من أغرب الفصول في تاريخ العلاقة بين المسلمين وبين أهل الكتاب، أنّ الحملة الفرنسية على مصر وجدت نفسها، في هامش سنتين من الزمن، تبطل أحكام أهل الذمّة عام 1798 وتعفي المسيحيين من أقباط وشوام ويونانيين، واليهود من قرائين وربيّين، من أداء الجزية، بقرار من الجنرال نابليون بونابرت، ثم تعيد عام 1800، فرض الجزية على المسيحيين واليهود، بقرار من ثالث حاكم فرنسي على مصر، جاك فرنسوا دو مينو، مباشرة بعد اغتيال الحاكم الذي سبقه، جان باتيست كليبر، وتبوأه هو سدّة القيادة.
فاذا كانت المفارقة الكبرى في الثورة الفرنسية انها الغت نظام الرق في مستعمراتها الأميركية ثم عادت وفرضته، فان «المفارقة الصغرى»، المتمثلة بالغاء الجزية ثم استئنافها، مثّلت بحدّ ذاتها علامة مبكرة، على التشظي المزدوج لمشاريع التنوير، القادمة من اوروبا الغربية باتجاه شرقنا المتوسطي – العثماني، وللبنى المزمنة التي حكمت العلاقة بين المسلمين والكتابيين في «العصور السلطانية»، وما عاد بالمستطاع اعادة توليدها بالشكل المعهود سابقاً.
ما ميّز الجنرال مينو عن سابقيه بونابرت وكليبير، في حكم مصر، أمران:
– أوّلهما، انه بخلاف بونابرت التقرّبي من المؤسسة الأزهرية، والتخليطيّ بين مثل الثورة وقيم الإسلام، وبخلاف كليبير، السلبي تجاه الأزهر، وغير المقتنع باستمرار الحملة الفرنسية، والعازم على الانسحاب، فان مينو اعتنق الاسلام، وتسمّى «عبد الله»، وتزوّج من زبيدة بنت محمد البواب الميزوني، ولم يغفر له الفرنسيون، انه بعد اغتيال كليبير، الذي كان يمقته مقتاً شديداً، فقد سمّى ابنه من زبيدة سليمان، على اسم «سليمان ونس الحلبي» قاتل كليبير، الذي حكم عليه الفرنسيون بحرق اليد اليمنى والخازوق حتى الموت.
– وثانيهما، انه بخلاف بونابرت وكليبير، كان مينو، مصمّماً على تحويل مصر الى مستعمرة فرنسية وعدم الاكتفاء بالحملة المؤقتة. وهذا بالذات ما دفعه الى «الإغلاظ» على الأقباط والشوام واليونانيين واليهود في مصر. كان يلمس بأمّ العين رفض العلماء والعوام لقرار بونابرت المساواة بينهم وبين المسيحيين واليهود. لكنه كان يتلمّس كذلك الأمر ارتفاع منسوب استقواء الأقليات الدينية بالمحتل الأجنبي. ألم يسبق لكليبير نفسه ان حاول استيعاب الحماسة المسيحية للفرنسين فنظم فيلقين لأقباط مصر ويونانييها والحقهما بـ»جيش الشرق» الذي كان يقوده؟
أياً كانت الترسيمة «الوطنية» السعيدة اللاحقة لـ»اتحاد الهلال مع الصليب» في مواجهة المستعمرين، فان قراءة هادئة لما دوّنه عبد الرحمن الجبرتي عن الحملة، واطلاع على مراسلات مينو والقادة الفرنسيين الآخرين، سوف تعطينا حيّزاً أكبر لفهم كيف سارع الفرنسيون لالغاء الجزية ثم أعادوا فرضها بعد ذلك بسنتين، ولو أنها اتخذت في ظل مينو اسماً جديداً، وهي «الأموال الخصوصية»، وتفاوت قدرها بين الأقباط والشوام واليونانيين واليهود.
واذا كان الحاكم الفرنسي على مصر أعاد فرض الجزية مع تغيير اسمها، طمعاً في توطيد ادارة استعمارية لم يكتب لها البقاء اكثر من بضعة اشهر بعد ذلك، فانّ النورمان، عندما استولوا على صقلية في القرن الحادي عشر الميلادي، ابقوا اسم «الجزية» ادارياً، انما عكسوا الآية. لم تكن للنورمان مصلحة في ان يعتنق المسلمون ديانتهم، فاكتفوا بابدال الأدوار بحيث يؤدي المسلمون واليهود الجزية. ودام ذلك لفترة من الزمن قبل أن يتوجّب على مسلمي الجزيرة، وبايعاز بابويّ، بعد ذلك بقرن ونيف، الاختيار بين تقبّل سرّ العماد وبين أن بيعهم كرقيق أو الرحيل.
حالتان. الحكم النورمندي في صقلية الذي يستبقي نظام الجزية، بالإسم العربي، انما لفرضه على المسلمين واليهود، والحملة الفرنسية على مصر التي تلغي هذا النظام لسنتين ثم تعود فتستأنفه. يبقى ان الفاصل بين الحالتين أساسي.
في الحالة الصقلية نحن في عزّ آليات الحكم والادارة في العصر الوسيط: المتغلّب يقلب المعادلة على المغلوب، والغلبة سجال. في الحالة الثانية، نحن في بداية عصر آخر: اختلاط مشاريع التنوير الغربي بالأشواق الاستعمارية الغربية يكتشف في تراثات الشعوب الشرقية الدينية وغير الدينية «كنوزاً وخبايا» يمكن توظيفها: اخضاع المنظومة الفقهية لمنظومة القانون الوضعي بمراسيم ادارية.
سيرحل مينو سريعاً عن مصر. في تاريخ تطور العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في الشرق العثماني في القرن التاسع عشر وما بعد العثماني لاحقاً لن يُذ َر له أثر، رغم ان الاشكالية التي عبّر عنها ستطرح نفسها بشكل واسع، على خلفية المسيرة المتعرّجة والصعبة لاقرار المواطنية العثمانية المتساوية بين ابناء الملل المختلفة.
يبقى ان أحداً لم يصنع قطيعة تاريخية فاصلة مع مرحلة تاريخية سلطانية كانت تجبى فيها منهجياً الجزية، وتفرض فيها أحكام الذمّة، قدر ما فعل مينو نفسه، يوم مسخ مفهوم الجزية، ويوم فاض في مراسلاته عداء لمسيحيي مصر. وفي هذا كان مينو ثورياً للغاية. بتبني المستعمر لمفهوم الجزية، صار كل احياء بلدياً، سلفياً أو غير سلفي له، احياء لشيء يشبه بدعة عبد الله مينو، ولو أنّها تلبّست عباءة استخلافية وأجادت مخارج الأحرف. من ابي سليمان عبد الله جاك فرنسوا دي مينو الى ابراهيم ابي بكر البغدادي ثمّة خيط رابط.
٭ كاتب واكاديمي لبناني
وسام سعادة