء على المنشآت العامة يتطلب سنتين كخطوة أولى لترسيم الحياة العسكرية كأمر واقع وعادي للمصريين، وأن قدر مصر هو الرضا بالاستثناء العسكري كبديل عن المدني العادي.
وبمنطق التداعي، أي الإجراء الذي يولد الإجراء في ذات التوجه، يندرج أيضا قرار إنشاء منطقة معزولة في سيناء ضدّا على فلسطينيي غزة وتأمينا لإسرائيل التي فشلت في تركيع وتطويع الفلسطينيين وأن حربا أخرى معهم سوف تكلفها انهيارا حقيقيا على اعتبار أن طبيعة الدولة العبرية أنها لا تقوى على الهزيمة العسكرية، وأن تلقيها أول هزيمة من الفلسطينيين سوف يعني ذلك الإنهيار النهائي. وعليه، فإن أفضل استثمار في العنف والحرب والإرهاب أن يتولّى الجيش المصري صفقة تجارية مع إسرائيل كما فعل مع بعض الدول الخليجية، عندما تولى الإنقلاب الذي أطاح بالدولة المصرية الديمقراطية، وقبض الثمن على تصرفه تأمينا للنظام الوهابي السعودي الذي لا يتحمّل نجاح التجربة التركية في مصر ولا يطيق نجاح نموذج إسلامي آخر يرمي الإسلامي السعودي في الظل ويواريه كنظام بليد، رجعي ومتخلف.
ولتأمين شريط عازل في سيناء، عمدت السلطة العسكرية إلى تهجير السكان منها تمهيدا لبداية هدم منازلهم، وهو تصرف مناف تماما للدستور الإنقلابي ذاته. ومشهد التهجير أمام العالم وكل المصريين سوف يعيد مشاهد النازحين السوريين والأكراد والعراقيين والليبيين وهم يهيمون على وجوهم طلبا للإسعاف والرحمة، كما يرسم في الأذهان السياسة النازية في تهجير اليهود إلى أفران الغاز والمحتشدات والمعتقلات، ناهيك عن التاريخ إسرائيل وهي تهجر وتدمر الشعب الفلسطيني. وهذا ليس تصويرا مبالغا فيه بقدر ما هي مشاهد حقيقية سوف يشاهدها ويعاني منها المصريون أنفسهم، وهناك فصيل واسع من المصريين حلّت به لعنة الإنقلاب وصار يلازمها كقدر وهو يبحث عن الانتقام والرد بكل الطرق الممكنة. في الآخر، ولعّله أولا، فإن الجيش الذي استغل عشرات الآلاف من البلطجية ووظفها في تجارته زمن حكم المخلوع مبارك، هو اليوم يضيف على ذلك مجندين من عائلات بريئة، في مهمات لا تعنيهم ويجعل منهم دروعا في مواجهة الإرهاب كان الإنقلاب هو الأول والأخير صانعه ومسؤولا عليه. فالعشرات الذين قضُّوا في عملية سيناء الأخيرة هم، مع الأسف، وقود لرأسمال الجيش الإنقلابي، الذي سارع إلى تأبينهم ليس كما يحدث لمن سقط في ميدان الشرف واستحق اعتراف الأمة به، بل كما تقام مراسيم الجنائز أمام عرّاب كبار المافيا الذين لا يعنيهم من يشتغل لديهم إلا ساعات الوفاة والموت. عندما أقدم الجيش المصري باغتصاب مصر ومصير المصريين لحظتها كان قد اعدم كل معاني البطولة والنبل وفضائل الأعمال وحوّلها إلى خطاب غوغائي لا يحفل بأي أخلاق ولا يعترف بأي عهد أو أي أمانة.

٭ كاتب من الجزائر

د. نورالدين ثنيو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية