يوم التقى اللّقلق بمالك الحزين

غير بعيد عن مسكني يعشّش كلّ عام على عمود الكهرباء، أو في أعالي الشجر طائر مهاجر يسمّى بالفصحى اللّقلق الأبيض، ويسمّيه أهلنا الحاج قاسم، ويسمّيه جيراننا في الشرق البلاّرج، ويسمّيه اشقاؤنا في بلاد الشام أبا سعد. هو طائر من ذوات السيقان الطويلة والأجنحة العظيمة والمناقير الضخمة، وهو من الطيور التي تلتوي أعناقها كأنما تكتب حرف (S) اللاتيني.
بعيدا جدّا عن مسكني طائر شبيه باللقلق يسمّى مالك الحزين، وقد يسمّى في لهجات العرب البلشون يشبه اللقلق غير أنّه يسكن البحر ويغتذي بالسمك. لكلّ من الطائرين تسمية علميّة عالمة هي من أصل لاتيني، ولكن له تسميات عربية فصحى أو شعبية يخفي بعضها قصصا وأساطير لافتة؛ من الممكن أن تحكى عن الطيور قصص وأساطير تفسّر أسماءها غير العلمية. تمكنك اللغة من أن تدخل إلى هذه العوالم الغريبة والحكايات العجيبة التي تحاك وتحكى على مقاس الثقافات، وعلى أحجام العقول التي ابتدعتها. ليست هذه العقول بسيطة أو ساذجة بالضرورة، بل هي على العكس من ذلك عقول لا تكتفي بالمرئي والمجرّب والملاحظ، أي بالعلمي، بل تريد أن تجد في ما وراء العلم أشياء تساعدها على الحلم والسفر في العقل الرحيب على جناح معبر عقلي فريد هو الخيال. الخيال عقليّ المنبت وكذلك الأسطوري لكن حين يشتغل كلّ واحد منهما بأدوات العقل يطير ويجنّح ولا يمشي في الأسواق.
المداخل اللغويّة إلى الأساطير الحيوانية أو غيرها، هي مداخل مقنّنة وشرعيّة، ولذلك اعتمدتها الأنثروبولوجيا الثقافية، واعتبرت اللّغة من أهمّ عناصر الثقافة؛ بل يمكن أن تكون أداة للدّراسة ومدخلا إليها. الثقافة في بعض تعريفاتها نظام متفاعل من العناصر الذهنية التي تتألّف من المعتقدات والمواقف، ومن السلوكات التي تحركها تلك العناصر؛ وترتكز الثقافة في توصيل مضامينها على نظام رمزي من أهمّه اللغة. يقال إنّ الثقافة لا توجد بلا لغة، واللغة لا توجد بلا ثقافة، طبعا هو كلام قابل للنقاش، لأنّ للثقافة وسائل رمزية أخرى يمكن أن تظهر بها؛ واللغة تستخدم في غير ما يعدّ ثقافيّا مثلما تستخدم في التعبير عن الثقافي، لكنّ المهمّ في هذا القول هو الإلحاح على الترابط المتين بين اللغوي والثقافي وعن التفاعل بينهما.
حين تفتح المعجم العربي على هذه مادة (ل. ق. ل. ق) تجد ما يفيد بأن اللّقلق صوت: لكن هل كلُّ صوتٍ لقلقٌ؟ أم هو صوت يحاكي مرجعه الطبيعي؟ حين تسمع صوت هذا الطائر ستجد فيه ما يمكن أن يحاكي هذين الحرفين (اللام والقاف)؛ وبما أنّ صوته مكرّر بهما، كان الاسم المحاكي رباعيا مضاعفا. كان الإنسان يسمّي عناصر الطبيعة المجاورة بمحاكاة الأصوات: يسمع ويحاكي، ويعني هذا أنّ هذا الاسم قديم لا باعتباره اسما عربيا، بل باعتباره اسما يحاكي مرجعه بقطع النظر عمّن حاكى التسمية أوّلاً فيمكن أن يكون من نحت الاسم بالمحاكاة، ومن واضعه عليه من غير العرب. الفارق العمري كبير جدّا بين اسمي (لقلق) و(الحاج قاسم) وكذلك الفارق في الحاجة الثقافية إلى هذه التسمية. فمن سمّى اللقلق بهذا الاسم العربي، أو باسم من ثقافة أخرى فيها لا شكّ أنّه كان يكتشف وهو يسمّي كائنا مهمّا يعيش في جواره كان يلقلق عليه، أي يصوّت بهذا الصّوت حتى إذا ما أراد تسميته نحت تسمية تحاكي الصوت الذي يصدره. حين نقول حاكاه فذلك لا يعني أنّه قلّد صوته فأصاب التقليد، إنّما استمدّ وهو يرجّع صوته ترجيعا ذهنيّا من أصواته اللغويّة ما يشبه صوت هذا الطائر المُلقلِق.

تمنّيت أن يلتقي اللقلق الحاج مع البلشون الحزين.. أنا لا أعتقد أنّ اللّقلق سيخفّف من مأساة الحزين فعلى الأقلّ هو حزين. أنا أعتقد أنّه سيلومه سيقول له لو كنت مكانك لتوضّأت بماء البحيرة ولو فعلت ذلك ما مسخني الربّ طيرا على شاكلتك.

هذه الطريقة في التّسمية كانت رائجة وما تزال موجودة إلى أيّامنا هي شكل من أشكال ترجمة الأصوات الطبيعية بالأصوات اللغويّة واستعمالها للتسمية. لكنّ المحاكاة التي تحفظ الرابط بين المرجع والتّسمية وتقف ضدّا مناقضا للاعتباطيّة التي قال دي سوسير إنّها أهمّ ما يسم العلاقة التي تجمع طرفي الدليل اللغوي نعني تلك التي تكون بين الدّالّ والمدلول اللغويّيْن. عقل الإنسان المحاكي الذي سمّى اللقلق يختلف عن عقل الإنسان المؤوّل الذي سمّاه «الحاج قاسم». إن كان ما يعلّل التسمية الأولى المحاكية هو ما بين التسمية والصوت المرجعي الطبيعي من علاقة، فإنّ ما يبرّر تسمية الحاج قاسم ليست المحاكاة بل الحكاية. الحكاية الشّعبيّة تقول إنّ اللّقلق كان قبل أن يمسخ طائرا رجلا ورعا اسمه الحاج قاسم، والدليل على ورعه هو أنّه حاجّ بيت الله؛ لكن حدث ذات مرّة أنّه توضّأ باللبن فصار مِسْخًا؛ والبياض الذي في ريش اللّقلق دليل على «صدق الحكاية». حكاية كهذه لا يعنيها أنّ اللّقلق طائر قديم أو حديث ولا يعنيها متى نشأت الفصيلة وفي أيّ عهد من عمر الأرض حدث ذلك؛ هي فقط مهوسة بالتسمية وبالاعتقاد أنّ الله يمكن أن يمسخ الإنسان حيوانا: الإنسان المِسخ هو درجة من درجات العقاب الدنيوي، يمسخ حيوانا يمسخ جمادا المهمّ أنّ الله الذي خلقه يمكن أن يحطّ له من خلقه درجات. عقل المُحاكي كان مطمئنّا يسمع الصّوت يسكنه فيسمّي به؛ عقل الحاكي صار أقلّ اطمئنانا، صار عقلا يخشى أن يمسخ لأنّه فرّط في ركن يسير من العبادة: حين يصبح الحليب بديلا من ماء التطهر، فإنّ ذلك مدعاة للعقاب؛ إذ كيف يتطهّر بمادّة صائرة بطول الوقت إلى التحوّل والفساد؟
مالك الحزين الذي يسكن البحر لتسميته حكاية أخرى. فهو مالك وليس قاسما؛ ومالك هذا تسمية احتفظ بها رمز ديني هو صاحب المذهب المعروف بالمالكيّة؛ مالك الطير يمكن أن يحزن حين تجف البحيرة وتتبخّر مياهها فينقطع العيش الرغد: السمك.. لا تعط مالكا سمكة فهو يعرف كيف يصطادها؛ اعطه ماء للبحيرة ودعْه فإنّه مأمور أن يصطاد.. يجري الماء مرّة أخرى تحت سيقان اللغة.
تمنّيت أن يلتقي اللقلق الحاج مع البلشون الحزين.. أنا لا أعتقد أنّ اللّقلق سيخفّف من مأساة الحزين فعلى الأقلّ هو حزين. أنا أعتقد أنّه سيلومه سيقول له لو كنت مكانك لتوضّأت بماء البحيرة ولو فعلت ذلك ما مسخني الربّ طيرا على شاكلتك. سيطرق الحزين وسيقول له: أنت لا تعرف ما معنى أن يجفّ نبع عيشك.. وسيطير.. لن يقول البلشون مالك للّقلق الحاجّ إنّ الوضوء بماء السباخ لا يجوز .. لن يقول له ذلك لأنّه لا يهمّه وقتها إن كان سَمِيَّ مالك.. سيكون مالك في السماء طائرا قد نسي حكاية كونه مالكا وحزينا، لأنّه وهو في السماء سيفكّر إمّا في البحث عن بحيرة جديدة، وإمّا في الهجرة المبكّرة؛ المهمّ أنّه سينشغل بالسّفر.. هناك يجلس الحاج قاسم وهو يسبّح ويبتهل أن يجعله كمالك الحزين، يسكن البحر فلقد كره البرّ والجبل في موسم الحرّ وكره اعتلاء أعمدة الكهرباء.. هناك في كوكب مالك الحزين بشر يرون الحاج قاسم.. فيتساءلون: لمَ تغيّر لون البلشون؟ تحقّقت نبوءة اللقلق: صار ابن البلد غير أن التسمية تغيرت: قال الحاج قاسم: مالك وحزين خير من حاج ومَسِيخ.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية