يوميات عاشق… عبد الرشيد محمودي والطواف بالقصائد حول الذات

■ لم يقتصر مفهوم الهوى والعشق عند الكاتب الروائي والقاص والشاعر المصري عبد الرشيد محمودي على الصور والمعاني التقليدية، المتعارف عليها في التراث العربي والشعر المعاصر، وإنما نراه يتجاوز في ديوانه الجديد «يوميات عاشق» الصادر عن المجلس الأعلى للثقافة، دلالات العلاقة العاطفية بين الحبيب والحبيبة إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، ويسير في دروب وجدانه وحسه الإنساني، يفتش عن المتواري والمخبوء فيخلق مستويات أخرى من التعبير أجزل من أبجديات الغزل ودغدغة المشاعر، فهو يقودنا إلى مساحات أعمق داخل ذاته الشعرية فنقرأ طالع مشواره وعمره بأثر رجعي ونُبصر من آيات التحرق والشوق خارج الوطن ما يجعلنا نمقت الغربة ونزهد في نعيم الأوطان الأخرى.
وعلى امتداد الفكرة ذاتها وبموجب تجربته العريضة ينبؤنا الشاعر بما خطة الزمن من بصمات على جدار العمر في محنة النفي، فيقول في واحدة من قصائده تحت عنوان «السجل» ألد الخصوم الزمان ـ يخُط عليك فأنت السجل ـ وأنت المغني أسير النغم ـ وأنت الضرير ـ فلن تُبصر النقش إلا قبيل النشيد الأخير.
فهكذا يصدّر لنا خطابة عبر القصيدة محذراً من مغبة الغربة خارج الأوطان، واتساع بصمات الزمن على العمر الذي قد يفنيه صاحبة في السفر والترحال، مأخوذاً بغواية البحث والتنقيب.
ويرى محمودي أن نيران الشوق والعشق التي تستعر بداخلنا، ما هي إلا حنين لأنفسنا وذواتنا وأوطاننا، ولهذا يصف بلاد الغير في قصيدة أخرى بعنوان «بلاد الشمس» فيناديها، يا حبي ـ لو أن بلادك كانت مُشمسة، لعبرت البحر إليك وهاجرت ـ وتركت الأهل ومكتبتي، وينابيع الشعر، وقلعتُ جذوري ـ من طينة مصر، كي أقضي في أحضانك ما بقي من العمر ـ لكن بلادك مُعتمة، لن أبصر فيها ما ضاع ـ ولا ما قد يلد الغيب ـ لا يوجد فيها إلا الراحة والنسيان.

في ديوانه «يوميات عاشق» يسبح الشاعر في فضاءات عديدة معولاً على طوعية المفردات والصور وقدرته على استشراف المستقبل الإبداعي له ولغيرة في ضوء ما يتوافر من المشاعر.

وهنا يبعث برسالة أخرى إلى البلاد التي تأويه مُقراً بحبه لها بحسب مفتاح القصيدة، ولكنة يعود فيعاتبها على قسوتها، إذ لا يُنكر أنها بلاد معتمة ليس فيها شمس، وأنها لا تشبه بلاده الدافئة، ومن ثم فلا يستطيع أن يجعلها البديل الدائم ولا مقر راحته، وهنا تبرز معاناة الشاعر وحيرته بين حلوين كلاهما مرّ، ويظل يعطف على هذه الصور صورة يراها قريبة الشبه، حيث أنها ضمن معطيات الأزمة ونتيجة من نتائجها الحتمية المتوقعة، فيضع عنواناً لقصيدة ثالثة يليق بإحساسه وعذاباته فيكون على هذا النحو، «السقوط» وتكون البداية الحزينة متضمنة في التنويعات البلاغية وإسقاط المعاني على الواقع، حيث يكتب: أنا أعلم أني في يوم من هذه الأيام سأطير ـ فوداعاً للسير على الحبل المشدود ـ ووداعاً للجمهور ـ ووداعاً للأوغاد ـ فيهم من يكره فني فيقول ـ للسيرك زمان ولّى ـ والرقص على الحبل ـ استعراض زالت نضرته.
وفي هذا الشطر إلماح إلى المكائد والتربص بالموهبة والتأكيد على أن تلك الصفات والممارسات هي سمات العصر وسمة الآخرين المنتــــظرين لحظة السقوط والموت، إذ يعود الشاعر عبد الرشيد محـــمودي فيكمـــل القصيدة قائلاً: وهناك نفوس حاقدة ترجو لي أن أهوي ـ وتتهشم جمجمتي – يشقيهم أني أسمو ـ أصعد!
في ديوانه «يوميات عاشق» يسبح الشاعر في فضاءات عديدة معولاً على طوعية المفردات والصور وقدرته على استشراف المستقبل الإبداعي له ولغيرة في ضوء ما يتوافر من المشاعر، وما تحتفظ به الذاكرة من مواقف وشواهد يضعها مقياساً للحالة الشعورية الراهنة، فتتولد منها الأبيات وتنزف القصائد دماءها، فتتوالى الآلام وتنجلي الرؤية فتكشف عن مزيد من الحنين للوطن والذكريات وشجون السفر وتذاكر الذهاب والإياب.

٭ كاتب من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية